يُعرف المحامي بواجبه في حفظ أسرار موكله، حتى أصبح بعض المحامين اليوم يُعرف بعدد الأحكام التي ينشرها عنهم.
تدخل إلى بعض حسابات المحامين في منصات التواصل، فتجد أحكاماً قضائية مصورة، ومنطوقات مظللة، وعبارات تعلن «كسب القضية»، ثم بلغ الاستعراض عند بعضهم أن تُنشر الأحكام مصحوبة بأغانٍ أو «شيلات» انتصار، وكأن الخصومة القضائية مباراة انتهت بفوز فريق وهزيمة آخر.
مشهد يثير الاشمئزاز قبل أن يثير السؤال: متى أصبح حكم القضاء مادة إعلانية؟ ومتى تحولت قضايا الموكلين إلى محتوى تسويقي؟
المحامي ليس تاجراً في خصومات الناس. فالموكل حين يدخل مكتبه لا يسلمه أوراقاً فحسب، بل قد يضع أمامه أكثر أجزاء حياته خصوصية: نزاعاً أسرياً، اتهاماً جنائياً، تعثراً مالياً، مراسلات شخصية، حسابات، صوراً، ومستندات ووقائع ربما لا يعرفها أقرب الناس إليه. وهو يكشف ذلك كله لأنه يعتقد أن من يجلس أمامه مؤتمن.
المحامي يعرف أسرار موكله بحكم الضرورة المهنية، لا بحق الملكية عليها. وما يعرفه عنه ليس ملكاً له لمجرد أنه عرفه، وما يقع تحت يده من مستندات لا يصبح مباحاً للنشر لمجرد أنه ترافع بها، والحكم الذي صدر لمصلحة موكله ليس شهادة تفوق شخصية يرفعها كلما أراد إثبات نجاحه.
هناك فارق بين أن تكسب قضية، وأن تتخذ من قضية موكلك إعلاناً. والأشد سوءاً أن بعضهم يظن أن طمس الاسم أو رقم الهوية كافٍ لإباحة النشر، بينما قد تكشف هوية أصحاب القضية من تفاصيلها. فالناس قد تُعرف بوقائعها كما تُعرف بأسمائها، والسر لا يفقد صفته لمجرد حذف الاسم من أعلاه.
ثم تأتي الصورة الأكثر ابتذالاً: الاحتفال بالحكم. شيلة على حكم طلاق، وأغنية على حكم حضانة، وموسيقى حماسية على حكم جزائي، وعبارات تشفٍّ على حكم مالي، ثم شعار المكتب ورقم التواصل.
القضية التي يراها المحامي «إنجازاً» قد تكون في حياة صاحبها مأساة، والحكم الذي يحتفل به قد يكون خلفه أسرة تفككت، أو طفل انتقلت حضانته، أو إنسان فقد حريته، أو تاجر خسر تجارته. فالخصم ليس غنيمة، والحكم ليس كأس بطولة، والقضية ليست إعلاناً، والموكل ليس محتوى.
والمفارقة أن المحامي قد يقف أمام القضاء مطالباً بحماية خصوصية موكله وسمعته، ثم يخرج من المحكمة فيكون أول من ينشر قضيته. فإذا كانت المحكمة تحفظ أوراق الدعوى، والجهات العدلية تضبط الوصول إلى بياناتها، ثم أصبح وكيل صاحب الشأن نفسه نافذة لنشرها فمن يحمي سر الموكل من محاميه؟
والأغرب أن هذا التسويق بدأ ينقلب على أصحابه. فقد ظهرت حسابات لكثير من المحامين وكذلك حسابات أجنبية تتسمى بالمحاماة والقانون والاستشارات، تلتقط الأحكام التي ينشرها أصحابها، ثم تعيد نشرها بعد إزالة ما يدل على مصدرها، وتقدمها لجمهورها وكأنها أحكام حصلت عليها هي لمصلحة عملائها.
وهنا تبلغ المفارقة حد السخرية: نشر المحامي الحكم ليثبت نجاحه، فاستولى عليه غيره ليدّعي نجاحاً لم يحققه أصلاً.
بل أصبحنا أمام ما يشبه سوقاً وهمية للإنجازات القانونية، يستطيع فيها أي حساب أن يجمع أحكام الآخرين، وينزع عنها مصادرها، ثم يبني لنفسه سجلاً من القضايا لم يترافع في واحدة منها. والحكم الذي أخرجه المحامي من ملف موكله ليتخذه إعلاناً لنفسه، أصبح إعلاناً مجانياً لغيره. وهذه نتيجة طبيعية، فما إن يخرج المستند إلى الفضاء المفتوح حتى يفقد صاحبه السيطرة على أين يصل، ومن يعيد نشره، وكيف يستخدمه.
لا يصح أن تختبئ هذه الممارسات خلف كلمة «التسويق». فالتسويق للمحامي مشروع حين يسوّق علمه، لا أسرار الناس. يستطيع أن يكتب، ويحلل، ويناقش الأنظمة والمبادئ، ويشرح الحقوق، ويظهر قدرته القانونية دون أن يجعل حياة موكليه معرضاً لإنجازاته.
فإذا لم يجد المحامي ما يسوّق به نفسه إلا قضايا موكليه، فالمشكلة ليست في التسويق، بل في أنه لم يجد في علمه ما يكفي ليكون هو المحتوى، فاستعار حياة موكله ليصنع منها محتواه.
المحامي الناجح ليس من يمتلئ حسابه بالأحكام التي كسبها، بل من يمتلئ سجله المهني بها، وتظل أسرار أصحابها حيث يجب أن تكون.
فالناس حين يشاهدون محامياً يستعرض قضايا موكليه لن يسألوا فقط: كم قضية كسب؟
بل سيطرح الموكل المحتمل سؤالاً أخطر: إذا وكلته غداً، فهل أكون أنا منشوره القادم؟
المحاماة مهنة يُؤتمن صاحبها على ما لا ينبغي أن يعرفه الآخرون، ولهذا كان حفظ السر جزءاً من شرفها. أما حين يصبح السر وسيلة للشهرة، والحكم إعلاناً، والموكل مادة للمحتوى، فلا حاجة للبحث عن وصف طويل لصاحبه.
يكفي أن تسميه: فاضح الأسرار.
تدخل إلى بعض حسابات المحامين في منصات التواصل، فتجد أحكاماً قضائية مصورة، ومنطوقات مظللة، وعبارات تعلن «كسب القضية»، ثم بلغ الاستعراض عند بعضهم أن تُنشر الأحكام مصحوبة بأغانٍ أو «شيلات» انتصار، وكأن الخصومة القضائية مباراة انتهت بفوز فريق وهزيمة آخر.
مشهد يثير الاشمئزاز قبل أن يثير السؤال: متى أصبح حكم القضاء مادة إعلانية؟ ومتى تحولت قضايا الموكلين إلى محتوى تسويقي؟
المحامي ليس تاجراً في خصومات الناس. فالموكل حين يدخل مكتبه لا يسلمه أوراقاً فحسب، بل قد يضع أمامه أكثر أجزاء حياته خصوصية: نزاعاً أسرياً، اتهاماً جنائياً، تعثراً مالياً، مراسلات شخصية، حسابات، صوراً، ومستندات ووقائع ربما لا يعرفها أقرب الناس إليه. وهو يكشف ذلك كله لأنه يعتقد أن من يجلس أمامه مؤتمن.
المحامي يعرف أسرار موكله بحكم الضرورة المهنية، لا بحق الملكية عليها. وما يعرفه عنه ليس ملكاً له لمجرد أنه عرفه، وما يقع تحت يده من مستندات لا يصبح مباحاً للنشر لمجرد أنه ترافع بها، والحكم الذي صدر لمصلحة موكله ليس شهادة تفوق شخصية يرفعها كلما أراد إثبات نجاحه.
هناك فارق بين أن تكسب قضية، وأن تتخذ من قضية موكلك إعلاناً. والأشد سوءاً أن بعضهم يظن أن طمس الاسم أو رقم الهوية كافٍ لإباحة النشر، بينما قد تكشف هوية أصحاب القضية من تفاصيلها. فالناس قد تُعرف بوقائعها كما تُعرف بأسمائها، والسر لا يفقد صفته لمجرد حذف الاسم من أعلاه.
ثم تأتي الصورة الأكثر ابتذالاً: الاحتفال بالحكم. شيلة على حكم طلاق، وأغنية على حكم حضانة، وموسيقى حماسية على حكم جزائي، وعبارات تشفٍّ على حكم مالي، ثم شعار المكتب ورقم التواصل.
القضية التي يراها المحامي «إنجازاً» قد تكون في حياة صاحبها مأساة، والحكم الذي يحتفل به قد يكون خلفه أسرة تفككت، أو طفل انتقلت حضانته، أو إنسان فقد حريته، أو تاجر خسر تجارته. فالخصم ليس غنيمة، والحكم ليس كأس بطولة، والقضية ليست إعلاناً، والموكل ليس محتوى.
والمفارقة أن المحامي قد يقف أمام القضاء مطالباً بحماية خصوصية موكله وسمعته، ثم يخرج من المحكمة فيكون أول من ينشر قضيته. فإذا كانت المحكمة تحفظ أوراق الدعوى، والجهات العدلية تضبط الوصول إلى بياناتها، ثم أصبح وكيل صاحب الشأن نفسه نافذة لنشرها فمن يحمي سر الموكل من محاميه؟
والأغرب أن هذا التسويق بدأ ينقلب على أصحابه. فقد ظهرت حسابات لكثير من المحامين وكذلك حسابات أجنبية تتسمى بالمحاماة والقانون والاستشارات، تلتقط الأحكام التي ينشرها أصحابها، ثم تعيد نشرها بعد إزالة ما يدل على مصدرها، وتقدمها لجمهورها وكأنها أحكام حصلت عليها هي لمصلحة عملائها.
وهنا تبلغ المفارقة حد السخرية: نشر المحامي الحكم ليثبت نجاحه، فاستولى عليه غيره ليدّعي نجاحاً لم يحققه أصلاً.
بل أصبحنا أمام ما يشبه سوقاً وهمية للإنجازات القانونية، يستطيع فيها أي حساب أن يجمع أحكام الآخرين، وينزع عنها مصادرها، ثم يبني لنفسه سجلاً من القضايا لم يترافع في واحدة منها. والحكم الذي أخرجه المحامي من ملف موكله ليتخذه إعلاناً لنفسه، أصبح إعلاناً مجانياً لغيره. وهذه نتيجة طبيعية، فما إن يخرج المستند إلى الفضاء المفتوح حتى يفقد صاحبه السيطرة على أين يصل، ومن يعيد نشره، وكيف يستخدمه.
لا يصح أن تختبئ هذه الممارسات خلف كلمة «التسويق». فالتسويق للمحامي مشروع حين يسوّق علمه، لا أسرار الناس. يستطيع أن يكتب، ويحلل، ويناقش الأنظمة والمبادئ، ويشرح الحقوق، ويظهر قدرته القانونية دون أن يجعل حياة موكليه معرضاً لإنجازاته.
فإذا لم يجد المحامي ما يسوّق به نفسه إلا قضايا موكليه، فالمشكلة ليست في التسويق، بل في أنه لم يجد في علمه ما يكفي ليكون هو المحتوى، فاستعار حياة موكله ليصنع منها محتواه.
المحامي الناجح ليس من يمتلئ حسابه بالأحكام التي كسبها، بل من يمتلئ سجله المهني بها، وتظل أسرار أصحابها حيث يجب أن تكون.
فالناس حين يشاهدون محامياً يستعرض قضايا موكليه لن يسألوا فقط: كم قضية كسب؟
بل سيطرح الموكل المحتمل سؤالاً أخطر: إذا وكلته غداً، فهل أكون أنا منشوره القادم؟
المحاماة مهنة يُؤتمن صاحبها على ما لا ينبغي أن يعرفه الآخرون، ولهذا كان حفظ السر جزءاً من شرفها. أما حين يصبح السر وسيلة للشهرة، والحكم إعلاناً، والموكل مادة للمحتوى، فلا حاجة للبحث عن وصف طويل لصاحبه.
يكفي أن تسميه: فاضح الأسرار.