الصادق جاد المولى

كانوا يقولون إن السودان سلة غذاء العالم، وكان في القول شيء من حقيقة الأرض، لا مبالغة الخطباء؛ بلد يشقّه النيل، وتمتد فيه السهول، وتنام في باطنه الثروات، ويعرف أهله الزراعة كما يعرفون مواقيت المطر ووجوه الفصول. وقد ظل هذا الوصف يلازم السودان طويلًا، حتى غلب عليه الحلم، وتعاقبت الحكومات، وبقيت السلة فارغة، ثم جاءت الحرب فأضافت إلى خيباتنا ما لم يخطر على قلب سوداني.

فالسودان الذي انتظر العالم يومًا أن يحمل إليه غذاءه، صار اليوم يحمل إليه العالم السلاح والمقاتلين الأجانب، وتجتمع في أرضه أطماع بعض دول الإقليم وشركات الحرب وتجار الذهب وأصحاب البنادق المؤجرة، حتى أوشك أن يصبح، في واحدة من أقسى مفارقات تاريخه "سلة مرتزقة العالم".

يدخل الرجل الغريب أرض السودان، لا يعرف قرية فيها، ولا يحفظ اسم نهر من أنهارها، ولا يرقد له أب في ترابها، ثم يُعطى بندقية وأجرًا ومهمةً في قتل أهلها. يأتي من وراء البحر ليحاصر مدينة سودانية، ويلاحق طفلًا في الفاشر، ويقف على باب بيت لم يسمع باسم صاحبه، كأن السودان أرض لا أهل لها، أو غنيمة مباحة لمن يدفع أكثر. وقد كشفت تحقيقات حديثة عن وجود مقاتلين كولومبيين إلى جانب قوات الدعم السريع، وعن مسارات تجنيد ونقل وتدريب ارتبطت بشركة مقرها بدولة كانت إلى وقتٍ قريب شقيقة، فيما نفت عاصمتها مرارًا دعمها العسكري لهذه القوات، ومهما يكن من أمر النفي والاتهام، فإن ظهور مرتزقة عبروا القارات ليقاتلوا في دارفور يضع العالم أمام مسؤولية لا تنفع معها بيانات القلق ولا اللغة التي تخشى تسمية الأشياء بأسمائها.

وماذا يريد مرتزق كولومبي من الفاشر، وأي خصومة بينه وبين امرأة تحمل طفلها هربًا من القصف، وأي ثأر له عند أهل دارفور، ومن الذي أقنعه بأن فقيرًا سودانيًا يستحق الموت كي يعود هو إلى بلاده بأجر حرب؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها البنادق، لكنها تكشف مقدار ما صار إليه السودان من استباحة، فالحرب التي بدأت صراعًا على السلطة اتسعت أبوابها حتى دخل منها كل طامع؛ هذا يطلب الذهب، وذاك يريد موطئًا على البحر الأحمر، وثالث يبحث عن نفوذ سياسي، ورابع وجد في الدم السوداني تجارة لا تسأل البائع عن ضميره، ومن بين ركام هذه المصالح تمددت قوات الدعم السريع، واستمدت من الخارج ما أعانها على البقاء والاتساع، فيما دفع السودانيون الثمن من بيوتهم وأعراضهم وأرزاقهم.

وقد وثقت تقارير دولية ما ارتكبته هذه القوات من قتل ونهب واغتصاب وتهجير قسري واضطهاد عرقي واغتصاب وتجنيد للأطفال، ولا تحتاج جرائمها إلى كثير شرح؛ فقد شرحتها البيوت التي نُهبت، والقرى التي أُحرقت، والمقابر التي اتسعت، والنساء اللاتي حملن في صمتهن ما تعجز اللغة عن حمله، وهي قوة لم تعرف الدولة إلا مخزنًا تريد الاستيلاء عليه، ولم ترَ المواطن إلا غنيمة أو خصمًا أو وسيلةً للابتزاز. دخلت منازل الناس، فحملت الأثاث والسيارات والذهب والذكريات، ودخلت المستشفيات، فطردت المرضى واتخذت بعضها مواقع عسكرية، ودخلت القرى، فتركت وراءها نارًا ودخانًا وأمهات يبحثن بين الجثث، وحين ضاقت عليها أرض السودان، فتحت لها أيدي الخارج طرق المال والسلاح والرجال.

وقد كان دارفور أسبق أقاليم السودان إلى معرفة هذه الوحشية؛ عرف أهلها منذ حملات "الجنجويد" أن الرجل المسلح قد يتوهم أن البندقية تمنحه حقًا في أرض غيره وبيته وزرعه وابنته. تغيّر الاسم، وتبدلت الشعارات، وبقيت اليد التي تحرق القرية هي اليد نفسها، وبقيت الضحية سودانيةً لا يسمع العالم صراخها إلا بعد أن يصير خبرًا قديمًا. وفي عام 2026 أصبح أكثر من 33.7 مليون سوداني يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية بينهم 17.3 مليون طفل، فيما بلغ عدد النازحين داخل البلاد نحو 9.1 مليون إنسان، وأكثر من ثمانية ملايين طفل ما زالوا خارج المدارس، ويُتوقع أن يعاني 4.2 مليون طفل سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 825 ألف حالة شديدة قد تنتهي بالموت إن لم تجد العلاج.

غير أن الأرقام الكبيرة كثيرًا ما تظلم أصحابها؛ لأنها تجمع المأساة حتى تخفي تفاصيلها، فالنازح ليس تسعة ملايين إنسان في جدول؛ هو رجل أغلق باب بيته معتقدًا أنه سيعود بعد يومين، ثم مضت ثلاثة أعوام وما زال المفتاح في جيبه، والطفل خارج المدرسة ليس رقمًا في تقرير؛ هو مقعد فارغ، وكتاب توقف عند الصفحة الأخيرة التي قرأها قبل أن تبدأ الحرب، والأم التي تواجه المجاعة ليست حالة في نشرة إنسانية؛ هي امرأة تقسم طعامًا لا يكفي طفلًا واحدًا بين خمسة أطفال، ثم تدعي الشبع كي يصدقوها، والوطن لا يموت حين يسقط أبناؤه وحدهم؛ يموت أيضًا حين يكبر أطفاله بلا مدارس، وتتحول المستشفيات إلى خرائب، ويصبح الحصول على الدواء ضربًا من الحظ، ويتعلم الصغار أسماء الأسلحة قبل أسماء الأنهار.

وقد أصابت الحرب النساء في أعمق مواضع المجتمع؛ لأن من أراد إذلال قرية كاملة جعل جسد المرأة ميدانًا لانتقامه، وما ظهر من جرائم العنف الجنسي أقل مما خفي؛ فالخوف والعار وانقطاع الطرق وانهيار المرافق الصحية تحول دون وصول آلاف الضحايا إلى العدالة أو العلاج، أما ذوو الإعاقة فقد تركتهم الحرب في مكان لا تلتفت إليه نشرات الميدان، فالحرب كلها أوامر بالحركة: تقدّم، تراجع، اهرب، اخرج، ولا أحد يسأل كيف يهرب من لا يستطيع المشي، وكيف يعرف الكفيف طريقه وسط النار، وكيف يسمع الأصم نداء الإخلاء. وقد تكون عبارة "غادروا المنطقة فورًا" خبر نجاة لآلاف الناس، وحكمًا بالموت على رجل لا يجد من يحمله، وقد ينجو الناس من الحي المحترق، ويبقى فيه شخص على كرسي متحرك يراقب النار وهي تقترب، عاجزًا حتى عن تنفيذ الخوف الذي يشعر به.

وفي المناطق التي استعادها الجيش، وجد السودانيون قدرًا من الأمن افتقدوه تحت احتلال الدعم السريع، فعاد كثيرون إلى الخرطوم ومدن أخرى، رغم البيوت المهدمة والذخائر غير المنفجرة والخدمات الغائبة، وهذا فارق ينبغي ألا تضيع حقيقته في المساواة المريحة بين الدولة والمليشيا؛ فالقوات المسلحة -بما لها وما عليها- هي جيش البلاد، فيما قامت قوات الدعم السريع على بنية عسكرية موازية انتهت إلى محاولة اختطاف الدولة. ومع ذلك، فإن واجب الجيش في حماية الوطن يحمّله مسؤولية كل قوة تقاتل تحت مظلته، ولا يجوز أن يتحول الانتصار على الدعم السريع إلى رخصة للانتقام من السكان، أو أن يصبح الانتماء إلى القوات المساندة حصانةً من القانون. من يقاتل المليشيا ثم يقتل بريئًا، لا يكون قد خدم الوطن؛ يكون قد أضاف جريمة جديدة إلى دفتره المثقل.

وأكتب هذا بصفتي مواطنًا سودانيًا وصحافيًا يعرف موقفه ولا يتوارى خلف الكلمات. أنا ضد قوات الدعم السريع، وأرى أن جرائمها الواسعة ومشروعها العسكري يهددان وجود السودان ووحدته، وأن قادتها ومن ارتكبوا الفظائع باسمها يجب أن يخضعوا للعدالة. لكنني أخشى، في الوقت نفسه، أن أقول: أوقفوا الحرب. فالدعوة إلى السلام أصبحت عند بعض السودانيين شبهة، ومن يطالب بوقف القتال يُسأل عن ولائه قبل أن يُسمع قوله، ومن يبكي طفلًا قتيلًا يطالَب أولًا بمعرفة القذيفة التي قتلته، ومن يتحدث عن امرأة اغتُصبت يُسأل عن زي الجاني، كأن للضحايا درجات، وللحزن أبوابًا لا تفتح إلا بإذن المعسكرات.

وقد بلغت الحرب غايتها حين جندت الرحمة نفسها، فجعلت التعاطف خيانة، والسكوت وطنية، والموت خبرًا يُقبل أو يُنكر بحسب الجهة التي أطلقته. إن المطالبة بإنهاء الحرب لا تعفي الدعم السريع من جرائمه، ولا تمحو واجب الجيش في الدفاع عن الدولة، ولا تساوي بين مشروعين مختلفين. إنها سؤال عن السودان الذي سيبقى بعد انتهاء القتال: ماذا ينفع أن نربح الأرض وقد خسرنا أبناءها، وأي نصر هذا الذي يترك المدارس مغلقة، والقرى خالية، والنساء مثقلات بالجراح، والمزارع مقابر، والحدود ممرات للمرتزقة والسلاح؟ لقد كان الخارج حاضرًا في الحرب أكثر مما كان حاضرًا في السلام؛ وصلت الأسلحة، وعبرت الأموال، وجاء المرتزقة، وتعطلت المساعدات عند الحواجز، وتحدث العالم كثيرًا عن حماية المدنيين، ثم تركهم يختبرون وحدهم معنى الحصار والجوع والنزوح.

وسط هذا العجز، احتفظت المملكة العربية السعودية بموقف واضح من الأزمة، انطلق من وحدة السودان وسيادته، ورفض انهيار مؤسساته، والسعي إلى وقف القتال وفتح الطريق أمام المساعدات والعملية السياسية. ولم تتعامل الرياض مع السودان كخبر موسمي ترفعه الأحداث إلى واجهة الاهتمام ثم تدفعه حرب أخرى إلى النسيان. ومنذ الأيام الأولى أدركت القيادة السعودية أن النار المشتعلة في السودان لن تقف عند حدوده؛ فاستقرار السودان متصل بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والمنطقة العربية، وانهياره يفتح أبوابًا واسعة للتهريب والجريمة المنظمة والهجرة والتدخلات الأجنبية. ومن هنا جاء منبر جدة.

في مايو 2023 استضافت المملكة، بالشراكة مع الولايات المتحدة، ممثلي القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، وانتهت المحادثات إلى توقيع إعلان الالتزام بحماية المدنيين، الذي نص على احترام القانون الدولي الإنساني، وتيسير وصول الإغاثة، وحماية المرافق المدنية والإنسانية. وكان ذلك أول اتفاق مباشر بين طرفي الحرب، والمرجعية التي ما زالت المملكة والمجتمع الدولي يعودان إليها كلما ذُكرت حماية المدنيين. وقد يقول قائل إن جدة لم توقف الحرب، وهذا صحيح، لكن من الظلم قياس المبادرة بما فعله الذين نقضوا تعهداتهم، فالوساطة تفتح الطريق، ولا تستطيع أن تسوق الأطراف إليه مقيدةً بالسلاسل. وقد أبقت جدة باب السياسة مفتوحًا في وقت اندفعت فيه قوى كثيرة إلى تغذية الميدان، وأثبتت أن طريق الحل موجود، وأن الالتزامات معلومة، وأن من يرفضها يختار الحرب بوعي كامل.

وكان لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تقدير مبكر لخطورة الأزمة، واهتمام لم ينقطع بوحدة السودان وأمنه وسلامة شعبه. ففي وقت تعاملت فيه عواصم مع السودان بوصفه مساحةً للمنافسة، نظرت إليه المملكة جارًا عزيزًا ودولةً ينبغي إنقاذها من التفكك، وربطت موقفها بالحل السياسي الذي يصنعه السودانيون ويحفظ مؤسسات بلادهم. ولولا المسعى السعودي، لكانت الحرب أكثر وحشةً مما هي عليه؛ إذ حفظ منبر جدة للسلام عنوانًا ومرجعيةً ومكانًا يمكن الرجوع إليه، ومنع السياسة من أن تختفي تمامًا خلف صوت المدافع.

ولا ينبغي أن تُترك السعودية وحدها تحمل عبء مسار سياسي تهدمه جهات أخرى بالسلاح والمال والمرتزقة. فلا يستقيم أن تشيد بعض الدول بمنبر جدة في العلن، ثم تتسرب من أراضيها أو عبر شركاتها أسباب استمرار الحرب. ولا معنى لبيان يطالب بوقف إطلاق النار، بينما تواصل الطائرات نقل العتاد، وتعبر الحدود شحنات الموت، ويُستقدم مقاتلون لا شأن لهم بالسودان. إن دعم المساعي السعودية يقتضي موقفًا دوليًا له أسنان: وقف تدفق السلاح، وتجفيف تمويل الحرب، وإخراج المرتزقة، وفتح الطرق أمام الإغاثة، وحماية المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، والعودة إلى عملية سياسية تحمي الدولة من المليشيات ومن أطماع العسكريين معًا.

فالسودان يقترب من خطر يتجاوز استمرار الحرب إلى تثبيت انقسام البلاد. كل شهر يمر يجعل خطوط القتال أقرب إلى الحدود، وقادة الميدان أقرب إلى الحكام، ومناطق النفوذ أقرب إلى دويلات تتغذى على الذهب والسلاح والتهريب. وحين تطول الحرب، تنشأ حولها مصالح تخشى السلام أكثر مما تخشى موت الناس. كان السودان "سلة غذاء العالم" على الأقل في أحلام أبنائه وإمكانات أرضه، واليوم تتنازعه أيد تريد أن تجعله سلةً للمرتزقة، يحمل كل طرف إليها رجالًا من بلاد بعيدة، ثم يترك للسودانيين مهمة دفن موتاهم.

ومع ذلك، فإن السودان ما زال حيًا؛ حي في المرأة التي تمشي أميالًا لتأتي بالماء، وفي الأخ الذي يحمل أخاه العاجز على ظهره، وفي المعلم الذي يفتح صفًا تحت شجرة، وفي الطبيب الذي يعمل بلا دواء، وفي السوداني الذي يرفض أن يهب عقله للدعاية، أو يسلّم حقه في السلام لمن جعلوا الحرب امتحانًا للوطنية. إن بلادنا تحتاج إلى جيش واحد، وسلاح واحد، وقانون لا يختبئ منه أحد خلف رتبته أو قبيلته أو شعاره، وتحتاج إلى سلام لا يمنح المجرمين عفوًا، وعدالة لا تتحول إلى انتقام، ودولة تعرف أن أول واجباتها حماية من لا يملك سلاحًا. وتحتاج، قبل ذلك كله، إلى عالم يقف مع المساعي السعودية في جدة، ويحولها من تعهدات تنقضها البنادق إلى إرادة تُلزم أطراف الحرب ومن يقفون وراءهم.

فلا تتركوا السودان، الذي كان مؤهلًا لإطعام العالم، يتحول إلى مائدة تتقاسمها أطماع العالم، ولا تجعلوا من الدعوة إلى إنقاذ طفل سوداني خيانة؛ فالخيانة الحقيقية أن يبقى حيًا تحت النار، ونبقى نحن نتجادل حول اسم السلام.