أبها: الوطن

يُنظر إلى مبدأ «رد الجميل» باعتباره إحدى القواعد الاجتماعية الراسخة التي تحكم العلاقات الإنسانية، إذ يفترض كثيرون أن تقديم المساعدة أو الكرم يقابله لاحقًا رد مماثل من الطرف الآخر. إلا أن دراسة حديثة أجراها باحثون من Massachusetts Institute of Technology تشير إلى أن هذه القاعدة ليست عالمية كما كان يُعتقد، وأنها قد تعمل بشكل مختلف تبعًا لطبيعة العلاقة بين الأشخاص.

العلاقات المتساوية

أظهرت الدراسة أن الأشخاص يتوقعون تبادل الكرم عندما تكون العلاقة متكافئة بين الطرفين، مثل الأصدقاء أو الزملاء أو الأقران. ففي هذه الحالات، يُنظر إلى العطاء على أنه عملية تبادل متبادلة، حيث يتوقع أن يرد الطرف الآخر الجميل في مناسبة لاحقة. واعتمد الباحثون على سلسلة من التجارب طُلب خلالها من المشاركين تقييم مواقف يومية تتضمن أفعالًا بسيطة من الكرم، مثل دفع ثمن القهوة أو إعداد وجبة أو التنازل عن تفضيل شخصي. وعندما كان الطرفان في مستوى اجتماعي أو مهني متقارب، توقع المشاركون أن يتبادل الطرفان الأدوار في العطاء مستقبلا.

عندما يتدخل التسلسل الهرمي

لكن الصورة تغيرت عندما تضمنت العلاقة فارقًا في المكانة أو السلطة، مثل علاقة الرئيس بالموظف أو المرشد بالمتدرب أو العم بابن أخيه. ففي هذه الحالات لم يتوقع المشاركون أن يرد المتلقي الجميل، بل افترضوا أن الشخص الذي بادر بالعطاء سيستمر في تقديمه مرة أخرى. والمثير للاهتمام أن هذا النمط ظهر بغض النظر عن الطرف الأعلى مكانة. فسواء كان الرئيس هو من قدم المساعدة أولا أو الموظف، بقيت التوقعات متمحورة حول استمرار المانح نفسه في العطاء. ويرى الباحثون أن وجود تفاوت في المكانة يغير الطريقة التي يُفسر بها الناس السلوك الكريم، إذ لا يُنظر إليه باعتباره تبادلًا متكافئًا، بل جزءًا من طبيعة العلاقة أو الدور الذي يؤديه أحد الطرفين.

اختبار التوقعات عمليا

لم تقتصر الدراسة على استطلاع الآراء أو التوقعات النظرية، بل شملت تجارب استخدمت مكافآت مالية حقيقية لاختبار ما إذا كان الناس يتصرفون بالطريقة نفسها عندما تكون مصالحهم الشخصية على المحك. وخلال هذه التجارب، شارك أفراد في ألعاب تنسيق واتخاذ قرارات مع شركاء افتراضيين وُصفوا بأنهم يتمتعون بمكانة أعلى أو مساوية أو أقل منهم. وأظهرت النتائج أن المشاركين استمروا في اتباع النمط نفسه؛ ففي العلاقات غير المتكافئة افترضوا أن المانح الأول سيبقى الطرف الأكثر عطاءً، بينما كانوا أكثر استعدادًا لتبادل الأدوار عندما تكون العلاقة متساوية. وحتى عندما كان تبادل الأدوار قد يؤدي إلى مكاسب مالية أقل، ظل المشاركون يميلون إلى المعاملة بالمثل في العلاقات المتساوية فقط.

تغيير التوقعات بسرعة

قد تساعد هذه النتائج على فهم ظواهر اجتماعية شائعة يلاحظها كثير من الناس في حياتهم اليومية، مثل وجود أشخاص يقدمون الدعم والمساعدة باستمرار دون أن يحصلوا على القدر نفسه من الاهتمام أو المساندة. وبحسب الباحثين، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر أناني أو غير ممتن، بل قد يكون انعكاسًا لتوقعات اجتماعية غير واعية تشكلت مع الوقت نتيجة طبيعة العلاقة أو التفاوت في الأدوار والمكانة. كما تتوافق هذه النتائج مع ملاحظات سابقة في علم الأنثروبولوجيا، أظهرت أن الهدايا والمساعدات في العديد من الثقافات تتدفق أحيانًا في اتجاه واحد داخل العلاقات الهرمية، ليس بهدف التبادل المباشر، بل للحفاظ على العلاقة نفسها.

تفسير للعلاقات غير المتوازنة

من أبرز نتائج الدراسة أن فعلًا واحدًا من الكرم قد يكون كافيًا لتشكيل صورة جديدة عن العلاقة. فبمجرد أن يقدم أحد الطرفين مساعدة أو دعمًا، يبدأ الآخرون في بناء توقعات مستقبلية اعتمادًا على هذا السلوك.

ويشير الباحثون إلى أن الدماغ قد يتعامل مع هذا التصرف باعتباره معيارًا جديدًا للعلاقة، ما يجعل الناس يتوقعون تكراره مستقبلا حتى لو كان مخالفًا لما كانوا يتوقعونه سابقًا.

وتعني هذه النتيجة أن بعض العلاقات قد تدخل سريعًا في نمط غير متوازن، حيث يصبح أحد الطرفين معطاءً باستمرار بينما يتحول الطرف الآخر إلى متلقٍ دائم، دون أن يشعر أي منهما بوجود خلل واضح في العلاقة.

أبرز النتائج:

• رد الجميل يظهر بوضوح في العلاقات المتساوية.

• العلاقات الهرمية تتبع قواعد مختلفة عن الصداقات والزمالات.

• المانح الأول يُتوقع أن يستمر بالعطاء مستقبلا.

• فعل واحد من الكرم قد يعيد تشكيل توقعات العلاقة بالكامل.

• النمط ظهر حتى في التجارب التي تضمنت مكافآت مالية حقيقية.

• النتائج تساعد على تفسير بعض العلاقات غير المتوازنة في الحياة اليومية.

• التفاوت في المكانة قد يؤثر في توقعات العطاء أكثر من تأثير الكرم نفسه.

• الباحثون يدعون إلى إعادة النظر في مفهوم المعاملة بالمثل باعتباره قاعدة لا تنطبق على جميع العلاقات بالدرجة نفسها.