كان الرجل يجلس في المقهى يشرب قهوته وفي الطاولة المقابلة شاب يصور مقطعا قصيرا. حرّك هاتفه قليلا، فدخل الرجل في الصورة. لم يقل شيئا، وربما لم ينتبه. بعد دقائق أصبح وجهه في هاتف شخص لا يعرفه، وربما انتقل بعد ذلك إلى هواتف أخرى لا يعرف أصحابها. المشهد عادي إلى درجة أننا لا نتوقف عنده، وربما لهذا يستحق أن نسأل: متى أصبح وجود الإنسان في مكان عام إذنا مفتوحا بتصويره؟
ثمة فرق صغير في الظاهر، كبير في المعنى بين أن تراني بعينيك وأن تحتفظ بي في هاتفك. العين تمر، والذاكرة تنسى، أما الكاميرا فتأخذ اللحظة معها. تستطيع أن تعيدها، وترسلها، وتقتطع منها ما تريد، وتضعها في سياق لم يخطر لصاحبها حين كان يشرب قهوته مطمئنا. في الماضي كان التصوير فعلا مقصودا؛ يخرج أحدهم الكاميرا فيعرف الجميع أن صورة ستلتقط، فيعتدل هذا، ويبتسم ذاك، ويبتعد ثالث. كانت للصورة لحظة معلنة. أما اليوم فقد تصبح جزءا من محتوى شخص آخر وأنت لا تعلم أنك دخلت المشهد. تمر خلف مؤثر يصور نفسه في السوق، أو تجلس إلى جوار أسرة توثق عشاءها، أو تقف أمام شخص قرر تصوير مشاجرة في الشارع، وخلال ثوان تنتقل من إنسان يعيش لحظته إلى مادة محفوظة في جهاز غريب. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بالتصوير وحده: من يملك صورتي حين أكون في المجال العام؟ قد يقول أحدهم: أنت في شارع، والشارع مكان عام. صحيح. المكان عام، أما الإنسان فليس ملكية عامة.
وجودي إلى جوارك لا يمنحك تلقائيا حق الاحتفاظ بوجهي، كما أن سماعك حديثا عابرا لا يجعلك مالكا له. لدينا حساسية واضحة تجاه الممتلكات؛ لو مد شخص يده إلى حقيبتك لأوقفته فورا، ولو أخذ ورقة من مكتبك لسألته لماذا. أما الصورة، وهي جزء من هويتك، فنتعامل معها بخفة لافتة. وربما لأن الهاتف جعل الفعل بسيطا إلى حد يخفي أثره: حركة إصبع واحدة قد تأخذ شيئا من حياة شخص آخر وتحفظه لسنوات.
والطريف أن الإنسان المعاصر شديد الحرص على خصوصية هاتفه، قليل الانتباه إلى خصوصية البشر الذين يضعهم داخله. نغلق أجهزتنا ببصمة الوجه، ونضع كلمات مرور للتطبيقات، ونغضب إذا فتح أحدهم صورنا من دون إذن، ثم نرفع الكاميرا في مطعم ونأخذ معنا نصف الجالسين. كأن الخصوصية تبدأ عند شاشة هاتفي وتنتهي عند شاشة هاتفك.
ويصبح الأمر أثقل حين تدخل الكاميرا لحظة إنسانية ضعيفة. شخص خائف، أو مرتبك، أو مصاب، وفجأة يظهر هاتف من مكان ما، وقد يسبق التصوير المساعدة. عندها يتحول السؤال من الخصوصية إلى الأخلاق: متى صار الإنسان أمامنا مشهدا قبل أن يكون شخصا يحتاج إلى موقف؟ الكاميرا تمنح صاحبها قوة صغيرة؛ فهو يختار البداية والنهاية، وما يدخل الصورة وما يبقى خارجها، وقد تجعل خمس ثوان إنسانا مضحكا أو غاضبا أو محرجا، مع أن حياته أوسع كثيرا من خمس ثوان.
لهذا ليست المشكلة دائما في أن الصورة كاذبة. أحيانا تكون الصورة صادقة تماما، ويأتي الظلم من أنها ليست الحقيقة كلها. رجل يصرخ في مقطع قصير، فنراه غاضبا ولا نعرف ماذا حدث قبله. امرأة تبكي، فنعرف دمعتها ولا نعرف قصتها. طفل يتصرف بطريقة مضحكة، فيضحك الناس عليه سنوات، وهو لم يختر أن تصبح طفولته أرشيفا عاما. التقنية أسرعت في منحنا القدرة على التوثيق، وأخلاق التوثيق ما زالت تتعلم كيف تلحق بها.
ربما يكفي قبل أن نرفع الهاتف أن نتخيل أنفسنا في الجهة الأخرى من العدسة. قد تكون جالسا مع والدتك، أو متعبا، أو في حديث خاص، أو في يوم لا تحب أن تتذكره، ثم يأتي غريب ويقرر أن يحتفظ بك لأنك مررت مصادفة أمام كاميرته. صار حفظ اللحظة أسهل كثيرا من احترامها، وأحسب أن نضجنا الرقمي لن يقاس بعدد الكاميرات التي نحملها، وإنما بقدرتنا على معرفة اللحظة التي ينبغي فيها أن نخفض الهاتف. فالإنسان الذي ظهر في طرف صورتك لم يدخل حياتك؛ أنت فقط أدخلته هاتفك.
ثمة فرق صغير في الظاهر، كبير في المعنى بين أن تراني بعينيك وأن تحتفظ بي في هاتفك. العين تمر، والذاكرة تنسى، أما الكاميرا فتأخذ اللحظة معها. تستطيع أن تعيدها، وترسلها، وتقتطع منها ما تريد، وتضعها في سياق لم يخطر لصاحبها حين كان يشرب قهوته مطمئنا. في الماضي كان التصوير فعلا مقصودا؛ يخرج أحدهم الكاميرا فيعرف الجميع أن صورة ستلتقط، فيعتدل هذا، ويبتسم ذاك، ويبتعد ثالث. كانت للصورة لحظة معلنة. أما اليوم فقد تصبح جزءا من محتوى شخص آخر وأنت لا تعلم أنك دخلت المشهد. تمر خلف مؤثر يصور نفسه في السوق، أو تجلس إلى جوار أسرة توثق عشاءها، أو تقف أمام شخص قرر تصوير مشاجرة في الشارع، وخلال ثوان تنتقل من إنسان يعيش لحظته إلى مادة محفوظة في جهاز غريب. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بالتصوير وحده: من يملك صورتي حين أكون في المجال العام؟ قد يقول أحدهم: أنت في شارع، والشارع مكان عام. صحيح. المكان عام، أما الإنسان فليس ملكية عامة.
وجودي إلى جوارك لا يمنحك تلقائيا حق الاحتفاظ بوجهي، كما أن سماعك حديثا عابرا لا يجعلك مالكا له. لدينا حساسية واضحة تجاه الممتلكات؛ لو مد شخص يده إلى حقيبتك لأوقفته فورا، ولو أخذ ورقة من مكتبك لسألته لماذا. أما الصورة، وهي جزء من هويتك، فنتعامل معها بخفة لافتة. وربما لأن الهاتف جعل الفعل بسيطا إلى حد يخفي أثره: حركة إصبع واحدة قد تأخذ شيئا من حياة شخص آخر وتحفظه لسنوات.
والطريف أن الإنسان المعاصر شديد الحرص على خصوصية هاتفه، قليل الانتباه إلى خصوصية البشر الذين يضعهم داخله. نغلق أجهزتنا ببصمة الوجه، ونضع كلمات مرور للتطبيقات، ونغضب إذا فتح أحدهم صورنا من دون إذن، ثم نرفع الكاميرا في مطعم ونأخذ معنا نصف الجالسين. كأن الخصوصية تبدأ عند شاشة هاتفي وتنتهي عند شاشة هاتفك.
ويصبح الأمر أثقل حين تدخل الكاميرا لحظة إنسانية ضعيفة. شخص خائف، أو مرتبك، أو مصاب، وفجأة يظهر هاتف من مكان ما، وقد يسبق التصوير المساعدة. عندها يتحول السؤال من الخصوصية إلى الأخلاق: متى صار الإنسان أمامنا مشهدا قبل أن يكون شخصا يحتاج إلى موقف؟ الكاميرا تمنح صاحبها قوة صغيرة؛ فهو يختار البداية والنهاية، وما يدخل الصورة وما يبقى خارجها، وقد تجعل خمس ثوان إنسانا مضحكا أو غاضبا أو محرجا، مع أن حياته أوسع كثيرا من خمس ثوان.
لهذا ليست المشكلة دائما في أن الصورة كاذبة. أحيانا تكون الصورة صادقة تماما، ويأتي الظلم من أنها ليست الحقيقة كلها. رجل يصرخ في مقطع قصير، فنراه غاضبا ولا نعرف ماذا حدث قبله. امرأة تبكي، فنعرف دمعتها ولا نعرف قصتها. طفل يتصرف بطريقة مضحكة، فيضحك الناس عليه سنوات، وهو لم يختر أن تصبح طفولته أرشيفا عاما. التقنية أسرعت في منحنا القدرة على التوثيق، وأخلاق التوثيق ما زالت تتعلم كيف تلحق بها.
ربما يكفي قبل أن نرفع الهاتف أن نتخيل أنفسنا في الجهة الأخرى من العدسة. قد تكون جالسا مع والدتك، أو متعبا، أو في حديث خاص، أو في يوم لا تحب أن تتذكره، ثم يأتي غريب ويقرر أن يحتفظ بك لأنك مررت مصادفة أمام كاميرته. صار حفظ اللحظة أسهل كثيرا من احترامها، وأحسب أن نضجنا الرقمي لن يقاس بعدد الكاميرات التي نحملها، وإنما بقدرتنا على معرفة اللحظة التي ينبغي فيها أن نخفض الهاتف. فالإنسان الذي ظهر في طرف صورتك لم يدخل حياتك؛ أنت فقط أدخلته هاتفك.