عبدربه الطهيفي

أتذكر عندما قرأت كتاب سيد قطب «معالم في الطريق» وأنا لا أزال طالبًا في المدرسة، كان يصاحب قراءتي لهذا الكتاب شعور بعمق تفكير هذا الكاتب.

وربما لم يكن السبب الأكبر لهذا الشعور صغر السن، وإنما الانطباع السائد حينها، في وقت كان لتيار الإخوان تأثير كبير على المجتمع.

وقد يكون السبب الآخر هو بلاغة سيد قطب؛ فهو كاتب بارع ينحت المعاني بطريقة هندسية بديعة تضفي على الكتابة نوعًا من الهيبة.

ولكن عندما أعدت قراءته وقد أصبحت كهلًا، فإذا بالكتاب غارق في التناقضات الفكرية، مع ضعف شديد في الاستدلال، ومبالغات لا منطقية، وتعميمات غير سليمة، ومشكلات كثيرة واضحة في فكر وشخصية الكاتب.

وكثير من المواضع في كتب سيد قطب تجعلك تسأل: هل الكاتب يكذب، أو يبالغ، أو يسيء الفهم؟ وهذه الاحتمالات الثلاثة لا تتناسب مع صفة المفكر.

ولعل ما دفعني إلى إعادة قراءة الكتاب أنني لاحظت أن هناك أناسًا كثيرين اليوم يقدمون أنفسهم كمفكرين، ولهم أتباع ومعجبون كثر، وهم ليسوا مفكرين حقيقيين، ووجود هؤلاء المعجبين له أسباب وتفسيرات أخرى.

أما بخصوص سيد قطب، فيحق لنا أن نناقش أفكاره، بل وشخصيته ومسيرته؛ لأن ما كتبه أثّر في حياة ملايين العرب والمسلمين من أتباعه أو المتأثرين والمقتنعين بأفكاره، وهم بالتالي أثّروا في حياة الجميع، حتى نحن الذين لم نؤمن يومًا بأفكاره؛ فقد تضررت جميع الأوطان العربية بالجماعات التي خرجت من تحت عباءة قطب.

ولعلني أكتب سلسلة مقالات حول مجموعة من التناقضات والهفوات الفكرية والاستدلالية عند سيد قطب، لكي يعرف مَن لا يزال يجهل سوء أثر هذا الكاتب وحقيقة عقليته.

ولكن مقال اليوم سيتوقف قليلًا عند قصة تأسيسية في مرحلة تحوله من أديب وناقد إلى صاحب مشروع فكري حركي؛ قصة محورية أصبحت في روايات سيرته نقطة تحول حاسمة في موقفه من جماعة الإخوان المسلمين، كما يقول هو، وينقل عنه كثير من أقاربه والمحيطين به. وتبدأ غرائب هذه القصة من أن لها أكثر من نسخة.

وإذا بدأنا بالنسخة التي وردت في كتاب «لماذا أعدموني؟»، نجد أن قطب يقول إنه لم يكن يعرف إلا القليل عن الإخوان المسلمين عندما سافر إلى أمريكا، ثم قُتل حسن البنا وهو هناك سنة 1949، وإن ما شاهده بعد ذلك في الصحافة الأمريكية والإنجليزية أثار انتباهه بشدة، خصوصًا ما وصفه بـ«شماتة وراحة واضحة» في حل الجماعة وضربها وقتل مرشدها، والحديث عن خطرها على مصالح الغرب وثقافته.

وفي رواية عبد الله عزام، وهو أحد أبرز منظّري الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، وأحد أشهر المتأثرين بسيد قطب والمدافعين عنه، وقد أوردها في كتابه «عملاق الفكر الإسلامي: الشهيد سيد قطب»، يقول إن قطب شاهد «رقصًا صاخبًا وموسيقى وأنوارًا»، وابتسامات وفرحًا يملآن المستشفى، فسأل عن المناسبة، فقيل له إن حسن البنا قد قُتل، وإنهم يحتفلون بمقتل «عدو النصرانية في الشرق».

ويضيف عزام أن هذه الحادثة هزت قطب من أعماقه، ونقل هذه النسخة عن قطب آخرون غير عبد الله عزام أيضًا.

أما نسخة الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي في كتابه «أمريكا من الداخل بمنظار سيد قطب»، فتقول إن قطب رأى بأم عينه «مظاهر الفرح والابتهاج لدى العاملين في المستشفى» بمقتل حسن البنا.

أما رواية محفوظ عزام، وهو تلميذ وصديق مقرب ومحامي سيد قطب ووكيل أسرته، فتقول إن قطب كان داخل أحد المستشفيات الأمريكية عندما فوجئ بـ«أصوات المئات في الشوارع تهتف: سقط عدو الغرب»، وأنه عندما سأل عن السبب عرف أن المقصود هو حسن البنا.

ومحفوظ عزام، بالمناسبة، خال أيمن الظواهري. إذن فالحادثة، في هذه الروايات وغيرها، وقعت أثناء وجود سيد قطب في المستشفى.

سأواصل حديثي عن قطب تاليا.