يحيى بركسية

لم تعد التهديدات التي تواجه دول المنطقة محصورة في ساحات الصراع التقليدية، بل اقتربت من حدود الدول ومجالاتها الجوية وممراتها البحرية ومنشآتها الحيوية.

فمن التوسع الإسرائيلي في استخدام القوة خارج حدود فلسطين المحتلة، إلى الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات وسياسة الضغط عبر أذرعها الإقليمية، بات واضحًا أن أمن كل دولة منفردة يمكن أن يتحول سريعًا إلى قضية تمس استقرار المنطقة بأكملها.

هنا تكتسب «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان أهميتها؛ لأنها تنقل التعامل مع هذه المخاطر من منطق المواجهة المنفردة إلى منطق الردع الجماعي.

إسرائيل استفادت طويلًا من تفوقها العسكري ومن محدودية وجود ردع إقليمي جماعي، قادر على وضع حدود لاستخدام هذا التفوق. وتظهر المواقف السعودية والتركية والباكستانية المتطابقة تقريبًا تجاه فلسطين والقدس والضفة الغربية أن الخلاف معها لم يعد متعلقًا فقط بالحرب في غزة، بل بسلوك إسرائيلي يتوسع إقليميًا ويضع قواعد جديدة لاستخدام القوة وفرض الوقائع.

وفي الجهة الأخرى، لم يعد التهديد الإيراني بالنسبة إلى دول الخليج مسألة افتراضية أو مرتبطة فقط بنفوذ طهران السياسي في بعض العواصم العربية. فمنذ بدء الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية تعرضت دول الخليج والأردن لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات، ما شكّل تصعيدًا خطيرًا على أمن المنطقة والعالم.

وهنا تظهر قيمة اتفاقية مكة في هذا التوقيت تحديدًا، فالسعودية كانت من أكثر دول المنطقة حرصًا على منع الحرب مع إيران، ودعمت الحوار وخفض التصعيد، كما حافظت تركيا وباكستان على قنواتهما مع طهران وسعتا إلى الحلول الدبلوماسية. لكن الدبلوماسية ليست بديلًا عن الردع، بل ترتفع قدرتها على النجاح عندما يعرف الطرف الآخر أن الحوار ليس نتيجة غياب الخيارات، وإنما خيار تفضله دول قادرة في الوقت نفسه على حماية أمنها.

وهذا ربما هو التحول الأهم الذي تمثله الاتفاقية، الانتقال من إدارة التهديد بعد وقوعه إلى منعه قبل وقوعه. والدول الثلاث تملك في هذا الجانب عناصر قوة، فالسعودية تمثل ثقلًا عربيًا وإسلاميًا وسياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وموقعًا محوريًا في أمن الخليج والبحر الأحمر وأسواق الطاقة.

كما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وبنت خلال الأعوام الماضية صناعات دفاعية متقدمة، أما باكستان فهي قوة عسكرية كبيرة ودولة نووية، ولها علاقة دفاعية تاريخية مع المملكة تحولت في سبتمبر 2025 إلى اتفاق دفاع إستراتيجي مشترك.

جمع هذه القدرات لا يعني بالضرورة قيام حلف عسكري، لكنه يعني أن أي طرف سيحسب تكلفة المواجهة بطريقة مختلفة عندما لا يعرف مسبقًا حدود الاستجابة التي يمكن أن تنتج عن الاعتداء على واحدة من الدول الثلاث، وهذه هي فكرة الردع أصلًا.

لكن قيمة اتفاقية مكة لن تُقاس فقط بما كتب فيها، وإنما بما سيأتي بعدها، ووزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وصف الاتفاقية بأنها إطار لشراكة دفاعية طويلة المدى «تعزز الردع والتنسيق والتكامل»، وهي كلمات تشير إلى أن المسألة تتجاوز إعلان التضامن السياسي إلى بناء علاقة عسكرية قابلة للاستمرار، ولا شك أن المنطقة تحتاج إلى ذلك.

فالمعادلة التي سادت طويلًا كانت تسمح لإسرائيل بأن تتحرك مستفيدة من تفوقها العسكري، ولإيران بأن تستخدم الصواريخ والمسيّرات وشبكات القوى المسلحة لمد نفوذها ورفع كلفة المواجهة على خصومها، بينما تتحمل الدول المتضررة عبء الرد منفردة، لكن اتفاقية مكة تقدم معادلة مختلفة لا تقوم على البحث عن حرب مع أحد، بل على جعل الحرب أكثر كلفة على من يبدأها.

ولهذا من الخطأ النظر إلى الاتفاقية باعتبارها موجهة حصرًا ضد إيران أو إسرائيل. فنص الاتفاقية لا يسمي دولة بعينها، وهذه نقطة قوة لأنها تؤسس لمبدأ قابل للاستمرار بغض النظر عن مصدر التهديد.

كما أن الاتفاقية لا تتعارض مع استمرار الحوار مع طهران، ولا مع السعي إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية أو منع التصعيد مع إسرائيل، وعلى العكس من ذلك فالدبلوماسية التي لا يسندها ردع قد تنجح في إدارة الأزمات، لكنها تملك قدرة أقل على منعها.

من مكة المكرمة، خرجت رسالة السعودية وتركيا وباكستان بأن المنطقة التي دفعت طوال عقود ثمن صراعات الآخرين وتوازناتهم تبني توازنها بنفسها، وأن الاستقرار لن يبقى رهنًا بحسن نوايا الخصوم، بل بوجود قوة ردع تجعل المساس به أكثر كلفة.