محمد عبدالله بن شاهر

لم تكن رؤية 2030 مجرد خطة تنموية تُقرأ في وثائق رسمية وتُحفظ في الأدراج. لقد كانت منذ إطلاقها إعلاناً صريحاً بأن المملكة العربية السعودية تعيد تعريف نفسها أمام العالم، لا بالكلام، بل بالبناء. وحين تُعلن دولة عزمها الحقيقي على التحول، فإنها تضع نفسها حتماً في مرمى من ركَنوا لصورتها القديمة، أو بنوا حساباتهم على بقائها في مربعها الأول.

الحساد والحاقدون لا يظهرون حين تتحدث الدول عن طموحاتها.. يظهرون حين تبدأ هذه الطموحات في التحقق.

وهذا بالضبط ما جرى. فمع كل مرحلة اقتربت فيها الرؤية من أهدافها، ومع كل مشروع تحوّل من خريطة إلى واقع مُشيَّد، ومع كل رقم قياسي يسجله الاقتصاد غير النفطي، أو قفزة تاريخية في مؤشرات الاستثمار والسياحة، كان التوتر يتصاعد في عواصم لم تكن تتوقع هذه السرعة. لم يكن أحد يظن أن مستهدفات طُرحت عام 2016 ستُحقَّق قبل موعدها في قطاعات حيوية عدة، ولم يكن المتربصون يتوقعون أن يجدوا أنفسهم أمام واقع حيّ لا تنفع معه النبوءات المتشائمة التي أطلقوها وما زالوا يطلقونها من حين لآخر.

المملكة لم تُخيّب ظنهم بالصدفة.. بل خيّبته بمنهجية.

ما يُميز هذا المشروع التنموي الضخم أنه لم يسِر في فراغ سياسي، بل رافقته رؤية دبلوماسية بالغة الذكاء قلّما تحظى بما تستحقه من تأمل وتحليل. فالمملكة أدركت مبكراً أن التنمية الداخلية -مهما بلغت من الطموح- تبقى مكشوفة الظهر إن لم تُبنَ حولها بيئة إقليمية ودولية تحميها وتُمكّنها. فعملت بصبر واضح على تصفير الخلافات، وفتحت صفحات جديدة مع عواصم آثرت طويلاً أن تظل في حالة من الجفاء والتحفظ. لم تكن هذه مجاملات دبلوماسية عابرة، بل كانت قراراً إستراتيجياً وازناً، فحررت بذلك الطاقة من إدارة الخصومات، وإعادة توجيهها نحو بناء الشراكات النافعة.

وفي الوقت ذاته، هندست المملكة علاقاتها مع القوى الدولية الكبرى ذات التأثير الحقيقي في صياغة مشهد العالم، شرقاً وغرباً، دون أن تُسلّم قرارها لأحد، ودون أن تنزلق إلى مهاترات اقتصادية أو سياسية ساذجة كان سيدفع ثمنها المشروع الوطني قبل غيره. وهذا التوازن بالذات -القدرة على تعدد الشراكات دون التبعية لأي منها- هو ما حصّن المملكة من أدوات الضغط التقليدية التي يلجأ إليها من أراد إبطاء مسيرتها أو إشغالها بمعارك جانبية تستنزف الوقت والموارد.

الحقيقة التي يصعب على بعض المراقبين قبولها هي أن المملكة لم تُهدر طاقتها في الرد على كل استفزاز أو الانجرار إلى كل مواجهة أُريد لها أن تخوضها؛ بل اختارت بوعي أن تكون التنمية هي الرد، وأن يكون الإنجاز هو الحجة. وحين يُفتتح مشروع عالمي كانوا يراهنون على تعثره، أو حين تنمو حصة القطاع الخاص في الناتج المحلي بوتيرة لم تكن في حسبان المشككين، فإن كل ذلك يقول ما لا تقوله البيانات الرسمية.

إن مشروعاً بهذه الجدية وهذه الجرأة أصعب بكثير من أن يوقفه حاسد أو يُعيقه متربص.

المسافة بين الطموح والإنجاز هي المكان الذي تنكسر فيه رماح المتشككين.. والمملكة تقطع هذه المسافة بثبات، يوماً بعد يوم.

محمد عبدالله بن شاهر

لتكن خطواتك في الخير كمن يمشي على الرمل لا يسمع صوته لكن أثره واضح