شامي يحيى السلامي

ثمة قرارات لا يفسدها خطؤها بقدر ما يفسدها توقيتها. فليس كل ما يبدو واضحًا في لحظته قد اكتمل وضوحه، وليس كل ما يدفعنا إلى الحسم قد بلغ من النضج ما يؤهله لأن يكون حكمًا نهائيًا. وفي الحياة مساحات واسعة لا ينبغي أن تُملأ بالعجلة؛ لأن بعض الحقائق لا تظهر حين نفتش عنها، وإنما تظهر حين نمنحها الوقت الكافي كي تكشف عن وجهها الأخير.

التسرع في القرار هو أن تمنح لحظةً عابرة سلطةً على مستقبلٍ لم يكتمل. وهو خطأ لا يبدو خطره في ساعة اتخاذه؛ إذ تمنح العجلة صاحبها شعورًا زائفًا بالقوة والسيطرة، كأن الحسم انتصار، وكأن التريث ضعف، وكأن ترك الباب مفتوحًا نقصٌ في الشجاعة. والحقيقة أن بعض الأبواب لا تحتاج إلى أن تُغلق، بل تحتاج إلى أن ننتظر قليلًا لنعرف إلى أين كانت ستفضي لو تركناها مفتوحة.

ولعل أكثر ما يحرج الإنسان ليس أن يكتشف أنه أخطأ، وإنما أن يكتشف أن الخطأ كان في استعجاله. فالخطأ الذي يأتي بعد اكتمال النظر يمكن احتماله بوصفه قدرًا من أقدار الاجتهاد البشري، أما القرار الذي اتُّخذ قبل أوانه ثم كشفت الأيام أن الأمر كان يحتاج إلى مزيد من الوقت، فإنه يضع صاحبه أمام سؤال ثقيل: لماذا استعجلت ما كان يمكن أن ينتظر؟

إن الزمن ليس مجرد مسافة بين حدثين؛ إنه شريك في صناعة الحقيقة. وما نراه اليوم ناقص الصورة قد تأتي الأيام ببقية أجزائه، وما نحسبه نهايةً قد يكون مجرد فصل، وما نظنه دليلًا قاطعًا قد يتبين أنه مجرد قرينة في قصة لم تُكتب صفحتها الأخيرة بعد.

ولهذا فإن بعض القرارات المبكرة تشبه توقيعًا على وثيقة لم نقرأ آخر صفحاتها.

وحين يستمر الأمر بعد اتخاذ القرار، ثم تأتي الوقائع بما يخالف ما بُني عليه، يجد المرء نفسه في حرجٍ لا يشبه حرج التراجع وحده؛ لأنه لا يتراجع عن موقف فحسب، بل يتراجع عن يقينٍ أعلنَه قبل أن ينضج. وقد يكون التراجع في ذاته فضيلة، لكن ما يؤلم النفس أن تضطر إلى الاعتذار عن يقين كان يمكنها أن تستبدله بالصمت، وأن تجعل من التريث جوابًا مؤقتًا إلى أن تجيب الأيام عن الأسئلة التي عجزت اللحظة عن الإجابة عنها.

وفي هذا المعنى، ليس كل حسمٍ حزمًا، كما ليس كل تريثٍ ترددًا. فقد يكون المتردد أكثر بصيرة من المتعجل؛ لأنه يدرك أن الأشياء لا تُقاس بما ظهر منها فقط، وأن الحكم على الوقائع قبل تمامها ضرب من اختصار الحقيقة حتى تُناسب سرعة الحكم.

الحكيم لا يسأل نفسه فقط: ما القرار الصحيح؟ بل يسأل قبل ذلك: هل حان وقت القرار أصلًا؟

وهذا السؤال، على بساطته، قد ينقذ الإنسان من كثير من الندم. فهناك فرق بين أن يكون القرار خاطئًا، وبين أن يكون صحيحًا في غير وقته؛ كما أن هناك فرقًا بين أن تتخذ موقفًا لأن الحقيقة اكتملت، وأن تتخذه لأنك ضقت انتظارًا لا لأنك اكتملت بصيرتك.

ولذلك كان الصمت أحيانًا موقفًا، والانتظار موقفًا، وتأجيل الحكم موقفًا أكثر نضجًا من حكمٍ سريع يطلب من الواقع أن يطابقه.

فالأيام لا تغيّر الحقائق دائمًا، لكنها تكشف منها ما لم يكن ظاهرًا في البداية.

ومن أشد ما يضع الإنسان في مأزق أن يتخذ قرارًا مبكرًا ثم يجد أن استمرار الأمور قد صنع صورة أخرى تمامًا. عندها لا يصبح السؤال: هل تغيّر الواقع؟ فحسب، بل يصبح: ماذا لو أنني انتظرت؟ وهذه الـ"لو" هي واحدة من أثقل الكلمات التي يمكن أن تحملها الذاكرة؛ لأنها لا تتحدث عن خطأ وقع فحسب، بل عن احتمال كان يمكن للعجلة أن تقتله قبل أن يولد.

وليس المقصود من الدعوة إلى التريث أن يتحول الإنسان إلى كائن عاجز عن الحسم، يراقب الأحداث إلى ما لا نهاية خشية الخطأ؛ فالتأخير في بعض المواطن خطأ، والحسم في بعضها ضرورة. لكن الحكمة أن يعرف المرء متى يكون القرار شجاعة، ومتى يكون التريث شجاعة أكبر.

فثمة أوقات يكون فيها اتخاذ القرار فرارًا من القلق لا حلًا للمشكلة؛ إذ يحسم الإنسان لا لأنه عرف، وإنما لأنه تعب من ألا يعرف. وما أكثر القرارات التي وُلدت من الرغبة في إنهاء الانتظار، ثم احتاج أصحابها إلى أعوام كي يتعاملوا مع نتائجها.

إن النضج ليس في أن تكون سريع القرار، وإنما في أن تكون بطيئًا حيث ينبغي البطء، وسريعًا حيث لا يحتمل الأمر الانتظار.

وفي النهاية، ليست المشكلة أن يخطئ الإنسان في تقدير موقف؛ فالكمال ليس من طبيعة البشر. المشكلة أن يمنح نفسه حق إصدار الحكم قبل أن تمنح الوقائع نفسها حق الاكتمال.

فبعض الأمور إذا تُركت للزمن شرحت نفسها، وبعض الأسئلة إذا لم نستعجل الإجابة عنها جاءت الأيام بإجابة لم تكن في متناول أيدينا. وربما كان أجمل ما يفعله الإنسان أحيانًا ألا يفعل شيئًا؛ لا عجزًا، ولا خوفًا، ولا هروبًا من المسؤولية، وإنما احترامًا لحقيقة لم تكتمل بعد.

لأن القرار إذا سبق الحقيقة، حمل صاحبه عبء الدفاع عنه؛ أما إذا جاءت الحقيقة أولًا، جاء القرار بعدها هادئًا، لا يحتاج إلى كثير من التبرير.

فلا تستعجل إغلاق قصةٍ لم تنتهِ، ولا تُصدر حكمًا على طريقٍ لم يبلغ آخره؛ إذ إن بعض الحرج الذي يصنعه الإنسان لنفسه لا يأتي من سوء ما اختار، بل من أنه اختار قبل أن يرى.

والعاقل ليس من لا يراجع قراراته، بل من يعرف أن بعض القرارات ينبغي أن تُراجع قبل اتخاذها، لا بعد أن يصبح التراجع عنها اعترافًا متأخرًا بأن الزمن كان يملك من الحقيقة ما لم تكن تملكه العجلة.