سالم بن محمد آل جفشر

لم تكن أسطوانة الغاز في حقيقتها أزمة كما حاول البعض تصويرها لكنها كشفت أزمة أخرى أكثر وضوحا وهي أزمة الأبواق المأجوره وايقضت خونة الأوطان التي لا تتحرك من أجل المواطن ولا تغضب لأجل معيشته وإنما تنتظر أي قرار سعودي لتصنع منه مادة صراخ وتحريض وتشويه حتى لو كان القرار في سياقه الطبيعي وضمن حركة اقتصادية تعرفها كل دول العالم.

في المملكة العربية السعودية لا ينظر المواطن إلى سعر سلعة منفردة بمعزل عن الصورة الوطنية الكبرى حيث الأمن والأمان والاستقرار والرخاء والخدمات والتنمية وجودة الحياة وحيث تمضي رؤية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء عراب ومهندس الاقتصاد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز في صناعة اقتصاد وطني أكثر تنوعا واستدامة وقوة فالوطن الذي يمنح الإنسان الطمأنينة ويحفظ له كرامته ويوفر له الاستقرار ويصنع مستقبله بثقة لا يمكن أن تختزل قيمته في سعر أسطوانة غاز ولا في ضجيج أبواق مأجورة لا ترى من المشهد إلا ما يخدم حملاتها ضد وطننا الغالي.

الوطنية ليست شعارات ترفع عند المناسبات بل وعي ومسؤولية وإنصاف وفهم للسياق الوطني والاقتصادي فالمواطن السعودي من حقه أن يسأل ويناقش ويتابع أثر أي قرار على ميزانيته لكنه في الوقت نفسه يدرك أن السؤال المسؤول يختلف عن التحريض وأن النقد الوطني يختلف عن الصراخ المأجور وأن من يحب الوطن لا يحاول كسر الثقة بين المواطن ومؤسساته عند كل قرار.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا لماذا لم تخصص هذه الأبواق المأجورة حلقات وبرامج ومنشورات عن ارتفاع أسعار البنزين والديزل والغاز في بعض دول الخليج ولماذا لا نسمع صراخهم عندما ترتفع أسعار الوقود والخدمات في دول أخرى ولماذا تتحول التفاصيل الاقتصادية إلى قضية كبرى فقط عندما يكون اسم المملكة العربية السعودية حاضرا في المشهد.

هذه الانتقائية لا علاقة لها بالدفاع عن المواطن بل تكشف خصومة قديمة مع الوطن فمن كان صادقا في حرصه على الناس لكان عادلا في المقارنة ومن كان أمينا مع جمهوره لعرض الأسعار في سياقها الخليجي والعالمي ومن كان نزيها في خطابه لما جعل من أسطوانة الغاز منصة للتحريض وحلقة للشماتة ومادة لإثارة الغضب المفتعل.

ارتفاع أسعار الطاقة أو تعديل بعض رسوم الخدمات ليس أمرا سعوديا خاصا بل هو جزء من واقع اقتصادي عالمي تتأثر به الأسواق، بسبب النقل والتوريد والتشغيل وتكاليف الإنتاج وتقلبات الأسعار الدولية، ومع ذلك تبقى المملكة ولله الحمد قادرة على إدارة هذه المتغيرات بهدوء وتنظيم ووضوح، دون أن تترك السوق للفوضى أو المواطن للمجهول.

أسطوانة الغاز التي حاولوا أن يجعلوها قضية ضد الوطن، أصبحت دليلا على وعي المواطن السعودي. فقد رأى الناس حجم المبالغة وقرأوا لغة التحريض، وفهموا أن من يرفع صوته اليوم باسم الغاز لم يكن صوته حاضرا عندما ارتفعت أسعار الوقود والخدمات في أماكن أخرى ،لأن الهدف ليس السعر بل الهدف السعودية.

وطننا لا يقاس بأسطوانة غاز ولا بسعر عابر، بل بأمنه واستقراره وقيادته الحكيمة وشعبه الوفي ومكانته واقتصاده وخدماته ومشروعاته الكبرى، وقدرته على حماية حياة الناس، وسط عالم يموج بالأزمات والتوترات والحروب والتضخم والاضطرابات ،ومن لا يرى هذه الصورة الكاملة فهو إما جاهل بالواقع أو متجاهل للحقيقة.

نعم نناقش ونطرح ونسأل، لكننا لا نسمح لمن باع صوته ومنبره أن يحول معيشتنا اليومية إلى سلاح ضد وطننا. فالمواطن السعودي ليس مادة سهلة لحملات التحريض، وليس جمهورا عابرا في مسرح الأبواق المأجورة، بل هو مواطن واع يعرف قيمة وطنه، ويدرك أن الأمن والاستقرار والتنمية نعم عظيمة، لا يجوز التفريط بها بسبب ضجيج مصنوع.

لقد أشعلت أسطوانة الغاز أبواق خونة الأوطان، لكنها في المقابل أظهرت الفرق بين من ينتمي إلى وطنه بعقل ووفاء، وبين من يقف في الخارج ينتظر أي تفصيل ليطعن ويزايد ويحرّض. فشتان بين مواطن يسأل من داخل دائرة الانتماء وبين مأجور يصيح من خارج دائرة الوفاء.

ستبقى المملكة بإذن الله وطنا عظيما، بأمنه وقيادته وشعبه واستقراره، وستبقى رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - عنوانا للتحول الاقتصادي والتنمية المستدامة وبناء المستقبل، وستبقى قرارات الدولة قابلة للنقاش المسؤول دون أن تتحول إلى منصة للعبث أو التحريض.

سيبقى وعي المواطن السعودي أقوى من أبواق خونة الأوطان في الخارج، وأكبر من حملات التشويه، وأعمق ثباتا من كل محاولة تريد أن تجعل من أسطوانة غاز قضية ضد وطن لا يعرفون قدره.