نايف عبوش

النص الإبداعي، كما هو معروف، لا تستولده ذهنيةٍ باردة، وهو ليس مجرد رصف آلي للكلمات طبقا لقواعد البلاغة واللغة، وإنما هو وليد لحظة انقداحٍ وجداني متوهجة، يتفاعل فيها الحس المرهف، والمشاعر المتوجهة، والأفكار المتألقة، لتنثال عندئذ، ومضة تعبيرية، تجسد حالة إنسانية حية عاشها الكاتب، أو استشعرها بوجدانه.

فالإبداع الحقيقي يبدأ من حس مرهف، يلتقط ما لا يحضر عند الكثيرين، من لحظة فرحٍ خاطفة، أو وجعٍ عابر، أو مشهدٍ عالقٍ في الذاكرة، أو تأملٍ عميقٍ في تفاصيل وقائع الحياة، حيث تنساب الكلمات تلقائيًا في صورة انثيالٍ تعبيري، يحمل حرارة الشعور، قبل جمال الصياغة، عندما تبلغ الأحاسيس ذروة التفاعل.

وهكذا فإن النص الإبداعي لا يُقاس بطوله، ولا بكثرة مفرداته، وإنما يقاس بقدرته على ملامسة القلوب، وإثارة التساؤلات، واستفزاز التأمل. وبذلك قد تكون بضعة أسطر، أبلغ أثرًا من صفحاتٍ طويلة، طالما أنها كُتبت في لحظة صدقٍ كامل، بين الكاتب ووجدانه.

ولذلك فإن النصوص التي تعلق طويلًا في ذاكرة القراء، هي تلك التي خرجت من القلب قبل أن تسطر على الورق. فالكلمة الصادقة تمتلك طاقةً كامنة متوهجة، تتجاوز حدود اللغة، بملامستها التجربة الإنسانية المشتركة، حيث يشعر القارئ عندئذ، أن الكاتب يعبّر عما كان يجول في خاطره، دون أن يجد له لفظًا.

على أنه ليس المقصود بالانثيال التعبيري، أن يكون النص عفويًا، خاليًا من الصنعة، بل المقصود، أن تظل الصنعة في خدمة المشاعر، لا أن تطغى عليها، بحيث يتمكن الإبداع أن يجمع بين حرارة الحس، وجمال التشكيل، وبين صدق الفكرة، وبلاغة العبارة.

وهكذا يظل النص الإبداعي ومضةً تنقدح من أعماق الوجدان، ثم تتوهج بالكلمة، لتكون رسالةً إنسانيةً تحمل نبض حس صاحبها، ومن ثم تأخذ طريقها إلى وجدان كل قارئ يمتلك حسًا مرهفًا، ويتفاعل مع صدق الحس، وبلاغة التعبير.