ما دعاني لكتابة المقال هو كسل كثير من المقاربات السياسية التي تعود كلما اشتد الصراع الدولي بين واشنطن وبكين، إلى نموذج الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية. كأن التاريخ يمكن تكراره، بينما الحقيقة أنه لا يمكن عبور نهر التاريخ مرتين! ولهذا فمن حق العقل السياسي أن يبتكر قراءة تتجاوز الثنائية الحديدية في الستار الحديدي الذي حكم القرن الماضي. فالحرب الباردة كانت ابنة زمن صلب/حداثة صلبة تتعامل مع العالم ككتلة قابلة للانقسام إلى نصفين، وتتعامل مع الصراع كمعادلة صفرية/رابح خاسر، وقد انتهى زمن الحداثة الصلبة. نحن زمن «ما بعد الحداثة/ الحداثة السائلة» ويظهر لي أن لغة بعض المحللين ما زالت تستنشق غبار زمن انقضى ولن يعود.
ما نعيشه في الصراع السياسي العالمي ليس صلابة، ولا نعومة. فالنعومة التي تذكرنا بالحرير تشي بالمرونة مع قابلية الانقطاع، بينما ما نعيشه «رخاوة» في القوام وفي طبيعة الاشتباك. ولهذا أرى أن مصطلح «الحرب الرخوة» أدق في توصيف العلاقة بين الصين وأمريكا، علاقة لا تستجيب لقوالب الحرب الباردة، بل هي أقرب إلى «الحرب الرخوة» التي تنتمي لزمننا زمن «الحداثة السائلة»، ولهذا فهي تتشكل وفق منطق جديد، حيث المادة تفقد تماسكها لتأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه. فالصين وأمريكا ليستا خصمين بالمعنى القديم، وليستا شريكتين بالمعنى الاقتصادي البحت، بل هما في حالة تداخل اقتصادي رخوي، يجعل الصراع بينهما أقرب إلى شد متواصل لا يصل إلى نقطة حرجة، فشد الحبل السياسي بينهما ليس شد حبل حريري ناعم قد يؤدي للانقطاع، بل شد حبل مطاطي على أرض اقتصادية لزجة/ رخوة، تتداخل فيها المصالح المتبادلة مع التهديدات، والشراكات مع المناورات، بحيث يستحيل إنتاج لحظة سقوط «جدار برلين» جديدة، أو انتظار سقوط أحد النظامين كما حدث مع الاتحاد السوفيتي.
الرخاوة هنا ليست دلالة ضعف، بل دلالة زمن وطبيعة مرحلة، إنها مرحلة تتشكل فيها القوة عبر التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمنصات الرقمية، لا عبر الحشود العسكرية والتحالفات الحديدية، زمن ستالين والشارب المعقوف. إنه زمن تتراجع فيه الأيديولوجيا لصالح الاقتصاد، والردع النووي بين الأقوياء يعود للخلف لصالح النفوذ المتسلل عبر البنية التحتية للشعوب، والقروض، والابتكار، والقدرة على إعادة تشكيل العولمة الأمريكية إلى عولمة متنوعة.
الصين تفهم هذه المرحلة لأنها تمتلك بنية سياسية واقتصادية مركزية تسمح بالتخطيط الطويل، وتتيح الالتفاف على العقبات، وتمنحها القدرة على التمدد الهادئ عبر «الحزام والطريق» وبنك الاستثمار الآسيوي حيث لا شعارات أيديولوجية ولا شروط سياسية، بل تسلل جغرافي رخو عبر الطرق والموانئ والمشاريع، أي عبر النقاط الزاحفة/الرخوة التي تراكم نفوذاً دون صوت أو ضجة.
أمريكا في المقابل لا تزال تحمل إرث الحداثة الصلبة، متشبثة بعقيدة الهيمنة، وإظهار القوة بتحريك الأساطيل والبوارج عند اللحظات الحرجة، مع التمسك بالنظام الليبرالي القائم على قواعد الحداثة الصلبة، لكنها تواجه صعوبة في التكيف مع عالم «الحداثة السائلة/الرخوة» عالم لا يكافئ الصلابة، بل يكافئ القدرة على التشكُّل والمرونة.
ويبقى التساؤل حول مسارات هذه «الحرب الرخوة» وأظنها تتوزع على مسارين مختلفة حتى الآن، كسبت فيها الصين مسار التمدد الجغرافي والاقتصادي، حيث تربح إعادة تشكيل العولمة باتجاه نفوذ رخو متعدد الأقطاب، وأمريكا تربح المال، والمعايير الدولية، والابتكار والنظام المالي العالمي الذي لا يزال يعمل بلغتها (حتى الآن)، والعالم من حولهما يربح مرونة الحركة، فدول الخليج والهند والبرازيل وغيرها تستطيع أن تتحرك بين بكين وواشنطن دون الحاجة للانحياز المطلق كما كان الحال زمن الحرب الباردة.
أما الخائفون على القيم والمعايير الإنسانية فينسون أن الصراع اليوم ليس على إسقاط نظام، بل على صياغة «قواعد المستقبل» أمريكا تريد نظاماً قائماً على «القواعد الليبرالية» والصين تريد نظاماً قائماً على «ميثاق الأمم المتحدة والتنمية وعدم التدخل»، هذا صراع على تعريف الشرعية، لا على إسقاط الخصم.
ولهذا أقول: إن «فخ ثوسيديس» المتداول على ألسنة بعض المحللين ليس له قيمة في زمن الحداثة السائلة، فالصراع بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة لم يعد ينتج حرباً صفرية/رابح خاسر، بل ينتج موازين رخوة تسمح بأن يربح أحدهما أكثر من الآخر دون إعلان هزيمة، والعالم يتشكل وفق الإناء الذي يوضع فيه كل يوم، فهذه ليست حرباً باردة، بل حرب رخوة: حرب بلا جدار برلين، بلا ستار حديدي، بلا ضربة قاضية، بل نقاط تتراكم، ومسارات تتزاحم، والنتيجة رابح/رابح، مع إدراك أن الرابح الأكبر هو من يمتلك القدرة على التشكل بصبر وحكمة، لا القدرة على الصراخ والتنفج الأعلى.
وأخيراً يبقى هناك أمل لصالح البلد الذي أنجب الفلسفة البراغماتية أن يتجاوز تكلسه الفج قبل أن يسبقه بلد ألقى زعيمه الراحل - بعد سقوط جدار برلين والوفاة الدماغية للاتحاد السوفيتي - خطاباً حدد فيه إستراتيجية بلده للسياسة الخارجية، موجهاً بقوله: علينا «المراقبة بهدوء، والحفاظ على موقفنا، والرد بتأن، وإخفاء موهبتنا، وانتظار وقتنا، وإخفاء ضعفنا، وعدم السعي إلى القيادة أبداً، والتصرف بنية صادقة» الزعيم دينغ عام 1990.
سؤال طارئ قبل الانصراف عن قراءة هذا المقال: كيف نقرأ حروب الشرق الأوسط من خلال كل هذا؟ والإجابة ببساطة ليست سوى انعكاس البنية الفوقية للحرب الرخوة على البنية التحتية بنتائج رخوة أيضاً.
ما نعيشه في الصراع السياسي العالمي ليس صلابة، ولا نعومة. فالنعومة التي تذكرنا بالحرير تشي بالمرونة مع قابلية الانقطاع، بينما ما نعيشه «رخاوة» في القوام وفي طبيعة الاشتباك. ولهذا أرى أن مصطلح «الحرب الرخوة» أدق في توصيف العلاقة بين الصين وأمريكا، علاقة لا تستجيب لقوالب الحرب الباردة، بل هي أقرب إلى «الحرب الرخوة» التي تنتمي لزمننا زمن «الحداثة السائلة»، ولهذا فهي تتشكل وفق منطق جديد، حيث المادة تفقد تماسكها لتأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه. فالصين وأمريكا ليستا خصمين بالمعنى القديم، وليستا شريكتين بالمعنى الاقتصادي البحت، بل هما في حالة تداخل اقتصادي رخوي، يجعل الصراع بينهما أقرب إلى شد متواصل لا يصل إلى نقطة حرجة، فشد الحبل السياسي بينهما ليس شد حبل حريري ناعم قد يؤدي للانقطاع، بل شد حبل مطاطي على أرض اقتصادية لزجة/ رخوة، تتداخل فيها المصالح المتبادلة مع التهديدات، والشراكات مع المناورات، بحيث يستحيل إنتاج لحظة سقوط «جدار برلين» جديدة، أو انتظار سقوط أحد النظامين كما حدث مع الاتحاد السوفيتي.
الرخاوة هنا ليست دلالة ضعف، بل دلالة زمن وطبيعة مرحلة، إنها مرحلة تتشكل فيها القوة عبر التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمنصات الرقمية، لا عبر الحشود العسكرية والتحالفات الحديدية، زمن ستالين والشارب المعقوف. إنه زمن تتراجع فيه الأيديولوجيا لصالح الاقتصاد، والردع النووي بين الأقوياء يعود للخلف لصالح النفوذ المتسلل عبر البنية التحتية للشعوب، والقروض، والابتكار، والقدرة على إعادة تشكيل العولمة الأمريكية إلى عولمة متنوعة.
الصين تفهم هذه المرحلة لأنها تمتلك بنية سياسية واقتصادية مركزية تسمح بالتخطيط الطويل، وتتيح الالتفاف على العقبات، وتمنحها القدرة على التمدد الهادئ عبر «الحزام والطريق» وبنك الاستثمار الآسيوي حيث لا شعارات أيديولوجية ولا شروط سياسية، بل تسلل جغرافي رخو عبر الطرق والموانئ والمشاريع، أي عبر النقاط الزاحفة/الرخوة التي تراكم نفوذاً دون صوت أو ضجة.
أمريكا في المقابل لا تزال تحمل إرث الحداثة الصلبة، متشبثة بعقيدة الهيمنة، وإظهار القوة بتحريك الأساطيل والبوارج عند اللحظات الحرجة، مع التمسك بالنظام الليبرالي القائم على قواعد الحداثة الصلبة، لكنها تواجه صعوبة في التكيف مع عالم «الحداثة السائلة/الرخوة» عالم لا يكافئ الصلابة، بل يكافئ القدرة على التشكُّل والمرونة.
ويبقى التساؤل حول مسارات هذه «الحرب الرخوة» وأظنها تتوزع على مسارين مختلفة حتى الآن، كسبت فيها الصين مسار التمدد الجغرافي والاقتصادي، حيث تربح إعادة تشكيل العولمة باتجاه نفوذ رخو متعدد الأقطاب، وأمريكا تربح المال، والمعايير الدولية، والابتكار والنظام المالي العالمي الذي لا يزال يعمل بلغتها (حتى الآن)، والعالم من حولهما يربح مرونة الحركة، فدول الخليج والهند والبرازيل وغيرها تستطيع أن تتحرك بين بكين وواشنطن دون الحاجة للانحياز المطلق كما كان الحال زمن الحرب الباردة.
أما الخائفون على القيم والمعايير الإنسانية فينسون أن الصراع اليوم ليس على إسقاط نظام، بل على صياغة «قواعد المستقبل» أمريكا تريد نظاماً قائماً على «القواعد الليبرالية» والصين تريد نظاماً قائماً على «ميثاق الأمم المتحدة والتنمية وعدم التدخل»، هذا صراع على تعريف الشرعية، لا على إسقاط الخصم.
ولهذا أقول: إن «فخ ثوسيديس» المتداول على ألسنة بعض المحللين ليس له قيمة في زمن الحداثة السائلة، فالصراع بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة لم يعد ينتج حرباً صفرية/رابح خاسر، بل ينتج موازين رخوة تسمح بأن يربح أحدهما أكثر من الآخر دون إعلان هزيمة، والعالم يتشكل وفق الإناء الذي يوضع فيه كل يوم، فهذه ليست حرباً باردة، بل حرب رخوة: حرب بلا جدار برلين، بلا ستار حديدي، بلا ضربة قاضية، بل نقاط تتراكم، ومسارات تتزاحم، والنتيجة رابح/رابح، مع إدراك أن الرابح الأكبر هو من يمتلك القدرة على التشكل بصبر وحكمة، لا القدرة على الصراخ والتنفج الأعلى.
وأخيراً يبقى هناك أمل لصالح البلد الذي أنجب الفلسفة البراغماتية أن يتجاوز تكلسه الفج قبل أن يسبقه بلد ألقى زعيمه الراحل - بعد سقوط جدار برلين والوفاة الدماغية للاتحاد السوفيتي - خطاباً حدد فيه إستراتيجية بلده للسياسة الخارجية، موجهاً بقوله: علينا «المراقبة بهدوء، والحفاظ على موقفنا، والرد بتأن، وإخفاء موهبتنا، وانتظار وقتنا، وإخفاء ضعفنا، وعدم السعي إلى القيادة أبداً، والتصرف بنية صادقة» الزعيم دينغ عام 1990.
سؤال طارئ قبل الانصراف عن قراءة هذا المقال: كيف نقرأ حروب الشرق الأوسط من خلال كل هذا؟ والإجابة ببساطة ليست سوى انعكاس البنية الفوقية للحرب الرخوة على البنية التحتية بنتائج رخوة أيضاً.