تتكرر النصيحة أمام من يفكر في دراسة الطب: لا تدخل كلية الطب إذا كنت تبحث عن المال، أو المكانة، أو الشهرة. فالطب مهنة إنسانية، والطبيب اختار طريقًا غايته خدمة الإنسان قبل أي شيء آخر.
تبدو العبارة جميلة وفي جوهرها قدر كبير من الحقيقة. فالطب لا يحتمل أن يكون المال وحده دافعًا لاختياره ولا تكفي المكانة الاجتماعية لتحمّل سنوات الدراسة، والتدريب، والمناوبات والمسؤولية.
المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه الفكرة من نصيحة لطالب يقف على أبواب كلية الطب إلى معيار أخلاقي نلاحق به الطبيب طوال حياته المهنية. فمجرد أن يتحدث الطبيب عن راتبه، أو بدلاته، أو ساعات عمله، أو تعويضه عن المناوبات، قد يظهر من يذكره بأن «الطب رسالة»، وكأن الرسالة تتعارض مع الحق، أو كأن إنسانية المهنة تستوجب من صاحبها أن يقلل من قيمة وقته وجهده وطموحه.
واللافت أن هذه العبارة كثيرًا ما تحضر عند الحديث عن الأجر أو ساعات العمل أو الأعباء الإضافية. وهنا قد تتغير وظيفتها فتنتقل من قيمة تهذب سلوك الطبيب، إلى حجة تجعل اعتراضه على الإرهاق يبدو نقصًا في الالتزام، بدل أن يكون مطالبة مشروعة ببيئة عمل عادلة. في النصيحة الشائعة خلط بين نية الطبيب وسلوكه. فهي تطلب من شاب في السابعة عشرة أن يثبت نقاء دافعه قبل أن يبدأ؛ مع أن دوافع البشر متعددة فيها حب المساعدة، والرغبة في الاستقرار، والطموح، وتقدير المجتمع.
أما الأخلاق المهنية فلا تمتحن ما في القلوب بقدر ما تحاسب على ما يحدث أمام المريض: هل قدم الطبيب مصلحة مريضه؟ هل صدقه القول؟ هل حفظ كرامته؟ وهل امتنع عن استغلال حاجته وضعفه؟
بهذا المعيار يمكن للطبيب أن يكون مخلصًا لمريضه، وفي الوقت نفسه حريصًا على حقوقه ودخله ومستقبله. الحديث عن حقوق الطبيب ليس حديثًا عنه وحده. فالطبيب المنهك من مناوبات متلاحقة أو القلق على استقراره المهني لا يصبح أكثر إخلاصًا لمجرد تحمله مزيدًا من الإرهاق.
تشير دراسات إلى ارتباط الاحتراق المهني لدى الأطباء بمؤشرات تتعلق بسلامة المرضى وجودة الرعاية. لذلك فالمقابل العادل وساعات العمل المعقولة والتعويض المنصف عن المناوبات، ليست امتيازات على حساب المريض إنما جزء من بيئة مهنية، تساعد الطبيب على تقديم رعاية أفضل وأكثر استدامة.
ليس كل من يذكر الطبيب بأن «الطب رسالة» يقولها للسبب نفسه. فقد يكون مريضًا أرهقته فاتورة العلاج، فرأى الطبيب أمامه ولم ير المنظومة التي تقف خلف الفاتورة. وتكلفة الرعاية لا يمثل أجر الطبيب إلا جزءًا منها، إلى جانب المنشأة والتجهيزات، والأدوية والتشغيل والإدارة. وهذا القلق مفهوم، ويستحق أن نجيب عنه بالشفافية لا باللوم. العبارة قد تظهر أيضًا عند تحديد الراتب، أو جدولة المناوبات، أو إضافة أعباء جديدة.
وهنا يستحق الأمر وقفة: فإن كان الطب رسالة، فمسؤولية الحفاظ عليها لا تقع على الطبيب وحده، إنما تشترك فيها المنظومة الصحية بكل مكوناتها. فلا يمكن مطالبة الطبيب بأن يتعامل مع الصحة بمنطق الرسالة، بينما نتعامل مع وقته وجهده ومسؤوليته بمنطق التكلفة فقط.
فجسامة المسؤولية عن حياة الإنسان ينبغي ألا تكون سببًا للمطالبة بمزيد من التضحية دون أن تكون في الوقت نفسه سببًا لإنصافه. مع ذلك، فقلق المجتمع من المال في الطب ليس وهمًا كله. المشكلة ليست في أن يحصل الطبيب على دخل جيد، وإنما حين يؤثر الحافز المالي في القرار الطبي: فحص لا يحتاجه المريض، أو إجراء لا تبرره حالته، أو إحالة تحكمها مصلحة لا حاجة طبية. لكن علاج ذلك لا يكون بتجريم حديث الطبيب عن حقه، إنما بأنظمة تقلل تضارب المصالح، وحوافز لا تكافئ كثرة الخدمات على حساب قيمتها، ومساءلة واضحة عندما تستغل ثقة المريض.
الخلل هنا في السلوك أو في تصميم النظام، لا في رغبة الطبيب في حياة كريمة. «الطب رسالة» عبارة تستحق أن نحافظ عليها، لكن الرسالة يجب أن تحدد كيف يؤدي الطبيب عمله، لا مقدار الحقوق التي يجوز له المطالبة بها.
نحتاج إلى رسالتين. نقول للشاب أو الشابة المقبلين على الطب: لا تدخل الطب إذا كان المال هو الشيء الوحيد الذي تريده. ونقول لمن يناقش الطبيب في حقه باسم الرسالة: الرسالة لا تقاس بما يتنازل عنه الطبيب إنما بما يقدمه لمريضه.
من حق الطبيب أن ينجح وأن يترقى وأن يحقق دخلًا جيدًا، وأن يطالب بمقابل عادل لوقته وخبرته ومسؤوليته. ولا ينتقص ذلك من إنسانيته ما دام يمارس مهنته بأمانة ويحفظ حق المريض. الطب رسالة بالفعل، لكن من يحمل هذه الرسالة إنسان أيضًا له أسرة، وطموح، واحتياجات، وحقوق. ومن أراد للطب أن يبقى رسالة، فليحفظ لمن يحملها حقه.
تبدو العبارة جميلة وفي جوهرها قدر كبير من الحقيقة. فالطب لا يحتمل أن يكون المال وحده دافعًا لاختياره ولا تكفي المكانة الاجتماعية لتحمّل سنوات الدراسة، والتدريب، والمناوبات والمسؤولية.
المشكلة تبدأ عندما تنتقل هذه الفكرة من نصيحة لطالب يقف على أبواب كلية الطب إلى معيار أخلاقي نلاحق به الطبيب طوال حياته المهنية. فمجرد أن يتحدث الطبيب عن راتبه، أو بدلاته، أو ساعات عمله، أو تعويضه عن المناوبات، قد يظهر من يذكره بأن «الطب رسالة»، وكأن الرسالة تتعارض مع الحق، أو كأن إنسانية المهنة تستوجب من صاحبها أن يقلل من قيمة وقته وجهده وطموحه.
واللافت أن هذه العبارة كثيرًا ما تحضر عند الحديث عن الأجر أو ساعات العمل أو الأعباء الإضافية. وهنا قد تتغير وظيفتها فتنتقل من قيمة تهذب سلوك الطبيب، إلى حجة تجعل اعتراضه على الإرهاق يبدو نقصًا في الالتزام، بدل أن يكون مطالبة مشروعة ببيئة عمل عادلة. في النصيحة الشائعة خلط بين نية الطبيب وسلوكه. فهي تطلب من شاب في السابعة عشرة أن يثبت نقاء دافعه قبل أن يبدأ؛ مع أن دوافع البشر متعددة فيها حب المساعدة، والرغبة في الاستقرار، والطموح، وتقدير المجتمع.
أما الأخلاق المهنية فلا تمتحن ما في القلوب بقدر ما تحاسب على ما يحدث أمام المريض: هل قدم الطبيب مصلحة مريضه؟ هل صدقه القول؟ هل حفظ كرامته؟ وهل امتنع عن استغلال حاجته وضعفه؟
بهذا المعيار يمكن للطبيب أن يكون مخلصًا لمريضه، وفي الوقت نفسه حريصًا على حقوقه ودخله ومستقبله. الحديث عن حقوق الطبيب ليس حديثًا عنه وحده. فالطبيب المنهك من مناوبات متلاحقة أو القلق على استقراره المهني لا يصبح أكثر إخلاصًا لمجرد تحمله مزيدًا من الإرهاق.
تشير دراسات إلى ارتباط الاحتراق المهني لدى الأطباء بمؤشرات تتعلق بسلامة المرضى وجودة الرعاية. لذلك فالمقابل العادل وساعات العمل المعقولة والتعويض المنصف عن المناوبات، ليست امتيازات على حساب المريض إنما جزء من بيئة مهنية، تساعد الطبيب على تقديم رعاية أفضل وأكثر استدامة.
ليس كل من يذكر الطبيب بأن «الطب رسالة» يقولها للسبب نفسه. فقد يكون مريضًا أرهقته فاتورة العلاج، فرأى الطبيب أمامه ولم ير المنظومة التي تقف خلف الفاتورة. وتكلفة الرعاية لا يمثل أجر الطبيب إلا جزءًا منها، إلى جانب المنشأة والتجهيزات، والأدوية والتشغيل والإدارة. وهذا القلق مفهوم، ويستحق أن نجيب عنه بالشفافية لا باللوم. العبارة قد تظهر أيضًا عند تحديد الراتب، أو جدولة المناوبات، أو إضافة أعباء جديدة.
وهنا يستحق الأمر وقفة: فإن كان الطب رسالة، فمسؤولية الحفاظ عليها لا تقع على الطبيب وحده، إنما تشترك فيها المنظومة الصحية بكل مكوناتها. فلا يمكن مطالبة الطبيب بأن يتعامل مع الصحة بمنطق الرسالة، بينما نتعامل مع وقته وجهده ومسؤوليته بمنطق التكلفة فقط.
فجسامة المسؤولية عن حياة الإنسان ينبغي ألا تكون سببًا للمطالبة بمزيد من التضحية دون أن تكون في الوقت نفسه سببًا لإنصافه. مع ذلك، فقلق المجتمع من المال في الطب ليس وهمًا كله. المشكلة ليست في أن يحصل الطبيب على دخل جيد، وإنما حين يؤثر الحافز المالي في القرار الطبي: فحص لا يحتاجه المريض، أو إجراء لا تبرره حالته، أو إحالة تحكمها مصلحة لا حاجة طبية. لكن علاج ذلك لا يكون بتجريم حديث الطبيب عن حقه، إنما بأنظمة تقلل تضارب المصالح، وحوافز لا تكافئ كثرة الخدمات على حساب قيمتها، ومساءلة واضحة عندما تستغل ثقة المريض.
الخلل هنا في السلوك أو في تصميم النظام، لا في رغبة الطبيب في حياة كريمة. «الطب رسالة» عبارة تستحق أن نحافظ عليها، لكن الرسالة يجب أن تحدد كيف يؤدي الطبيب عمله، لا مقدار الحقوق التي يجوز له المطالبة بها.
نحتاج إلى رسالتين. نقول للشاب أو الشابة المقبلين على الطب: لا تدخل الطب إذا كان المال هو الشيء الوحيد الذي تريده. ونقول لمن يناقش الطبيب في حقه باسم الرسالة: الرسالة لا تقاس بما يتنازل عنه الطبيب إنما بما يقدمه لمريضه.
من حق الطبيب أن ينجح وأن يترقى وأن يحقق دخلًا جيدًا، وأن يطالب بمقابل عادل لوقته وخبرته ومسؤوليته. ولا ينتقص ذلك من إنسانيته ما دام يمارس مهنته بأمانة ويحفظ حق المريض. الطب رسالة بالفعل، لكن من يحمل هذه الرسالة إنسان أيضًا له أسرة، وطموح، واحتياجات، وحقوق. ومن أراد للطب أن يبقى رسالة، فليحفظ لمن يحملها حقه.