ماجد الجريوي

في كل صباح تقريبًا، تمتلئ حالات واتساب وسناب تشات ومنصات التواصل، باقتباسات ملهمة وعبارات منمقة عن السعادة، والسلام الداخلي، والتصالح مع الذات، والاستمتاع بالحياة. يتداول الناس كلمات واقتباسات للأستاذ لعدد من صناع المحتوى الذين قدموا أفكارًا لامست احتياجات كثير من الناس. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كم شخصًا يطبق ما ينشره فعلًا؟

ليست القضية في جودة المحتوى، ولا في قيمة الرسائل التي يقدمها هؤلاء، فالكثير منها يحمل أفكارًا نافعة وجديرة بالتأمل. القضية الحقيقية تكمن في طريقة استهلاكنا لهذا المحتوى. فقد تحول عند البعض من وسيلة للتغيير إلى وسيلة للشعور - المؤقت - بالرضا، وكأننا نستبدل العمل على أنفسنا، بالاكتفاء بقراءة عبارة جميلة، أو مشاركة مقطع مؤثر. البعض يعتقد أنه أصبح أكثر وعيًا لأنه شاهد عشرات المقاطع عن بناء الشخصية، أو شارك اقتباسًا عن التسامح، أو نشر وصية عن إدارة الضغوط. لكن الوعي الحقيقي لا يقاس بما نحفظه من عبارات، وإنما بما يتغير في سلوكنا عندما نغضب، عندما نختلف، وعندما نواجه تحديات الحياة اليومية.

من المفارقات أن تجد شخصًا ينشر صباحًا اقتباسًا عن الهدوء وضبط الانفعال، ثم يقضي بقية يومه في الشكوى، أو الإساءة للآخرين، أو الدخول في جدالات لا تنتهي. وثان يتحدث عن أهمية الامتنان بينما لا يرى في حياته سوى ما ينقصه، وثالث ينصح الناس بالاهتمام بصحتهم النفسية، وهو لا يمنح نفسه دقيقة واحدة لمراجعة أخطائه أو تعديل عاداته. هنا، أصبحت الكلمات الجميلة تؤدي - عند بعض الناس - دورًا يشبه المسكنات؛ تخفف الألم النفسي مؤقتًا، لكنها لا تعالج أسبابه. تمنح شعورًا سريعًا بالراحة، ثم يزول أثرها مع أول موقف أو أزمة، لأن السلوك لم يتغير، والعادات بقيت كما هي. إنها تشبه من يقرأ كتابًا كاملًا عن اللياقة البدنية، ثم يظن أن عضلاته ستنمو دون أن يذهب إلى النادي الرياضي.

الحقيقة التي قد لا تعجب الكثيرين، هي أن التنمية الحقيقية ليست في عدد المقاطع التي نشاهدها، ولا في عدد الاقتباسات التي نشاركها، بل في القرارات الصغيرة التي نلتزم بها كل يوم. فالتغيير عملية مرهقة، بينما استهلاك المحتوى التحفيزي عملية ممتعة وسهلة، ولهذا يفضلها كثيرون. فنحن اليوم لا نحتاج إلى المزيد من الحكم والكلمات الرنانة بقدر ما نحتاج إلى المزيد من التطبيق. فالكلمة الجميلة قد تفتح الباب، لكنها لا تعبره نيابةً عنا. وبين الإعجاب بالحكمة والالتزام بها، مسافة لا يقطعها إلا العمل. وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا قبل أن نشارك أي اقتباس: هل أريد أن أبدو شخصًا واعيًا، أم أن أصبح فعلًا كذلك؟