محمد الخميسي

في كتابه «فلسفتي» نجح مؤلفه الكاتب السعودي خالد الغنامي في تفكيك المعضلات الفلسفية الغامضة، وحوّلها إلى قضايا واضحة ومبسطة، بفضل أسلوبه الأدبي الرفيع وإبداعه الخلّاق؛ وقدرته على هضم اللغة الفلسفية لتكون سهلة التناول.

يُحذِّر الكاتب، ابتداءً، من أن أي محاولة لجعل الفلسفة مقبولةً لدى عامة الناس، إضعافٌ لها وتفريغٌ لمحتواها. فالفلسفة - في نظره - يجب أن تقض مضجع المرء، وتحول بينه وبين الراحة؛ فإذا ما قبلها الناس، فهذا يعني أنها فارغة المعنى، لم تُؤلمهم معرفيًّا، ولم تنجح في إيقاظهم من سبات الجهل وطمأنينة الخرافة.

وجه الغنامي نقدًا حادًا للبرهان الأرسطي، وقال: إن ما نسميه برهانًا ليس إلا حجاجًا أو ترجيحًا؛ ذلك أن البرهان الحقيقي يُفترض أن يمنع الخلاف في المقدمات. فإذا كان الخلاف ممكنًا عقلًا في المقدمة، فهذا يعني أننا لم نخرج بعد من دائرة الحجاج.

فلنأخذ، على سبيل المثال، القياس المعروف: «كل إنسان عاقل، وسقراط إنسان، إذن سقراط عاقل». فهذا القياس صحيح، بحسب رأي المؤلف، من حيث الصورة ولزوم النتيجة، ولكن السؤال الحاسم لا يتعلق بلزوم النتيجة، بل بصدق المقدمة الأولى نفسها. فما معنى «العاقل»؟ وما هو العقل أصلًا؟ وهل هو وصف معياري أم ماهوي؟ وهل العقل قدرة غريزية أم مكتسبة؟ وهل ينطبق على جميع البشر بلا استثناء؟

وهكذا تتوالى الأسئلة التي تقدح في المقدمة، وكلما اختلفت إجاباتنا أكثر، فقد البرهان يقينه أكثر؛ ذلك اليقين الذي كان البرهان يزعم امتلاكه ابتداءً.

وبناءً على ذلك، فإن البرهان الأرسطي، الذي مجّده محمد عابد الجابري في كتابه «نقد العقل العربي»، لا يصمد أمام انتقادات الغنامي، علمًا بأن الجابري ليس إلا شارحًا لشُرّاح أرسطو، وهذا ليس تقليلًا من قيمته العلمية؛ فهو مفكر عظيم وباحث قدير، وكان بحثه في نقد العقل العربي مشروعًا كبيرًا ومؤثرًا، غير أن باب البرهان فيه لا يصمد أمام هذه الانتقادات. كما أن الجابري قرر أن العرفان هو العدو الأول للعقل، وأن العلاقة بينهما كالعلاقة بين الزيت والماء؛ لا يختلطان. في حين كشف الغنامي عن اتصال عميق بين الرؤية العرفانية والفلسفة العقلية، وقد ساق كلٌّ من الغنامي والجابري حججه واستدلالاته.

في فصل «في العلم وحدوده»، حذّر الغنامي من تقديس العلم، وبيّن أن هناك مجالات لا يستطيع العلم الخوض فيها، مثل المعنى، والأخلاق، والدين، والفلسفة، وأن إقحام العلم في مثل هذه المجالات يحوّله إلى أيديولوجيا إقصائية. فعلم الأعصاب، على سبيل المثال، مهما تطور، تظل له حدود، ووحدها الفلسفة قادرة على تجاوز تلك الحدود. ذلك أن علم الأعصاب يفسر تصرفات الإنسان ووظائف جهازه العصبي، لكنه لا يستطيع أن يجيب عن أسئلة من قبيل: ما الوعي؟ وما الإدراك؟ وما مفهوم الذات؟ وما معنى الحقيقة؟ وما حدود اللغة؟ فمثل هذه الأسئلة لا تجيب عنها، بحسب رأي الكاتب، إلا فلسفة العقل.

كما دافع بقوة عن الميتافيزيقا، وقال إنها خادمة للعلم وسابقة له، وليست منقطعة عنه كما يتوهم البعض. ويرى أن الفكرة الشائعة القائلة إن الميتافيزيقا تتضاءل كلما تطور العلم ليست إلا ادعاءً لا يثبت عند التمحيص. وساق عدة أمثلة، من أبرزها الفيزيائي ألبرت آينشتاين؛ إذ لم ينطلق آينشتاين من التجربة وحدها، بل من اعتقاد قبلي بأن الكون منسجم عقلانيًّا. وهذه الرؤية ليست نتيجة تجربة، بل تعبير عن موقف ميتافيزيقي يرى أن بنية الوجود قابلة لأن تُفهم بالعقل، على حد تعبيره.

كما فرّق بين الخرافة والميتافيزيقا الضرورية؛ فالخرافة تقدم تفسيرات جاهزة ومغلقة لا تقبل النقد، بينما تطرح الميتافيزيقا افتراضات عامة تفتح باب التساؤل، ولا تدّعي امتلاك معرفة كاملة بما وراء الظواهر.

ويكشف المؤلف عن دور العامل النفسي في بناء القناعات الفكرية. فلنأخذ، على سبيل المثال، مبدأ تكافؤ الحجج عند الشكوكيين؛ فالقائلون بحرية إرادة الإنسان لديهم أدلة قوية، كما أن القائلين بأن الإنسان مجبور في أفعاله لديهم أيضًا أدلة قوية تماثلها في القوة. وعندئذٍ يصبح الترجيح بين الرأيين عاملًا نفسيًّا لا عقليًّا، فيتوهم المرء أنه مال إلى هذا الرأي أو ذاك بناءً على قناعة عقلية.

إدراكنا لدور العامل النفسي في تشكيل آرائنا يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من قناعاتنا السابقة؛ فالترجيح النفسي لا يخلو من الأهواء والتحيزات والعواطف.

وانتقد المؤلف الشكوكيين القائلين بعدم وجود حقيقة مطلقة، ورأى أن مقولتهم هذه ترتد عليهم قبل غيرهم؛ فإذا كانوا يقطعون بعدم وجود حقيقة مطلقة، فكيف قطعوا بالإطلاق بأنه لا توجد حقيقة مطلقة؟!

ومن جهتي أقول: إن المشكلة ليست في وجود حقيقة مطلقة أو عدم وجودها، وإنما في من يزعم امتلاكها، سواء أزعم ذلك لفظًا أم ضمنًا.

شخصيًّا، أفرّق بين الموقف الفلسفي والموقف الشخصي للإنسان؛ بمعنى أنه يحق لك في حياتك اليومية أن تقبل ما كنت ترفضه في الحقل العلمي. فمثلًا، أنت لا تقبل مفهوم الروح داخل المختبرات العلمية والحقول المعرفية، ولكنك تتقبله وتؤمن بوجوده في حياتك الشخصية، ولا أرى في ذلك أدنى درجات التناقض.

وهذا ما أقرّه المؤلف، وساق جون لوك مثالًا على ذلك؛ فهو من مؤسسي الفلسفة التجريبية التي لا تقبل إلا ما يمكن إخضاعه للتجربة، ومع ذلك كان شديد الإيمان، ويقبل جميع المفاهيم الغيبية.

وخالف المؤلف معظم الفلاسفة الذين يقررون أن المعرفة الحقيقية هي التي تنفصل تمامًا عن الانفعالات، بينما يرى هو أن الانفعالات تُعد أحد المصادر الأساسية للمعرفة، مثل الخوف، والدهشة، والحنين. فأنت تتألم حين تشاهد الظلم، وهذا الألم هو الذي يُنتج المعرفة الأخلاقية، أو القانون الأخلاقي، قبل أن يتدخل العقل.

أضف إلى ذلك القلب؛ فالإنسان يرى بقلبه ما لا يراه بعقله. وبناءً على ذلك، يصبح القلب مصدرًا أصيلًا للمعرفة، وتغدو المعرفة الحقة هي تلك التي تتحد فيها طاقة العاطفة مع طاقة العقل.

ثم يتناول الكاتب فلسفة ديلوز؛ إذ يرى أن التفكير ليس نشاطًا طبيعيًّا للعقل، وإنما يبدأ العقل بالتفكير عندما تنهار البداهات وتسقط الأفكار التي يتوهم أنها مسلَّمات. كما أن الفلسفة، في نظر ديلوز، ليست كشفًا للمفاهيم، بل إبداعها وخلقها؛ أي إن المفهوم الحقيقي ليس ما نردده، بل ما ننتجه.

قدَّم المؤلف الوجه الإيجابي للقلق، والتوتر، والتناقض، مستعينًا بهيجل؛ فالتناقض هو الذي يولِّد النضج، والقلق والتوتر يوقظان العقل من سباته. كما يفرِّق بين المعالجة المفهومية والاشتغال المفهومي؛ فالأولى تتمثل في إزالة الغموض عن المفهوم وجعله واضحًا من الناحية اللغوية، بينما يتمثل الاشتغال المفهومي في جعل المفهوم أداةً للتفكير ومنتجًا للمعرفة.

ويطرح المؤلف قضية مفادها أن الشك ليس خصمًا دائمًا للإيمان، بل قد يكون أحيانًا خادمًا له ومدافعًا عنه. ويضرب مثالًا بالفيلسوف مونتين، الذي قدَّم رؤية فكرية مغايرة لمن سبقه؛ إذ كان الكاثوليك يسعون إلى تثبيت العقائد الدينية بالبرهان العقلي، لكنهم كانوا يعانون من الهجمات التي يشنها العقل على تلك العقائد. أما مونتين، فقد استخدم الشك ضد العقل نفسه، وبذلك قوّض العقل الذي كان يهاجم الإيمان.

كما أن الغنامي انبرى لأنصار العقلانية المتطرفة، وقال: إن للعقل حدودًا، ومتى تجاوزها أصبح مثل أي دوغمائية أخرى. وأنا أقول: صحيح أن للعقل حدودًا، ولكننا لا نعرف حدوده.

تناول الكاتب الفن ودوره في إذابة المسافة بين الذات والموضوع. وهذه الجزئية بحاجة إلى إسهاب ليس هذا مقام الخوض فيها.

امتاز الغنامي بشرحه الفلسفة أولًا، ثم يبدي رأيه النقدي فيما شرحه، وهكذا يمضي مع مختلف الأفكار والفلسفات.

الكتاب إضافةً حقيقيةً إلى المكتبة العربية، وزادًا معرفيًّا للمهتمين بالقضايا الفكرية عمومًا، والمسائل الفلسفية خصوصًا.