سعيد المتحمي

مع كل صيف، تتجه الأنظار إلى عسير بوصفها إحدى أهم الوجهات السياحية في المملكة العربية السعودية، وتنجح المنطقة في استقطاب مئات الآلاف من الزوار بفضل طبيعتها، ومناخها المعتدل، والجهود الكبيرة المبذولة في موسم الصيف. وهذا نجاح يُحسب للجميع ويستحق الإشادة.

لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب وسط هذا الزخم هو: ماذا بعد الصيف؟

السياحة المستدامة لا تُقاس بنجاح موسم واحد، بل بقدرة الوجهة على صناعة مواسم متعددة تستثمر مزاياها الطبيعية والثقافية على مدار العام. وعسير تملك هذه الميزة الاستثنائية، فهي ليست منطقة صيفية فحسب، بل منطقة تتغير ملامحها وجمالها من فصل إلى آخر، ولكل فصل فيها شخصية تستحق أن تُستثمر.

ولعل أبرز مثال على ذلك مهرجان قمم الدولي للفنون الأدائية الجبلية، الذي تنظمه هيئة المسرح والفنون الأدائية التابعة لوزارة الثقافة، وأدارته شركة Benchmark باحترافية خلال دوراته السابقة، حتى أصبح أحد أبرز المهرجانات الثقافية المرتبطة بشتاء مرتفعات عسير. ولم تقتصر أهميته على البعد المحلي، بل استقطب فنوناً أدائيّة من عشرات الدول، ممثلة لمختلف قارات العالم، ليقدم نموذجاً فريداً للحوار الثقافي بين المجتمعات الجبلية، ويضع عسير على خارطة الفعاليات الثقافية الدولية.

كان نجاح المهرجان نابعاً من انسجامه مع تشابه المكان والزمان بين جغرافيا المشاركين ، فالضباب، والبرد، والعمارة التراثية، والقرى الجبلية، لم تكن مجرد خلفية للمشهد، بل كانت جزءاً من التجربة نفسها، ولذلك اكتسب المهرجان شخصيته الخاصة وتميزه الدولي.

أقيمت آخر نسخة من المهرجان في شتاء عام 2024، ثم سُمِع أنه سيتم نقله إلى صيف 2025، إلا أن ذلك لم يتحقق، فغاب المهرجان عن الشتاء، ولم يُقم في الصيف أيضاً، لتخسر عسير فعالية دولية ناجحة كانت تمثل أحد أهم روافد السياحة الشتوية. وكانت المحصلة النهائية ليست نقل المهرجان أو تطويره، بل غيابه، رغم أنه كان يمثل قصة نجاح فريدة.

لقد أسهم مهرجان الفنون الأدائية في تغيير الصورة الذهنية عن الشتاء في عسير، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه أشبه بفراغ زمني. بل أصبح الأسبوع الذي كان يُقام فيه المهرجان موسماً مختلفاً بطبيعته وأجوائه، ينتظره الجميع، ولا يزال السؤال عنه يتكرر حتى اليوم.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة مهرجان قمم فحسب، بل بناء روزنامة شتوية متكاملة من هيئة المسرح والفنون الأدائية وجميع الجهات المهتمة بإقامة الفعاليات والمهرجانات، وإطالة الفترة التي تُقام فيها المهرجانات، بحيث تتوزع خلالها الفعاليات الثقافية والتراثية والرياضية والطبيعية، لتصبح عسير وجهة سياحية على مدار العام، لا وجهة موسمية. فالتطوير الحقيقي يعني البناء على النجاحات، لا إلغاءها أو تغيير توقيتها. والفعاليات التي أثبتت نجاحها يجب أن تُطوَّر وتُعزَّز، لا أن تختفي بعد أن صنعت لنفسها مكانة محلية ودولية.

ونحن اليوم في ذروة الموسم الصيفي، فإن هذا هو التوقيت الأمثل للتخطيط لما بعد الصيف. فالمواسم لا تُصنع قبل أسابيع من انطلاقها، وإنما تُبنى برؤية تمتد لعام كامل، وبقرارات تستند إلى دراسات، وإلى فهم عميق لهوية المكان وخصوصية كل فصل.

إن عسير لا تحتاج إلى صيف قوي فقط، بل إلى شتاء نابض، وربيع مزدهر، وخريف حاضر، لتحقيق التنمية السياحية المستدامة. فالنجاح الحقيقي ليس أن يزدحم المكان لأسابيع معدودة، بل أن تبقى الحياة فيه مستمرة طوال العام، وعندما تصبح عسير وجهة لكل الفصول، نكون قد نجحنا في استثمار مقوماتها الطبيعية والثقافية على النحو الذي تستحقه.