سارة المطيري

ثمة نصوص لا تُقرأ، وإنما تُعاش، وكل عودة إليها تبدو قراءة أولى، لأن أثرها لا يبهت مع الزمن، وإنما يتجدد كلما تبدلت خبرة قارئها، ولعلني أنتمي إلى هذا النوع من القراء، وقد وجدت ضالتي في مقطع لعباس محمود العقاد من كتابه «أنا» مقطع قصير في حجمه، واسع في أسئلته، وكان الدافع الحقيقي إلى كتابة هذا المقال.

يفتتح العقاد حديثه بقول المفكر الأمريكي أوليفر وندل هولمز الأب: «إن الإنسان ثلاثة أشخاص في صورة واحدة: الإنسان كما خلقه الله، والإنسان كما يراه الناس، والإنسان كما يرى هو نفسه.» تبدو الفكرة مألوفة في البداية، حتى يوجهها العقاد إلى ذاته قائلاً: «فمن من هؤلاء الأشخاص الثلاثة هو المقصود بعباس العقاد؟ ومن قال إنني أعرف هؤلاء الأشخاص الثلاثة معرفة تحقيق أو معرفة تقريب؟ ومن قال إنني أعرف عباس العقاد كما خلقه الله؟ ومن قال إنني أعرف عباس العقاد كما يراه الناس؟ ومن قال إنني أعرف عباس العقاد كما أراه، وأنا لا أراه على حال واحدة كل يوم؟».

في هذه اللحظة يتحول النص من فكرة عامة إلى تجربة إنسانية خالصة، يبدأ بتقرير يبدو مكتملاً، ثم تتوالى الأسئلة حتى تهدم هذا الاكتمال، فلا يبقى أمام القارئ سوى الحيرة، ولم يعد الموضوع هو الإنسان بوصفه مفهوماً فلسفياً وإنما الذات حين تحاول أن تعرف نفسها، ثم تكتشف أن المعرفة نفسها موضع شك.

هذه الحركة هي سر القوة الفنية في النص، فالعقاد يعيد تقديم فكرة مألوفة بطريقة تجعلها جديدة، وهو ما يقترب من مفهوم التغريب عند فيكتور شكلوفسكي؛ إذ ينتزع الفكرة من دائرة الاعتياد ويعيدها إلى دائرة التأمل، ولا يكتفي بتغريب الفكرة، وإنما يغرّب صورته أيضا، فيتخلى عن هيئة المفكر الواثق، ويظهر إنساناً لا يجزم حتى بمعرفته بنفسه، لهذا لا يفقد النص أثره مهما تكررت قراءته، لأن ما نظنه بديهياً يقدمه إلينا كاللغز.

ولا يقف أثر النص عند بنيته الفنية، وإنما يمتد إلى طريقة تلقيه، فالعقاد لا يمنح قارئه إجابة، ولا يرسم له تفسيرًا نهائيًا، وإنما يترك سؤالاً مفتوحاً يستدعي المشاركة، وهنا تتجلى نظرية التلقي؛ إذ يصبح القارئ شريكاً في إنتاج المعنى، لا متلقياً يكتفي باستقباله، وقد أدركت ذلك منذ القراءة الأولى، دخلت النص وأنا أحمل صورة ذهنية عن العقاد بوصفه المفكر الموسوعي صاحب اليقين، وهو ما يسميه هانز روبرت ياوس «أفق التوقع» ثم وجدت هذا الأفق يتداعى أمام ذات تتساءل عن نفسها، وتعترف بعجزها عن الإحاطة بها، منذ تلك اللحظة لم أعد أقرأ العقاد، وإنما بدأت أقرأ نفسي معه.

وتزداد مساحة التأويل حين نقترب من البعد النفسي للنص فقوله: «كما يراه الناس» يعيد إلى الذهن مفهوم «الذات الزجاجية» عند تشارلز هورتون كولي، حيث تتكون صورة الإنسان عن نفسه من خلال تصوره لنظرة الآخرين إليه، أما الذات كما يراها الإنسان نفسه فتستدعي مفهوم «الذات الزائفة» عند دونالد وينيكوت، حيث تتشكل أقنعة متعددة تبعاً للمواقف والسياقات الاجتماعية، عندها تصبح الهوية أكثر تعقيداً من أن تختزل في صورة واحدة أو تعريف واحد.

ثم يرتفع النص إلى أفق فلسفي أوسع حين يتحدث عن الإنسان كما خلقه الله، وهنا يغدو السؤال متصلاً بجوهر الوجود نفسه، وهو جوهر لا يمكن للعقل الإنساني أن يحيط به إحاطة كاملة وتأتي عبارته الأخيرة: «وأنا لا أراه على حال واحدة كل يوم» لتفتح باباً آخر؛ فالذات ليست ثابتة، وإنما تتغير باستمرار، وهذا ما يلتقي مع رؤية جان بول سارتر «الوجود يسبق الماهية» إذ للإنسان مشروعاً يتشكل عبر اختياراته، كما يلتقي مع مفهوم الأصالة عند مارتن هايدغر، الذي يجعل مواجهة سؤال الذات أهم من ادعاء امتلاك جوابه.

لهذا لا أرى أن قيمة هذا النص تكمن في حيرة العقاد، وإنما في قدرته على زعزعة يقين، فهو يفكك الوهم الذي يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه يعرف نفسه معرفة مكتملة، ثم يتركه أمام سؤال لا يملك له جواباً نهائياً، عند هذه النقطة يتحول النص من قراءة إلى تجربة، ومن فكرة إلى مراجعة داخلية، ومن كلمات إلى مرآة يرى المرء فيها نفسه.

كلما عدت إلى هذا المقطع لم أعد أسأل: من هو عباس العقاد؟

السؤال الذي يبقى معلقاً في ذهني هو: من أنا بين هؤلاء الثلاثة؟ ولعل هذا هو المنجز الأسمى للأدب؛ أن يعيد المرء للذاته، وأن يوقظه على تساؤلات ظن يوماً أنه تجاوزها.