يقول أصدقائي إن من أبرز عيوبي الستمائة - وربما زاد العدد قليلًا منذ آخر إحصاء -أنني لم أتقن اللغة الإنجليزية. لا أدري لماذا اختاروا عدم إتقاني للإنجليزية من بين كل عيوبي. فلو أردنا الإنصاف، فهناك عيوب أكثر استحقاقًا للاهتمام. لكن يبدو أن الإنسان يستطيع أن يعيش وهو عنيد، أو كسول، أو سيئ التنظيم، أما أن يقول: " تمام... تمام" لأمريكي سأله عن حاله فهذه لا تُغتفر.
درست الإنجليزية سنوات طويلة ضمن المناهج الدراسية، واشتريت كتبًا لتعلمها، وحفظت كلمات كثيرة، ثم نسيتها... تماما. شاهدت الأفلام الأجنبية، واستمعـت إلى الأغاني، وقرأت اللوحات المعلقة في الشوارع، ومررت بمواقف كان ينبغي - وفق أي منطق تربوي - أن تجعلني أتقنها ولو اضطرارا. لكن اللغة الإنجليزية كانت تمر بي كما تمر الرياح فوق صخرة مطمئنة دون أن تترك أثرًا. ربما بقيت بعض الكلمات الصغيرة التي تتشبث بذاكرتي لأسباب غامضة: شكراً. صباح الخير. نعم. لا. ومفردات أخرى لا تصلح غالبًا إلا لطلب الماء أو الاعتذار عن خطأ لم أعرفه. أما الجمل، فكانت كارثة مستقلة.
أبدأ الجملة وأنا أعرف أين أريد الوصول، ثم أفقد الطريق بعد الكلمة الثالثة، فأضطر إلى استعمال الإشارة، ورفع الحاجبين، وتحريك اليدين، والابتسام ابتسامة واسعة لعل الطرف الآخر يفهم أنني إنسان مسالم مهما كان الذي قلته يبدو عدائيًا.
لو كان عدم إتقاني للإنجليزية نابعًا من اعتزازي باللغة العربية، لكان الأمر بطوليًا بعض الشيء، ولكنت الآن أكتب هذا المقال مرتديًا عباءة الفرسان المدافعين عن الضاد. لكن الحقيقة أكثر بساطة. أنا فقط... لم أتعلمها.
أعرف أن هذا التفسير لا يرضي علماء التربية، ولا المدربين الذين يعدونك بإتقان اللغة خلال ثلاثين يومًا، ولا أصحاب المقاطع التي تبدأ بعبارة: (لن تصدق كم هو سهل أن تتحدث الإنجليزية بطلاقة) لكنها الحقيقة. هناك أشياء نظل نقف على أبوابها سنوات، نطرق الباب بحماس في البداية، ثم بخجل، ثم نقنع أنفسنا بأننا في الأصل لم نكن نرغب في الدخول.
كنت أسير ذات صباح في أروقة المدرسة التي أعمل فيها، حين قابلت زميلي الخبير الأمريكي مستر لوغان. رجل لطيف، طويل القامة، دائم الابتسامة، لا يتعمد إحراج أحد، لكنه يرتكب خطأً فادحًا كل صباح... يتحدث الإنجليزية بطلاقة.
قلت في نفسي: لا بد أن أتقدم خطوة. لا يصح أن نظل نتبادل الابتسامات إلى نهاية العالم، اقتربت منه وقلت بثقة: (قود مورننج.) وهذا تقريبًا أقصى إنجاز لغوي أستطيع تحقيقه حتى الآن. أجابني مستر لوغان بتحية الصباح، ثم قال جملة طويلة.
كانت جملة طبيعية على الأرجح، وربما لم تستغرق أكثر من خمس ثوان، لكنها في أذني بدت كخطاب سياسي كامل، يحتوي على مقدمة ونتائج وتوصيات وملاحق سرية. حاولت أن ألتقط كلمة مفهومة وقد نجحت في ذلك، ثم أصابني الشك . هل قال: يوم؟ أم قال: أنت؟ أم قال اسم دولة في أوروبا الشرقية؟ لم يكن لدي وقت للتحليل؛ فقد انتهى الرجل من كلامه، وبدا أنه ينتظر ردًا. وهنا يبدأ ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الإنسان يراجع كل قراراته. فكرت أن أقول: نعم. لكن ماذا لو كان قد سألني عن صحتي؟ أو عن العمل؟ أو عن وجود حريق في المبنى؟ هل يصح أن ترد على كل هذا بنعم؟ فكرت أن أقول: لا. لكن ماذا لو كان قد تمنى لي يومًا سعيدًا؟ سيبدو الرد قاسيًا إلى حد غير مبرر.
لذلك لجأت إلى ذخيرة الطوارئ العربية. ابتسمت وقلت: (تمام... تمام) خرجت الكلمتان مني بنبرة رجل يريد طمأنة طبيب أو موظف جوازات أو أحد أقاربه القلقين. نظر إليّ مستر لوغان لحظة. أظن أنه فهم من نظراتي ما لم أفهمه من كلامه.
ابتسم ابتسامة مشجعة، وهز رأسه، ثم مضى. وبقيت واقفًا أفكر في هذا الحوار القصير الذي لم يحدث في الحقيقة. هو قال شيئًا. وأنا قلت شيئًا آخر. ومع ذلك افترقنا ونحن راضيان نسبيًا. وربما كانت هذه هي أكثر المحادثات البشرية نجاحا؛ لأن كُلًّا منا خرج منها دون أن يضطر إلى فهم الآخر.
تمنيت حينها لو أن البشر يتكلمون لغة واحدة. ليس رغبة مني في إلغاء الثقافات أو سحق الهويات أو إغلاق أقسام اللغات في الجامعات. كنت أريد فقط أن أفهم ما قاله مستر لوغان. وبقي السؤال يلح عليّ بعد ذلك: لماذا تعددت اللغات أصلًا؟
أعرف أن العلماء لديهم إجابات كثيرة: الجغرافيا، والهجرات، والعزلة، وتطور الجماعات، واختلاف البيئات، وتحول الأصوات عبر القرون. كل هذا جميل ومقنع. لكن الإنسان حين يقف عاجزًا أمام جملة قصيرة لا يهتم كثيرًا بنظريات نشأة اللغات. يصبح أكثر بدائية. يريد لغة واحدة، واضحة، لا تحتاج إلى معجم، ولا إلى قواعد، ولا إلى أزمنة أفعال تجعل الماضي البسيط أكثر تعقيدًا من المستقبل كله.
فكرت أن الرسم ربما كان الحل. الرسم لغة عالمية، كما يقال. ترسم قلبًا، فيفهم الناس أنك تتحدث عن الحب. ترسم دمعة، فيفهمون أنك حزين. ترسم دجاجة مشوية، فيدركون أنك جائع، إلا إذا كنت رسامًا نباتيًا يريد إدانة أكل اللحوم، وعندها يصبح الأمر معقدًا من جديد.
لكن حتى الرسم نفسه لم يعد بهذه البراءة. كان الطفل قديمًا يرسم شمسًا في زاوية الورقة، وبيتًا يخرج من مدخنته دخان، وأبًا وأمًا يمسكان بيد طفل صغير. تفهم اللوحة في ثوان. هناك أسرة. وهذا بيتها. وهذا يوم مشمس.
لكن الفن الحديث قرر أن فهم اللوحة إهانة للفنان. قد تدخل معرضًا فترى قماشًا كبيرًا في وسطه بقعة سوداء، وإلى جوارها خط أحمر مائل، وفي الزاوية نقطة زرقاء تبدو كأنها سقطت من الفرشاة مصادفة. تقف أمام اللوحة، فتحاول أن تستشعر عظمتها. يميل إليك الناقد ويشرح أن الخط الأحمر يرمز إلى تمرد الإنسان على القوالب، وأن البقعة السوداء هي الفراغ الوجودي، أما النقطة الزرقاء فتمثل الأمل المقهور تحت سلطة الواقع.
تنظر إليه في احترام. ثم تنظر إلى اللوحة. ثم تبدأ بالشك في نفسك. ربما كنت تظن أنها بقعة طلاء، لأنك لم تبلغ بعد المستوى الذي يؤهلك لإدراك المأساة الإنسانية المختبئة في الزاوية اليمنى.
وهكذا تحولت لغة الرسم التي أردناها بسيطة إلى لغة تحتاج إلى مترجم، والمترجم نفسه يحتاج إلى مترجم آخر يشرح لنا ما الذي يعنيه بالفراغ الوجودي.
المشكلة أعمق من اختلاف اللغات. نحن نحب أن نعتقد أن سوء الفهم يحدث لأن الكلمات غير واضحة، أو لأن اللغة مختلفة، أو لأن الطرف الآخر لم يسمع جيدًا. وهذا يمنحنا قدرًا من الراحة. كأننا نقول: لو استخدمنا الكلمات الصحيحة لفهم بعضنا بعضًا. لكن التجربة لا تؤيد هذا التفاؤل.
كم من شخصين يتحدثان اللغة نفسها، ويستعملان الكلمات نفسها، ويعرف كل منهما قاموس الآخر، ثم ينتهي الحديث بينهما إلى خصومة طويلة؟
وكم من زوج قال لزوجته جملة بسيطة، فقضى بقية الأسبوع يشرح أنه لم يقصدها بالطريقة التي فهمتها؟
وكم من صديق كتب رسالة قصيرة، فقرأها صديقه بنبرة لم تُكتب بها، ففهم منها احتقارًا وتلميحًا وسخرية، بينما صاحب الرسالة كان يأكل شطيرة ويكتب بيد واحدة؟
الكلمات لا تصل وحدها. تحمل معها مخاوفنا القديمة، وتجاربنا، وحساسيتنا، وظنوننا، وصورنا السابقة عن المتكلم. أنت لا تسمع فقط ما يقوله الآخر. أنت تسمع أيضًا ما تخشى أن يقوله. وقد يقول لك أحدهم: (كما تشاء.) جملة من كلمتين. لكنها قد تعني فعلًا: افعل ما تشاء. وقد تعني: افعل ما تشاء وستندم. وقد تعني: لقد انتهى الكلام بيننا. وقد تعني: لا أملك طاقة لمناقشتك. وقد تعني أنه قالها وهو ينظر إلى هاتفه ولم يقصد شيئًا على الإطلاق. نحتاج في الحقيقة إلى نبرة، وملامح، وسياق، وتاريخ كامل للعلاقة، ثم قد نخطئ أيضًا.
لذلك لا أظن أن توحيد لغة البشر كان سيحل المشكلة. ربما كانوا سيتكلمون جميعًا بلغة واحدة، ثم ينشئون ألف طريقة لسوء فهمها. الإنسان مخلوق عجيب. اخترع اللغة كي يكشف ما بداخله، ثم أتقن استعمالها لإخفاء ما بداخله. يقول: أنا بخير، وهو ليس بخير. يقول: لا يهم، بينما لا شيء يهمه أكثر من ذلك. يقول: أنا لا ألومك، ثم يبدأ في سرد الوقائع منذ عام 1990. يقول: خذ راحتك، وهو يتمنى ألا تأخذ منها ثانية واحدة.
حتى الصمت، الذي يبدو أكثر صدقًا من الكلام، ليس بريئًا. هناك صمت رضا، وصمت غضب، وصمت عجز، وصمت احتقار، وصمت لأن المرء لم يسمع السؤال أصلًا.
وهكذا يصبح الإنسان كائنًا محاصرًا بالترجمة. يترجم مشاعره إلى كلمات. ثم يترجم المستمع الكلمات إلى معانٍ. وبين الترجمتين تضيع أشياء كثيرة.
ربما لهذا نشعر أحيانًا أن أقرب الناس إلينا لا يفهموننا. ليس لأنهم لا يحبوننا، أو أننا عاجزون عن الكلام، لكن لأن لكل إنسان لغة داخلية لا يتقنها أحد سواه.
هناك كلمة تقولها أنت فتستدعي في داخلك ذكرى كاملة، بينما يسمعها الآخر كلمة عادية. مكان ما قد يكون عندك طفولة، وعند غيرك مجرد شارع. رائحة ما قد تكون عندك أمًّا رحلت، وعند الآخر مجرد قهوة. أغنية قد تفتح فيك بابًا لسنوات بعيدة، بينما يسمعها من بجانبك فيقول إن اللحن قديم.
كيف تشرح هذا كله؟ بأي لغة؟ وكم كلمة نحتاج حتى ننقل شعورًا واحدًا كما هو؟ ربما لا توجد لغة قادرة على ذلك.
ربما تكون اللغة مجرد ألواح خشبية صغيرة نضعها فوق فراغ واسع، ثم نعبر بحذر، ويسقط منا في الطريق كثير مما أردنا قوله. هذا لا يعني أن اللغة فاشلة. هي أعظم ما لدينا، لكنها ليست معجزة مكتملة. هي محاولة إنسانية نبيلة ضد الوحدة. كلما تكلم إنسان، فهو يقول في العمق: هناك شيء بداخلي أريدك أن تراه. وكلما أنصت إنسان بصدق، فهو يقول: سأحاول أن أراك. ربما لن ينجحا تمامًا. لكن المحاولة نفسها تستحق الاحترام.
تذكرت مستر لوغان بعد ذلك. ربما لم يكن يسأل عن حالي أصلًا. ربما كان يقول إن الجو جميل.
أو يخبرني عن اجتماع. أو يسألني عن موقع أحد الفصول. وربما كانت إجابتي: «تمام تمام» لا علاقة لها بأي شيء. لكنني أظن أنه فهم المعنى الأهم. فهم أنني أحاول أن أكون لطيفًا. وفهمت أنا أنه يحاول أن يكون لطيفًا أيضًا. وهذا في بعض الأحيان يكفي.
ليست كل المحادثات في حاجة إلى ترجمة دقيقة. أحيانًا تقوم الابتسامة بما تعجز عنه الجملة. وأحيانًا تكون هزة الرأس أكثر أمانًا من استعمال فعل لا تعرف تصريفه. وأحيانًا يقول الإنسان كلامًا كثيرًا، ولا يصل منه إلا حسن النية. وقد يكون حسن النية هو اللغة الوحيدة التي لم تختلف عليها الشعوب، رغم أن البشر لا يستعملونها دائمًا بطلاقة.
في اليوم التالي، رأيت مستر لوغان مرة أخرى. ابتسمت. فابتسم. ولوح كل منا للآخر بيده. ولم يقل أي منا كلمة. ولأول مرة... شعرت أننا فهمنا بعضنا أكثر من المرة السابقة. ومنذ ذلك اليوم بدأت أشك أن اللغة ليست أعظم اختراع صنعه الإنسان. ربما كانت الابتسامة أعظم. أما الإنجليزية...فسأتعلمها غدًا. وأنا أقول "غدًا" منذ عشرين عاما. ولعل هذه هي اللغة الوحيدة التي أتقنها جميعا... لغة التأجيل.
درست الإنجليزية سنوات طويلة ضمن المناهج الدراسية، واشتريت كتبًا لتعلمها، وحفظت كلمات كثيرة، ثم نسيتها... تماما. شاهدت الأفلام الأجنبية، واستمعـت إلى الأغاني، وقرأت اللوحات المعلقة في الشوارع، ومررت بمواقف كان ينبغي - وفق أي منطق تربوي - أن تجعلني أتقنها ولو اضطرارا. لكن اللغة الإنجليزية كانت تمر بي كما تمر الرياح فوق صخرة مطمئنة دون أن تترك أثرًا. ربما بقيت بعض الكلمات الصغيرة التي تتشبث بذاكرتي لأسباب غامضة: شكراً. صباح الخير. نعم. لا. ومفردات أخرى لا تصلح غالبًا إلا لطلب الماء أو الاعتذار عن خطأ لم أعرفه. أما الجمل، فكانت كارثة مستقلة.
أبدأ الجملة وأنا أعرف أين أريد الوصول، ثم أفقد الطريق بعد الكلمة الثالثة، فأضطر إلى استعمال الإشارة، ورفع الحاجبين، وتحريك اليدين، والابتسام ابتسامة واسعة لعل الطرف الآخر يفهم أنني إنسان مسالم مهما كان الذي قلته يبدو عدائيًا.
لو كان عدم إتقاني للإنجليزية نابعًا من اعتزازي باللغة العربية، لكان الأمر بطوليًا بعض الشيء، ولكنت الآن أكتب هذا المقال مرتديًا عباءة الفرسان المدافعين عن الضاد. لكن الحقيقة أكثر بساطة. أنا فقط... لم أتعلمها.
أعرف أن هذا التفسير لا يرضي علماء التربية، ولا المدربين الذين يعدونك بإتقان اللغة خلال ثلاثين يومًا، ولا أصحاب المقاطع التي تبدأ بعبارة: (لن تصدق كم هو سهل أن تتحدث الإنجليزية بطلاقة) لكنها الحقيقة. هناك أشياء نظل نقف على أبوابها سنوات، نطرق الباب بحماس في البداية، ثم بخجل، ثم نقنع أنفسنا بأننا في الأصل لم نكن نرغب في الدخول.
كنت أسير ذات صباح في أروقة المدرسة التي أعمل فيها، حين قابلت زميلي الخبير الأمريكي مستر لوغان. رجل لطيف، طويل القامة، دائم الابتسامة، لا يتعمد إحراج أحد، لكنه يرتكب خطأً فادحًا كل صباح... يتحدث الإنجليزية بطلاقة.
قلت في نفسي: لا بد أن أتقدم خطوة. لا يصح أن نظل نتبادل الابتسامات إلى نهاية العالم، اقتربت منه وقلت بثقة: (قود مورننج.) وهذا تقريبًا أقصى إنجاز لغوي أستطيع تحقيقه حتى الآن. أجابني مستر لوغان بتحية الصباح، ثم قال جملة طويلة.
كانت جملة طبيعية على الأرجح، وربما لم تستغرق أكثر من خمس ثوان، لكنها في أذني بدت كخطاب سياسي كامل، يحتوي على مقدمة ونتائج وتوصيات وملاحق سرية. حاولت أن ألتقط كلمة مفهومة وقد نجحت في ذلك، ثم أصابني الشك . هل قال: يوم؟ أم قال: أنت؟ أم قال اسم دولة في أوروبا الشرقية؟ لم يكن لدي وقت للتحليل؛ فقد انتهى الرجل من كلامه، وبدا أنه ينتظر ردًا. وهنا يبدأ ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الإنسان يراجع كل قراراته. فكرت أن أقول: نعم. لكن ماذا لو كان قد سألني عن صحتي؟ أو عن العمل؟ أو عن وجود حريق في المبنى؟ هل يصح أن ترد على كل هذا بنعم؟ فكرت أن أقول: لا. لكن ماذا لو كان قد تمنى لي يومًا سعيدًا؟ سيبدو الرد قاسيًا إلى حد غير مبرر.
لذلك لجأت إلى ذخيرة الطوارئ العربية. ابتسمت وقلت: (تمام... تمام) خرجت الكلمتان مني بنبرة رجل يريد طمأنة طبيب أو موظف جوازات أو أحد أقاربه القلقين. نظر إليّ مستر لوغان لحظة. أظن أنه فهم من نظراتي ما لم أفهمه من كلامه.
ابتسم ابتسامة مشجعة، وهز رأسه، ثم مضى. وبقيت واقفًا أفكر في هذا الحوار القصير الذي لم يحدث في الحقيقة. هو قال شيئًا. وأنا قلت شيئًا آخر. ومع ذلك افترقنا ونحن راضيان نسبيًا. وربما كانت هذه هي أكثر المحادثات البشرية نجاحا؛ لأن كُلًّا منا خرج منها دون أن يضطر إلى فهم الآخر.
تمنيت حينها لو أن البشر يتكلمون لغة واحدة. ليس رغبة مني في إلغاء الثقافات أو سحق الهويات أو إغلاق أقسام اللغات في الجامعات. كنت أريد فقط أن أفهم ما قاله مستر لوغان. وبقي السؤال يلح عليّ بعد ذلك: لماذا تعددت اللغات أصلًا؟
أعرف أن العلماء لديهم إجابات كثيرة: الجغرافيا، والهجرات، والعزلة، وتطور الجماعات، واختلاف البيئات، وتحول الأصوات عبر القرون. كل هذا جميل ومقنع. لكن الإنسان حين يقف عاجزًا أمام جملة قصيرة لا يهتم كثيرًا بنظريات نشأة اللغات. يصبح أكثر بدائية. يريد لغة واحدة، واضحة، لا تحتاج إلى معجم، ولا إلى قواعد، ولا إلى أزمنة أفعال تجعل الماضي البسيط أكثر تعقيدًا من المستقبل كله.
فكرت أن الرسم ربما كان الحل. الرسم لغة عالمية، كما يقال. ترسم قلبًا، فيفهم الناس أنك تتحدث عن الحب. ترسم دمعة، فيفهمون أنك حزين. ترسم دجاجة مشوية، فيدركون أنك جائع، إلا إذا كنت رسامًا نباتيًا يريد إدانة أكل اللحوم، وعندها يصبح الأمر معقدًا من جديد.
لكن حتى الرسم نفسه لم يعد بهذه البراءة. كان الطفل قديمًا يرسم شمسًا في زاوية الورقة، وبيتًا يخرج من مدخنته دخان، وأبًا وأمًا يمسكان بيد طفل صغير. تفهم اللوحة في ثوان. هناك أسرة. وهذا بيتها. وهذا يوم مشمس.
لكن الفن الحديث قرر أن فهم اللوحة إهانة للفنان. قد تدخل معرضًا فترى قماشًا كبيرًا في وسطه بقعة سوداء، وإلى جوارها خط أحمر مائل، وفي الزاوية نقطة زرقاء تبدو كأنها سقطت من الفرشاة مصادفة. تقف أمام اللوحة، فتحاول أن تستشعر عظمتها. يميل إليك الناقد ويشرح أن الخط الأحمر يرمز إلى تمرد الإنسان على القوالب، وأن البقعة السوداء هي الفراغ الوجودي، أما النقطة الزرقاء فتمثل الأمل المقهور تحت سلطة الواقع.
تنظر إليه في احترام. ثم تنظر إلى اللوحة. ثم تبدأ بالشك في نفسك. ربما كنت تظن أنها بقعة طلاء، لأنك لم تبلغ بعد المستوى الذي يؤهلك لإدراك المأساة الإنسانية المختبئة في الزاوية اليمنى.
وهكذا تحولت لغة الرسم التي أردناها بسيطة إلى لغة تحتاج إلى مترجم، والمترجم نفسه يحتاج إلى مترجم آخر يشرح لنا ما الذي يعنيه بالفراغ الوجودي.
المشكلة أعمق من اختلاف اللغات. نحن نحب أن نعتقد أن سوء الفهم يحدث لأن الكلمات غير واضحة، أو لأن اللغة مختلفة، أو لأن الطرف الآخر لم يسمع جيدًا. وهذا يمنحنا قدرًا من الراحة. كأننا نقول: لو استخدمنا الكلمات الصحيحة لفهم بعضنا بعضًا. لكن التجربة لا تؤيد هذا التفاؤل.
كم من شخصين يتحدثان اللغة نفسها، ويستعملان الكلمات نفسها، ويعرف كل منهما قاموس الآخر، ثم ينتهي الحديث بينهما إلى خصومة طويلة؟
وكم من زوج قال لزوجته جملة بسيطة، فقضى بقية الأسبوع يشرح أنه لم يقصدها بالطريقة التي فهمتها؟
وكم من صديق كتب رسالة قصيرة، فقرأها صديقه بنبرة لم تُكتب بها، ففهم منها احتقارًا وتلميحًا وسخرية، بينما صاحب الرسالة كان يأكل شطيرة ويكتب بيد واحدة؟
الكلمات لا تصل وحدها. تحمل معها مخاوفنا القديمة، وتجاربنا، وحساسيتنا، وظنوننا، وصورنا السابقة عن المتكلم. أنت لا تسمع فقط ما يقوله الآخر. أنت تسمع أيضًا ما تخشى أن يقوله. وقد يقول لك أحدهم: (كما تشاء.) جملة من كلمتين. لكنها قد تعني فعلًا: افعل ما تشاء. وقد تعني: افعل ما تشاء وستندم. وقد تعني: لقد انتهى الكلام بيننا. وقد تعني: لا أملك طاقة لمناقشتك. وقد تعني أنه قالها وهو ينظر إلى هاتفه ولم يقصد شيئًا على الإطلاق. نحتاج في الحقيقة إلى نبرة، وملامح، وسياق، وتاريخ كامل للعلاقة، ثم قد نخطئ أيضًا.
لذلك لا أظن أن توحيد لغة البشر كان سيحل المشكلة. ربما كانوا سيتكلمون جميعًا بلغة واحدة، ثم ينشئون ألف طريقة لسوء فهمها. الإنسان مخلوق عجيب. اخترع اللغة كي يكشف ما بداخله، ثم أتقن استعمالها لإخفاء ما بداخله. يقول: أنا بخير، وهو ليس بخير. يقول: لا يهم، بينما لا شيء يهمه أكثر من ذلك. يقول: أنا لا ألومك، ثم يبدأ في سرد الوقائع منذ عام 1990. يقول: خذ راحتك، وهو يتمنى ألا تأخذ منها ثانية واحدة.
حتى الصمت، الذي يبدو أكثر صدقًا من الكلام، ليس بريئًا. هناك صمت رضا، وصمت غضب، وصمت عجز، وصمت احتقار، وصمت لأن المرء لم يسمع السؤال أصلًا.
وهكذا يصبح الإنسان كائنًا محاصرًا بالترجمة. يترجم مشاعره إلى كلمات. ثم يترجم المستمع الكلمات إلى معانٍ. وبين الترجمتين تضيع أشياء كثيرة.
ربما لهذا نشعر أحيانًا أن أقرب الناس إلينا لا يفهموننا. ليس لأنهم لا يحبوننا، أو أننا عاجزون عن الكلام، لكن لأن لكل إنسان لغة داخلية لا يتقنها أحد سواه.
هناك كلمة تقولها أنت فتستدعي في داخلك ذكرى كاملة، بينما يسمعها الآخر كلمة عادية. مكان ما قد يكون عندك طفولة، وعند غيرك مجرد شارع. رائحة ما قد تكون عندك أمًّا رحلت، وعند الآخر مجرد قهوة. أغنية قد تفتح فيك بابًا لسنوات بعيدة، بينما يسمعها من بجانبك فيقول إن اللحن قديم.
كيف تشرح هذا كله؟ بأي لغة؟ وكم كلمة نحتاج حتى ننقل شعورًا واحدًا كما هو؟ ربما لا توجد لغة قادرة على ذلك.
ربما تكون اللغة مجرد ألواح خشبية صغيرة نضعها فوق فراغ واسع، ثم نعبر بحذر، ويسقط منا في الطريق كثير مما أردنا قوله. هذا لا يعني أن اللغة فاشلة. هي أعظم ما لدينا، لكنها ليست معجزة مكتملة. هي محاولة إنسانية نبيلة ضد الوحدة. كلما تكلم إنسان، فهو يقول في العمق: هناك شيء بداخلي أريدك أن تراه. وكلما أنصت إنسان بصدق، فهو يقول: سأحاول أن أراك. ربما لن ينجحا تمامًا. لكن المحاولة نفسها تستحق الاحترام.
تذكرت مستر لوغان بعد ذلك. ربما لم يكن يسأل عن حالي أصلًا. ربما كان يقول إن الجو جميل.
أو يخبرني عن اجتماع. أو يسألني عن موقع أحد الفصول. وربما كانت إجابتي: «تمام تمام» لا علاقة لها بأي شيء. لكنني أظن أنه فهم المعنى الأهم. فهم أنني أحاول أن أكون لطيفًا. وفهمت أنا أنه يحاول أن يكون لطيفًا أيضًا. وهذا في بعض الأحيان يكفي.
ليست كل المحادثات في حاجة إلى ترجمة دقيقة. أحيانًا تقوم الابتسامة بما تعجز عنه الجملة. وأحيانًا تكون هزة الرأس أكثر أمانًا من استعمال فعل لا تعرف تصريفه. وأحيانًا يقول الإنسان كلامًا كثيرًا، ولا يصل منه إلا حسن النية. وقد يكون حسن النية هو اللغة الوحيدة التي لم تختلف عليها الشعوب، رغم أن البشر لا يستعملونها دائمًا بطلاقة.
في اليوم التالي، رأيت مستر لوغان مرة أخرى. ابتسمت. فابتسم. ولوح كل منا للآخر بيده. ولم يقل أي منا كلمة. ولأول مرة... شعرت أننا فهمنا بعضنا أكثر من المرة السابقة. ومنذ ذلك اليوم بدأت أشك أن اللغة ليست أعظم اختراع صنعه الإنسان. ربما كانت الابتسامة أعظم. أما الإنجليزية...فسأتعلمها غدًا. وأنا أقول "غدًا" منذ عشرين عاما. ولعل هذه هي اللغة الوحيدة التي أتقنها جميعا... لغة التأجيل.