مها عبدالله

لا أعرف من اخترع فكرة أن الخصومات وسيلة للتوفير، لكنه بلا شك أحد أعظم عباقرة التسويق في التاريخ. استطاع أن يقنع الإنسان بأنه كلما أنفق أكثر، كان أوفر. فأصبحنا ندخل المتجر لشراء بطاريات، ونخرج بمكنسة روبوت، وآلة قهوة، وصندوق تخزين، وأربع قطع ديكور، لأن عليها خصمًا لا يُفوَّت. لا أحد يسأل نفسه: «هل أحتاج هذا؟» بل السؤال الوحيد الذي يهم هو: «كم كانت قيمته قبل الخصم؟» وكأن السعر القديم أصبح هو الحاجة، وليس المنتج نفسه.

والأجمل من ذلك أننا نحتفل بهذا الإنجاز بكل فخر. تسمع أحدهم يقول: «اليوم وفّرت 1200 ريال». بينما كشف الحساب البنكي يصرخ بأنه خسر 1800 ريال. أصبحنا نحسب المال الذي لم ندفعه، ونتجاهل المال الذي خرج من حسابنا فعلًا. ولو بقي هذا الشخص في منزله ولم يشترِ شيئًا، لكان وفر المبلغ كاملًا، لكن هذه الحسبة لا تعجب خبراء التخفيضات؛ لأنها لا تمنحهم شعور الانتصار الذي تمنحه كلمة «70 %».

المفارقة أن الشركات لم تعد بحاجة إلى إقناعك بجودة المنتج، ولا بعمره الافتراضي، ولا حتى بفائدته. يكفي أن تضع رقمًا كبيرًا وتشطبه بخط أحمر، ثم تكتب بجواره «لفترة محدودة»، ليتحول أكثر الناس حرصًا على أمواله إلى مندوب مبيعات يعمل مجانًا لصالحها. والأسوأ أن الضحية لا يكتفي بالشراء، بل يقنع غيره أيضًا، فيرسل روابط العروض إلى العائلة والأصدقاء، وكأنه اكتشف بئر نفط، بينما الحقيقة أنه يوسّع دائرة الضحايا فقط.

لهذا، لم تعد أكبر كذبة في الأسواق هي عبارة «آخر قطعة»، ولا «العرض ينتهي الليلة». أكبر كذبة صدقناها جميعًا هي أن الخصومات تزيد ثروتنا. والحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من البيوت امتلأت بأشياء لا تحتاجها، بينما الحسابات البنكية فرغت من أموال كانت تحتاجها.

وللتوضيح... لا أكتب من برجٍ عاجي، ولا أوزّع النصائح من خارج دائرة الاتهام. أنا إحدى الضحايا. لديّ في المنزل أشياء اشتريتها لأن عليها خصمًا، لا لأنني احتجتها، وأخرى ما زالت في كراتينها تنتظر اليوم الذي أقنع فيه نفسي أن قرار شرائها كان منطقيًا.

ولذلك، إذا لاحظتم اختفائي خلال موسم التخفيضات، فلا تقلقوا... لست في رحلة، بل في محاولة يائسة للنجاة. أطفأت إشعارات المتاجر، وحذفت بعض التطبيقات، وأقاوم بكل ما أملك ألا أفتح رسالة تبدأ بـ«لفترة محدودة» أو «بقيت ساعات». أدركت أخيرًا أنني لم أكن أوفّر أموالي... كنت أمارس هواية مكلفة اسمها «تبرير الشراء».

وإذا رأيتموني بعد شهر أحمل جهازًا جديدًا لا أعرف لماذا اشتريته... فأرجوكم لا تسألوني كم كان سعره، بل السؤال الوحيد الذي كان يجب أن أسأله لنفسي منذ البداية: هل كنت سأشتريه لو لم يكن عليه خصم؟

أخيرا.. اعذروني... سأغادر الآن لأحذف تطبيقات التسوق. أو لأشتري شيئًا لا أحتاجه لأن عليه خصمًا... لم أحسم أمري بعد!

أكبر كذبة هي أن الخصومات تزيد ثروتنا، والحقيقة أن البيوت امتلأت بأشياء لا تحتاجها، بينما الحسابات البنكية فرغت من أموال كانت تحتاجها.