هاني القحطاني

أمام رياح التغيير العاتية التي جلبتها العولمة والتقنية وثورة الإنترنت والسوشال ميديا بكل مسمياتها وتفاصيلها، كيف يمكن للتعليم أن يتكيف مع هذه المتغيرات الضخمة؟ عن أي تعليم نتحدث سواء كان في المحتوى أم آلية التنفيذ والتطبيق؟ ولأن التعليم هو محرك التنمية البشرية في أي مجتمع لأدركنا حجم المسؤوليات والصعاب التي ينوء بها هذا الجهاز على الرغم مما يبدو من سهولة الأمر ظاهريا.

بداية فإن طوفان المعلومات هذا باختلاف صوره وأشكاله هو في نهاية المطاف إعادة تدوير للمعلومات أكثر من كونه شيئا آخر. إنه يعيد تقديم المعلومة أو يقدمها في سياق مختلف، ولأن العالم يعيش في عصر استهلاكي، فقد أصبح تدفق المعلومات والتعليم برمته أشبه بمادة استهلاكية صرفة، مما يحيد به عن جادة الصواب.

في عصر الطوفان المعرفي تأتي المعلومة جاهزة دون أي جهد لتحصيلها، على عكس ما ينبغي أن يكون عليه الحال عند اكتشافها.

فعلى سبيل المثال، الكل يعرف أن الماء هو نتيجة اتحاد ذرتي هيدروجين بذرة أوكسجين دون رؤية حصول ذلك. مثال آخر رياضي هذه المرة يتمثل في النسبة الثابتة لمحيط الدائرة إلى قطرها مهما كبرت الدائرة أو صغرت. هنا المعلومة لم تمر عبر عملية الفحص والاختبار والمشاهدة بل أخذت كمسلمة معرفية. قارن ذلك باكتشاف هذه الحقيقة العلمية في المعمل (وهو نادرا ما يحدث)، أو عند اكتشاف دقة الرياضيات في فيزياء حركة الأجسام وفي الكون الفسيح، عندها تدرك الفرق بين نظام تعليمي يقوم على السؤال والفحص والملاحظة، ونظام تعليمي استهلاكي.

ينطوي مفهوم التعليم لغويا على توليد الشيء من لا شيء، إنه بهذا التعريف يضع التفكير وإعمال العقل والحواس في صلب العملية التعليمية. وهنا يصبح التعليم نشاطا إنسانيا خلاقا يتجدد باستمرار كالنهر دائم الجريان، تغذيه أسئلة العلم والفلسفة والمنطق وكل مجالات العلم، وما يستجد في المجتمع من مشاكل معرفية أو تنموية تتطلب حلولا علمية لا نماذج معدة سلفا.

في الممارسة، التعليم هو عملية في اتجاه واحد. هناك معلم ولوح أمامه طلاب على كراسي. هنا تنتقل المعلومة من المعلم لتلاميذه بقدر يضيق ويتسع من الوقت للشرح والتعليق والمساءلة. هذا هو التلقين في إحدى صوره.

على عكس التعليم فإن التعلم عملية متعددة الاتجاهات. التعلم يعني تبادل المعارف والعلوم وتنقلها بين كل الأطراف وتطبيقها، وفق ما يقتضيه الواقع والمصلحة. وهو بذلك يشكل استمرارية لإعمال العقل في العملية التعليمية، والاستفادة من مخرجاتها وتوظيفها في صالح المجتمع.

وعلى عكس مفهوم التعليم فالتعلم عملية متعددة الاتجاهات.

تنهج بعض المقررات الأكاديمية أسلوب الحوار العلمي في ما يعرف بـ«السيمنار seminar»، وهي حصة دراسية للدراسات المتقدمة يلتقي فيها الطلاب بانتظام، لمناقشة الأبحاث الأصلية تحت إشراف أستاذ المادة. ورغم أن فكرة السيمنار مرتبطة بالدراسات الجامعية فان جذورها راسخة في الحوارات والمناظرات الأدبية التي كانت ولا تزال تدور في بعض المنتديات الثقافية.

تفعيل مفهوم السيمنار في بعض الحقول المعرفية ذات المنحى الفكري عموما كالآداب والمعارف الإنسانية على مستوى التعليم ما قبل الجامعي، من شأنه أن يمد الطلبة بأسس منهجية للتفكير وطرق للتعلم، ستعود عليهم بالفائدة في دراساتهم المستقبلية وحياتهم العملية.

بطبيعة الحال التعليم في أي بلد تابع لرؤى تنموية واسعة، ما يعني أنه مرتبط بخطط تنموية وقدرات بشرية وهياكل إدارية لتنفيذه.

وقد راكمت المملكة على مدى العقود الماضية خبرات جمة في هذا المجال. ويأتي التعليم الخاص بمستوياته كافة، رافدا هاما لمخرجات التعليم. ويبقى التوفيق بينه وبين التعليم العام في جميع المراحل، مطلبا اجتماعيا قبل أن يكون نهجا حكوميا.