لم تعد البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تسمح للدول بأن تتعامل مع التهديدات بمنطق رد الفعل المنفرد، فالصاروخ الذي يعبر الحدود والطائرة المسيرة التي تطلق من مسافات بعيدة، والهجوم السيبراني الذي يستهدف المنشآت الحيوية، كلها أصبحت أجزاء من منظومة صراع تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية. وفي هذا السياق تأتي اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا لتفتح بابًا جديدًا في النقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي، باعتبارها محاولة محتملة لإعادة تعريف مفهوم الردع ،في فضاء يمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وبحر العرب، وصولا إلى جنوب آسيا.
وتزداد أهمية الاتفاقية بسبب طبيعة الدول الثلاث، فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والسياسي والجغرافي الكبير في العالم العربي، وباكستان تتمتع بقوة عسكرية كبيرة وخبرة إستراتيجية وسلاح نووي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متطورة وخبرة عملياتية متراكمة، ومن ثم فإن اجتماع هذه القدرات في إطار دفاعي واحد يمكن أن ينتج معادلة تختلف نوعيا عن مجرد التعاون العسكري التقليدي. غير أن الحكم على الاتفاقية لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة التوقيع أو البيانات المصاحبة، فالقيمة الحقيقية لأي تحالف دفاعي تظهر عندما تتحول المبادئ العامة إلى آليات تنفيذية، وقيادة وتخطيط واتصالات واستخبارات ومناورات وصناعات دفاعية.
ويأتي الإعلان عن الاتفاقية في مرحلة تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين الإستراتيجي في الشرق الأوسط، فقد تداخلت أزمات متعددة في المنطقة، وأصبحت الحدود بين الصراع المباشر وغير المباشر أقل وضوحًا، كما أن التطور الهائل في تقنيات الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة، والحرب الإلكترونية، غيّر طبيعة التهديدات التي تواجه الدول. فلم يعد التفوق العسكري يقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والسفن، وإنما بقدرة الدولة على اكتشاف التهديد مبكرا وتعطيله وحماية بنيتها التحتية، ثم الرد بصورة محسوبة.
من هنا يمكن فهم توقيت الاتفاقية باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء منظومات الأمن الإقليمي، فالهدف ليس بالضرورة الاستعداد لحرب محددة، وإنما رفع مستوى الردع بحيث تصبح تكلفة الحرب أعلى بالنسبة إلى الطرف الذي قد يفكر في استخدامها.
ونعلم أن القوة الحقيقية لأي تحالف لا تكمن في عدد أعضائه فقط، وإنما في مدى تكامل قدراته، فالسعودية تمثل مركز الثقل الاقتصادي والجغرافي في هذا التحالف، فهي تقع عند نقطة اتصال بين الخليج العربي والبحر الأحمر وتطل على ممرات بحرية ذات أهمية عالمية، كما تمتلك إمكانات مالية واستثمارية تسمح بتمويل مشاريع دفاعية طويلة المدى. أما تركيا فتمثل عنصر التكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فقد تمكنت خلال السنوات الماضية من تطوير قطاع الصناعات العسكرية، وأصبحت منتجاتها الدفاعية حاضرة في أسواق متعددة، كما أن لديها خبرة عملياتية في بيئات مختلفة. وتأتي باكستان بعنصر بالغ الأهمية وهو القوة العسكرية البشرية والخبرة العملياتية والقدرة الصاروخية، إضافة إلى كونها دولة نووية، وهذا التكامل هو أحد أهم أسباب أهمية الاتفاقية.
ويتضح في نص الاتفاق أن أي اعتداء على دولة عضو يمثل تهديدًا واعتداء على الأعضاء الآخرين، لذلك أصبحت رسالة ردع. أي أن الخصم لن يواجه دولة واحدة وإنما سوف يواجه شبكة من القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية لثلاث دول محورية في العالم.
ومن الخطأ النظر إلى الاتفاقية باعتبارها تحالفا موجها لدولة معينة، ولكن في الحسابات الجيوسياسية فإن أي منظومة دفاعية جديدة في محيط الخليج ستؤثر بلا شك في حسابات إيران، إذ ستجد طهران نفسها أمام منظومة تضم أبرز دول الشرق الأوسط، وهي دول لكل منها علاقة مختلفة مع إيران وهنا تكمن المفارقة. فتركيا ليست خصمًا إستراتيجيًا مباشرًا مع إيران، وباكستان ترتبط بعلاقات حدودية وجغرافية، والسعودية تمثل الدولة المحورية في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن جمع هذه الدول في إطار دفاعي واحد قد يخلق مستوى جديدا من الردع. ولكنه في الوقت نفسه قد يدفع إيران إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الدول الثلاث، والخيار الأكثر عقلانية لجميع الأطراف قد يكون تجنب تحويل الاتفاقية إلى تحالف استقطابي والحفاظ على طبيعتها الدفاعية.
ونجد إسرائيل تراقب بلا شك أي تطور يؤدي إلى بناء قدرة عسكرية جماعية في المنطقة، ولكن الأهمية بالنسبة إلى إسرائيل لا تكمن في القوة العسكرية وإنما في إمكانية نشوء شبكة تعاون إقليمي مستقلة عن الترتيبات التقليدية التي اعتمدت عليها المنطقة لعقود. فإذا تطورت الاتفاقية إلى تبادل معلومات ودفاع جوي متكامل وصناعات عسكرية مشتركة وتنسيق بحري، فان تأثيرها الإستراتيجي سيكون أكبر بكثير من حجمها الرسمي.
أما الولايات المتحدة فتنظر لهذه المنظومة من زاويتين متناقضتين فالأولى يمكن أن تكون المنظومة المفيدة إذا أسهمت في تحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها، والثانية قد تثير المخاوف إذا تطورت إلى ترتيبات عسكرية مستقلة، والأرجح أن الموقف الأمريكي سيعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة تطور الاتفاقية.
أما الصين فإن استقرار الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب له أهمية اقتصادية كبيرة، بسبب التجارة والطاقة ومبادرة الحزام والطريق، وروسيا قد تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها تطورا في موازين القوى خارج الإطار الغربي التقليدي، وبالتالي فإن الاتفاقية قد تتحول تدريجيًا إلى جزء من التنافس الدولي على بناء شبكات النفوذ والشراكات الأمنية.
قد يرى المتابع والمهتم بالشأن الدولي أننا أمام نواة أولية لمنظومة أمنية أوسع اذا توافرت فيها شروط؛ منها إنشاء مؤسسات دائمة وبناء قدرات عسكرية مشتركة ووجود التزام سياسي مستمر بين الدول الأعضاء.
ونتوقع بعض السيناريوهات لهذه الاتفاقية ومنها:
الشراكة الدفاعية، وفيه تتطور الاتفاقية إلى مجلس دفاع مشترك ومراكز معلومات ومناورات ومشاريع صناعية، وهو الأكثر واقعية وقابلية للتحقيق.
التحالف العسكري المتكامل بإنشاء قيادة مشتركة وربط أنظمة الإنذار المبكر وربما تشكيل قوات مشتركة.
وهناك احتمال انضمام دول أخرى بصورة تدريجية بحيث تتحول الاتفاقية إلى إطار أوسع للتعاون الدفاعي بين مجموعة من الدول الإسلامية.
ومن خلال التحليل والقراءة السريعة للأحداث نجد أن هناك العديد من نقاط القوة وكذلك التحديات لهذه الاتفاقية، فنقاط القوة عبارة عن: تكامل القدرات والتنوع الجغرافي والقوة الاقتصادية والتكنولوجية والخبرة العملياتية، وتقابلها بعض التحديات ، ولكن الأهم هو ضرورة تحديد الالتزام العسكري بصورة لا تترك مجالا للتأويل عند وقوع أزمة.
وأخيرا فإن اتفاقية مكة تعتبر محاولة لبناء معادلة جديدة بعنوان: الردع قبل المواجهة، والتكامل قبل الحرب. فإذا نجحت هذه المعادلة فقد تكون مكة نقطة انطلاق لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الجماعي للعالم الإسلامي.
وتزداد أهمية الاتفاقية بسبب طبيعة الدول الثلاث، فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والسياسي والجغرافي الكبير في العالم العربي، وباكستان تتمتع بقوة عسكرية كبيرة وخبرة إستراتيجية وسلاح نووي، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متطورة وخبرة عملياتية متراكمة، ومن ثم فإن اجتماع هذه القدرات في إطار دفاعي واحد يمكن أن ينتج معادلة تختلف نوعيا عن مجرد التعاون العسكري التقليدي. غير أن الحكم على الاتفاقية لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة التوقيع أو البيانات المصاحبة، فالقيمة الحقيقية لأي تحالف دفاعي تظهر عندما تتحول المبادئ العامة إلى آليات تنفيذية، وقيادة وتخطيط واتصالات واستخبارات ومناورات وصناعات دفاعية.
ويأتي الإعلان عن الاتفاقية في مرحلة تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين الإستراتيجي في الشرق الأوسط، فقد تداخلت أزمات متعددة في المنطقة، وأصبحت الحدود بين الصراع المباشر وغير المباشر أقل وضوحًا، كما أن التطور الهائل في تقنيات الطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة، والحرب الإلكترونية، غيّر طبيعة التهديدات التي تواجه الدول. فلم يعد التفوق العسكري يقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والسفن، وإنما بقدرة الدولة على اكتشاف التهديد مبكرا وتعطيله وحماية بنيتها التحتية، ثم الرد بصورة محسوبة.
من هنا يمكن فهم توقيت الاتفاقية باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة بناء منظومات الأمن الإقليمي، فالهدف ليس بالضرورة الاستعداد لحرب محددة، وإنما رفع مستوى الردع بحيث تصبح تكلفة الحرب أعلى بالنسبة إلى الطرف الذي قد يفكر في استخدامها.
ونعلم أن القوة الحقيقية لأي تحالف لا تكمن في عدد أعضائه فقط، وإنما في مدى تكامل قدراته، فالسعودية تمثل مركز الثقل الاقتصادي والجغرافي في هذا التحالف، فهي تقع عند نقطة اتصال بين الخليج العربي والبحر الأحمر وتطل على ممرات بحرية ذات أهمية عالمية، كما تمتلك إمكانات مالية واستثمارية تسمح بتمويل مشاريع دفاعية طويلة المدى. أما تركيا فتمثل عنصر التكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فقد تمكنت خلال السنوات الماضية من تطوير قطاع الصناعات العسكرية، وأصبحت منتجاتها الدفاعية حاضرة في أسواق متعددة، كما أن لديها خبرة عملياتية في بيئات مختلفة. وتأتي باكستان بعنصر بالغ الأهمية وهو القوة العسكرية البشرية والخبرة العملياتية والقدرة الصاروخية، إضافة إلى كونها دولة نووية، وهذا التكامل هو أحد أهم أسباب أهمية الاتفاقية.
ويتضح في نص الاتفاق أن أي اعتداء على دولة عضو يمثل تهديدًا واعتداء على الأعضاء الآخرين، لذلك أصبحت رسالة ردع. أي أن الخصم لن يواجه دولة واحدة وإنما سوف يواجه شبكة من القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية لثلاث دول محورية في العالم.
ومن الخطأ النظر إلى الاتفاقية باعتبارها تحالفا موجها لدولة معينة، ولكن في الحسابات الجيوسياسية فإن أي منظومة دفاعية جديدة في محيط الخليج ستؤثر بلا شك في حسابات إيران، إذ ستجد طهران نفسها أمام منظومة تضم أبرز دول الشرق الأوسط، وهي دول لكل منها علاقة مختلفة مع إيران وهنا تكمن المفارقة. فتركيا ليست خصمًا إستراتيجيًا مباشرًا مع إيران، وباكستان ترتبط بعلاقات حدودية وجغرافية، والسعودية تمثل الدولة المحورية في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن جمع هذه الدول في إطار دفاعي واحد قد يخلق مستوى جديدا من الردع. ولكنه في الوقت نفسه قد يدفع إيران إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الدول الثلاث، والخيار الأكثر عقلانية لجميع الأطراف قد يكون تجنب تحويل الاتفاقية إلى تحالف استقطابي والحفاظ على طبيعتها الدفاعية.
ونجد إسرائيل تراقب بلا شك أي تطور يؤدي إلى بناء قدرة عسكرية جماعية في المنطقة، ولكن الأهمية بالنسبة إلى إسرائيل لا تكمن في القوة العسكرية وإنما في إمكانية نشوء شبكة تعاون إقليمي مستقلة عن الترتيبات التقليدية التي اعتمدت عليها المنطقة لعقود. فإذا تطورت الاتفاقية إلى تبادل معلومات ودفاع جوي متكامل وصناعات عسكرية مشتركة وتنسيق بحري، فان تأثيرها الإستراتيجي سيكون أكبر بكثير من حجمها الرسمي.
أما الولايات المتحدة فتنظر لهذه المنظومة من زاويتين متناقضتين فالأولى يمكن أن تكون المنظومة المفيدة إذا أسهمت في تحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها، والثانية قد تثير المخاوف إذا تطورت إلى ترتيبات عسكرية مستقلة، والأرجح أن الموقف الأمريكي سيعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة تطور الاتفاقية.
أما الصين فإن استقرار الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب له أهمية اقتصادية كبيرة، بسبب التجارة والطاقة ومبادرة الحزام والطريق، وروسيا قد تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها تطورا في موازين القوى خارج الإطار الغربي التقليدي، وبالتالي فإن الاتفاقية قد تتحول تدريجيًا إلى جزء من التنافس الدولي على بناء شبكات النفوذ والشراكات الأمنية.
قد يرى المتابع والمهتم بالشأن الدولي أننا أمام نواة أولية لمنظومة أمنية أوسع اذا توافرت فيها شروط؛ منها إنشاء مؤسسات دائمة وبناء قدرات عسكرية مشتركة ووجود التزام سياسي مستمر بين الدول الأعضاء.
ونتوقع بعض السيناريوهات لهذه الاتفاقية ومنها:
الشراكة الدفاعية، وفيه تتطور الاتفاقية إلى مجلس دفاع مشترك ومراكز معلومات ومناورات ومشاريع صناعية، وهو الأكثر واقعية وقابلية للتحقيق.
التحالف العسكري المتكامل بإنشاء قيادة مشتركة وربط أنظمة الإنذار المبكر وربما تشكيل قوات مشتركة.
وهناك احتمال انضمام دول أخرى بصورة تدريجية بحيث تتحول الاتفاقية إلى إطار أوسع للتعاون الدفاعي بين مجموعة من الدول الإسلامية.
ومن خلال التحليل والقراءة السريعة للأحداث نجد أن هناك العديد من نقاط القوة وكذلك التحديات لهذه الاتفاقية، فنقاط القوة عبارة عن: تكامل القدرات والتنوع الجغرافي والقوة الاقتصادية والتكنولوجية والخبرة العملياتية، وتقابلها بعض التحديات ، ولكن الأهم هو ضرورة تحديد الالتزام العسكري بصورة لا تترك مجالا للتأويل عند وقوع أزمة.
وأخيرا فإن اتفاقية مكة تعتبر محاولة لبناء معادلة جديدة بعنوان: الردع قبل المواجهة، والتكامل قبل الحرب. فإذا نجحت هذه المعادلة فقد تكون مكة نقطة انطلاق لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الجماعي للعالم الإسلامي.