في الأسبوع الذي فتحت فيه الجامعات السعودية أبوابها لعام أكاديمي جديد، ودخل آلاف الطلاب قاعات الدراسة للمرة الأولى، كانت مجموعة أخرى من الشباب تقف عند محطة مختلفة من الرحلة. فقد أعلنت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية نتائج الدفعة الأولى من القبول في برامج الدراسات العليا الصحية، وما صاحبها من تفاعل وتساؤلات حول فرص القبول والطاقة الاستيعابية وآليات تمويل التدريب.
بين المشهدين يستحق تقرير دولي بعنوان لافت أن يقرأ من زاوية مختلفة. التقرير الذي أصدرته اليونسكو بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان «ثمن التقاعس» حاول أن يجيب عن سؤال بسيط في ظاهره: كم تخسر الدول عندما لا تعلم أبناءها جيداً؟
الإجابة لم تكن تربوية فقط إنما اقتصادية أيضاً. فالتقرير يقدر أن بقاء الأطفال والشباب دون اكتساب المهارات الأساسية قد يكلف الاقتصاد العالمي نحو عشرة تريليونات دولار سنوياً بحلول عام 2030. والمنطق واضح، تعليم أفضل يعني مهارات أعلى، والمهارات ترفع فرص العمل والدخل والإنتاجية، وما ينتج عنها يعود على الاقتصاد والإيرادات العامة، فتزداد قدرة الدول على الاستثمار مجدداً في الإنسان.
بهذا المعنى لا يصبح المقعد الدراسي مجرد خدمة تقدمها الدولة، إنما استثماراً طويل الأجل في رأس المال البشري. لكن كل استثمار يطرح سؤالاً لا يقل أهمية عن حجم ما أُنفق عليه: ماذا سيحدث بعد اكتماله؟
هنا يلتقي التقرير مع مشهدنا المحلي، فالطالب الذي يدخل اليوم كلية للطب أو الصيدلة أو التمريض أو غيرها من التخصصات الصحية، يبدأ رحلة لا تنتهي عند منصة التخرج. أمامه سنوات من التعليم والتدريب ومراحل مهنية وتخصصية أخرى قبل أن تتحول المعرفة التي استثمر فيها هو والحكومة، إلى قدرة منتجة داخل النظام الصحي.
وفي الطرف الآخر من الرحلة، بلغ عدد المتقدمين لبرامج الدراسات العليا الصحية هذا العام 19.608 متقدمين، وصل 13.868 منهم إلى مرحلة المفاضلة، في مقابل 9.245 مقعداً تدريبياً معتمداً، فيما بلغ عدد المقبولين في الدفعة الأولى 7.925.
لا تعني هذه الأرقام أن كل من لم يقبل كان ينبغي قبوله، ولا أن الحل ببساطة هو فتح مزيد من المقاعد. فالمقعد التدريبي يحتاج إلى مركز معتمد ومشرف مؤهل وحجم مناسب من الحالات، وبيئة قادرة على تقديم تدريب حقيقي. والتوسع الذي يسبق بناء هذه القدرة قد يحل ضيق القبول اليوم، ليصنع مشكلة في جودة الممارسة والرعاية الصحية غداً.
لكن الأرقام تطرح سؤالاً أكبر من نتائج دفعة واحدة: من يخطط للرحلة كاملة؟
الطالب الذي ينافس اليوم على مقعد تدريبي اتخذ قرار قبوله في كلية صحية قبل سنوات. والجامعة ترى قدرتها على التعليم، والهيئة تنظم جودة التدريب التخصصي وطاقته، ووزارة الصحة ومنظومة الرعاية تنظران إلى احتياجات القوى العاملة الصحية. وقد يكون قرار كل جهة منطقياً داخل حدود مسؤوليتها، بينما لا تظهر الفجوة إلا عندما ننظر إلى المسار من بدايته إلى نهايته.
وهنا يمكن أن نمد فكرة «ثمن التقاعس» خطوة أخرى. فالتقرير يحسب ما نخسره عندما لا ننجح في بناء رأس المال البشري، لكنه يذكرنا بأن قيمة التعليم تتحقق عندما تتحول المهارات الناتجة عنه، إلى عمل وإنتاج وعائد اجتماعي واقتصادي.
من هنا لا ينبغي أن ينتهي تخطيط التعليم عند عدد المقاعد التي تستطيع الجامعات توفيرها، كما لا ينبغي أن يبدأ تخطيط القوى العاملة عند لحظة التخرج. المطلوب أن نرى المسار سلسلة واحدة: مقعداً جامعياً اليوم، وقدرة تدريبية بعد سنوات، واحتياجاً مهنياً وصحياً في المستقبل.
القطاع الصحي ليس إلا مثالاً واضحاً على سؤال أكبر. فالتوسع في فرص التعليم يخلق مسؤولية موازية في مواءمته قدر الإمكان مع التدريب واحتياجات سوق العمل. وليس المقصود ضمان وظيفة أو مسار بعينه لكل خريج، وإنما أن تصبح العلاقة بين ما نعلّمه وما نتوقع أن نحتاج إليه جزءاً من التخطيط منذ البداية.
في الصحة تحديداً يعني ذلك رؤية مشتركة تربط القبول في الكليات بالاحتياجات المستقبلية من القوى العاملة والقدرة التدريبية اللازمة، بالتوازي مع زيادة هذه القدرة عبر اعتماد مراكز جديدة، وتأهيل المدربين، وتوسيع مساهمة القطاعين الحكومي والخاص. فالمواءمة لا تعني تقليل فرص التعليم لتناسب المقاعد الموجودة، بل أن تنمو حلقات السلسلة معاً.
يقول تقرير «ثمن التقاعس» إن للأمم ثمناً باهظاً تدفعه عندما لا تعلّم أبناءها جيداً. وبداية العام الدراسي فرصة لنتذكر أن مسؤولية الاستثمار في الإنسان لا تنتهي عندما نفتح له باب الجامعة.
الطالب الذي دخل هذا الأسبوع أول قاعة في كليته، سيقف بعد سنوات أمام أبواب أخرى. والتخطيط الجيد لا يعني أن نعرف كم مقعداً نستطيع فتحه اليوم فقط، بل أن نسأل منذ البداية: من يخطط للرحلة كاملة؟
بين المشهدين يستحق تقرير دولي بعنوان لافت أن يقرأ من زاوية مختلفة. التقرير الذي أصدرته اليونسكو بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان «ثمن التقاعس» حاول أن يجيب عن سؤال بسيط في ظاهره: كم تخسر الدول عندما لا تعلم أبناءها جيداً؟
الإجابة لم تكن تربوية فقط إنما اقتصادية أيضاً. فالتقرير يقدر أن بقاء الأطفال والشباب دون اكتساب المهارات الأساسية قد يكلف الاقتصاد العالمي نحو عشرة تريليونات دولار سنوياً بحلول عام 2030. والمنطق واضح، تعليم أفضل يعني مهارات أعلى، والمهارات ترفع فرص العمل والدخل والإنتاجية، وما ينتج عنها يعود على الاقتصاد والإيرادات العامة، فتزداد قدرة الدول على الاستثمار مجدداً في الإنسان.
بهذا المعنى لا يصبح المقعد الدراسي مجرد خدمة تقدمها الدولة، إنما استثماراً طويل الأجل في رأس المال البشري. لكن كل استثمار يطرح سؤالاً لا يقل أهمية عن حجم ما أُنفق عليه: ماذا سيحدث بعد اكتماله؟
هنا يلتقي التقرير مع مشهدنا المحلي، فالطالب الذي يدخل اليوم كلية للطب أو الصيدلة أو التمريض أو غيرها من التخصصات الصحية، يبدأ رحلة لا تنتهي عند منصة التخرج. أمامه سنوات من التعليم والتدريب ومراحل مهنية وتخصصية أخرى قبل أن تتحول المعرفة التي استثمر فيها هو والحكومة، إلى قدرة منتجة داخل النظام الصحي.
وفي الطرف الآخر من الرحلة، بلغ عدد المتقدمين لبرامج الدراسات العليا الصحية هذا العام 19.608 متقدمين، وصل 13.868 منهم إلى مرحلة المفاضلة، في مقابل 9.245 مقعداً تدريبياً معتمداً، فيما بلغ عدد المقبولين في الدفعة الأولى 7.925.
لا تعني هذه الأرقام أن كل من لم يقبل كان ينبغي قبوله، ولا أن الحل ببساطة هو فتح مزيد من المقاعد. فالمقعد التدريبي يحتاج إلى مركز معتمد ومشرف مؤهل وحجم مناسب من الحالات، وبيئة قادرة على تقديم تدريب حقيقي. والتوسع الذي يسبق بناء هذه القدرة قد يحل ضيق القبول اليوم، ليصنع مشكلة في جودة الممارسة والرعاية الصحية غداً.
لكن الأرقام تطرح سؤالاً أكبر من نتائج دفعة واحدة: من يخطط للرحلة كاملة؟
الطالب الذي ينافس اليوم على مقعد تدريبي اتخذ قرار قبوله في كلية صحية قبل سنوات. والجامعة ترى قدرتها على التعليم، والهيئة تنظم جودة التدريب التخصصي وطاقته، ووزارة الصحة ومنظومة الرعاية تنظران إلى احتياجات القوى العاملة الصحية. وقد يكون قرار كل جهة منطقياً داخل حدود مسؤوليتها، بينما لا تظهر الفجوة إلا عندما ننظر إلى المسار من بدايته إلى نهايته.
وهنا يمكن أن نمد فكرة «ثمن التقاعس» خطوة أخرى. فالتقرير يحسب ما نخسره عندما لا ننجح في بناء رأس المال البشري، لكنه يذكرنا بأن قيمة التعليم تتحقق عندما تتحول المهارات الناتجة عنه، إلى عمل وإنتاج وعائد اجتماعي واقتصادي.
من هنا لا ينبغي أن ينتهي تخطيط التعليم عند عدد المقاعد التي تستطيع الجامعات توفيرها، كما لا ينبغي أن يبدأ تخطيط القوى العاملة عند لحظة التخرج. المطلوب أن نرى المسار سلسلة واحدة: مقعداً جامعياً اليوم، وقدرة تدريبية بعد سنوات، واحتياجاً مهنياً وصحياً في المستقبل.
القطاع الصحي ليس إلا مثالاً واضحاً على سؤال أكبر. فالتوسع في فرص التعليم يخلق مسؤولية موازية في مواءمته قدر الإمكان مع التدريب واحتياجات سوق العمل. وليس المقصود ضمان وظيفة أو مسار بعينه لكل خريج، وإنما أن تصبح العلاقة بين ما نعلّمه وما نتوقع أن نحتاج إليه جزءاً من التخطيط منذ البداية.
في الصحة تحديداً يعني ذلك رؤية مشتركة تربط القبول في الكليات بالاحتياجات المستقبلية من القوى العاملة والقدرة التدريبية اللازمة، بالتوازي مع زيادة هذه القدرة عبر اعتماد مراكز جديدة، وتأهيل المدربين، وتوسيع مساهمة القطاعين الحكومي والخاص. فالمواءمة لا تعني تقليل فرص التعليم لتناسب المقاعد الموجودة، بل أن تنمو حلقات السلسلة معاً.
يقول تقرير «ثمن التقاعس» إن للأمم ثمناً باهظاً تدفعه عندما لا تعلّم أبناءها جيداً. وبداية العام الدراسي فرصة لنتذكر أن مسؤولية الاستثمار في الإنسان لا تنتهي عندما نفتح له باب الجامعة.
الطالب الذي دخل هذا الأسبوع أول قاعة في كليته، سيقف بعد سنوات أمام أبواب أخرى. والتخطيط الجيد لا يعني أن نعرف كم مقعداً نستطيع فتحه اليوم فقط، بل أن نسأل منذ البداية: من يخطط للرحلة كاملة؟