محمد الزموري

ليست الأزمات أحداثاً عابرة تقطع استقرار التاريخ، وإنما هي اللحظات التي ينكشف فيها ما كان مستتراً تحت قشرة الاعتياد. فهي لا تخلق الواقع بقدر ما ترفع عنه الحجاب، فتجعل الإنسان يرى ذاته والعالم خارج الصور التي ألفها. وما بدا في الأزمة المالية لعام 2008 انهياراً اقتصادياً، لم يكن في حقيقته سوى بداية مساءلة شاملة للإنسان المعاصر، وللنظام الذي بنى عليه يقينه، وللقيم التي اعتقد أنها بلغت درجة من الرسوخ تجعلها بمنأى عن الاهتزاز.

كان المشهد اليومي حينها يوحي بأن الزمن نفسه قد أصابه الوهن. الشوارع أقل ازدحاماً، والمتاجر خالية، ودور السينما والمقاهي فقدت صخبها المعتاد. لم يكن الفراغ مادياً فقط، بل كان فراغاً في المعنى؛ إذ بدا وكأن الحركة التي اعتدنا أن نعدها علامة على الحياة لم تكن سوى وظيفة يؤديها اقتصاد مستمر في الدوران. وما إن توقفت الآلة حتى انكشف هشاشتها وهشاشتنا معها.

هناك برز السؤال الجوهري: ماذا يبقى عندما تتعطل المرافق التي تمنح الحياة انتظامها؟ ماذا يتبقى للإنسان إذا فقد العمل، والقدرة على الاستهلاك، والشعور بالأمان؟ إن ما ينكشف عندئذ ليس الفقر وحده، بل خواء البنية الرمزية التي كان الإنسان يستند إليها في تعريف ذاته.

لهذا لم تكن العودة إلى القراءة والكتابة نوعاً من الانسحاب من العالم، بل محاولة لاستعادة القدرة على التفكير فيه. ففي أزمنة الاضطراب يصبح الفكر ضرورة وجودية، لأنه يعيد ترتيب الأسئلة قبل أن يبحث عن الأجوبة. وكانت العودة إلى كانط، ولوكاتش، ومحمد عابد الجابري، أشبه بحوار مع عقول واجهت، كل بطريقتها، أزمات عصرها. ولم تكن قيمة هذا الحوار في تقديم حلول جاهزة، بل في تذكير الإنسان بأن المعنى لا يسبق التجربة، وإنما يتولد من القدرة على تأويلها.

ولذلك فإن أخطر ما تفعله الأزمات أنها تجبر الإنسان على إعادة تعريف نفسه. فهي تنزع عنه أوهام الاكتفاء، وتدفعه إلى مواجهة هشاشته التي طالما أخفاها خلف وفرة الأشياء وسرعة الحياة.

ثم جاءت الأزمات اللاحقة؛ المناخية، والسياسية، والاجتماعية، والصحية، لتؤكد أن ما ظُنّ استثناءً أصبح قاعدة. لم يعد العالم يتحرك من استقرار إلى أزمة، بل من أزمة إلى أخرى. وغدا عدم اليقين هو المناخ الذي تتشكل داخله الخبرة الإنسانية.

لقد كشفت الجائحة، بصورة لم تعرفها الأجيال المعاصرة، حدود المشروع الحداثي نفسه. فالحضارة التي بنت ثقتها على السيطرة التقنية وجدت نفسها عاجزة أمام كائن مجهري. ولم تكن صور المرضى في غرف العناية المركزة مجرد مشاهد طبية، بل كانت استعارة مكثفة عن حضارة تستند إلى قوة هائلة، لكنها تكتشف في اللحظات الحاسمة هشاشتها الوجودية.

ومن هنا بدأ يتراجع الإيمان بالنماذج الفكرية الكبرى التي وعدت الإنسان بالتقدم المستمر. فالسرديات التي بشرت بالخلاص عبر السوق، أو التقنية، أو حتى العقل المجرد، فقدت قدرتها على الإقناع، لأنها اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً من أن يُختزل في نموذج واحد أو تفسير نهائي.

ولعل ما تكشفه هذه التحولات هو أن الأزمة ليست في نقص المعرفة، وإنما في الطريقة التي فهم بها الإنسان ذاته. فقد بالغ في تعريف نفسه باعتباره كائناً عاقلاً يسيطر على العالم، وأغفل أنه، قبل كل شيء، كائن يعيش داخل شبكة معقدة من العلاقات مع الطبيعة، والآخرين، والزمن، والتاريخ. وعندما انقطعت هذه الروابط، لم يعد العقل وحده قادراً على ترميم ما تهدم.

لهذا تبدو بعض التصورات التي تتحدث عن «ما بعد الإنسان» وكأنها تكرر الخطأ نفسه الذي أوقع الحضارة في مأزقها؛ إذ تبحث عن تجاوز الإنسان بدلاً من إعادة فهمه. والحال أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استبدال الإنسان بكائن أكثر كفاءة، بل في استعادة المعنى الإنساني الذي أضعفته هيمنة التقنية، ومنطق المنفعة، وثقافة الاستهلاك.

الوعي الجديد لا يقوم على إنتاج يقين آخر يحل محل اليقين القديم، بل على الاعتراف بأن الحقيقة أكثر انفتاحاً من أن تُختزل في نسق واحد، وأن الإنسان أكثر تعقيداً من أن يُختصر في وظيفة أو هوية أو قدرة عقلية. فكل أزمة كبرى تذكرنا بأن الإنسان لا ينجو بما يملك من أدوات فقط، وإنما بما يملك من قدرة على إعادة بناء المعنى، وعلى تجديد علاقته بذاته، وبالآخر، وبالعالم. ولعل هذه هي المهمة الفكرية الأكثر إلحاحاً في زمننا: ألا نبحث عن يقين يعفينا من الأسئلة، بل عن وعي يجعلنا أقدر على السكن في عالم متغير، دون أن نفقد إنسانيتنا أو نتخلى عن مسؤوليتنا في إعادة بناء المعنى كلما بدا أنه يتداعى.