لم تكن عناوين هذه السلسلة فهرسًا أعددته قبل أن أبدأ الكتابة، بعضها كان حاضرًا منذ البداية، وبعضها ظهر أثناء القراءة، وبعضها بدا لي جديرًا بمقال مستقل ثم تراجعت عنه، وبعضها بدأ فكرة صغيرة قبل أن تكشف لي المصادر أن وراءه ما هو أكبر مما توقعت، وهنا اكتشفت أن العنوان نفسه ينبغي ألا يكون نتيجة مسبقة، وإنما فرضية، فعندما أقول: «الفرصة في فكر الأمير محمد بن سلمان»، فإنني لا أثبت بمجرد وضع العنوان أن «الفرصة» مفهوم مستقل في فكره؛ بل أطرح فرضية تقول إن لهذه المفردة معنى يتجاوز استعمالها العابر، وإنها تتكرر بطريقة ذات دلالة، وتعبر أكثر من مجال، وترتبط بقرارات وسياسات، وتؤدي وظيفة يمكن تمييزها عن مفاهيم قريبة منها، فإن أثبتت المادة ذلك بقي العنوان، وإن لم تثبته، سقط.
وهذا التفريق مهم؛ لأن إحدى مشكلات الكتابة عن القادة والمشروعات الكبرى أن ضخامة المنجز تغري بتضخيم المفاهيم، فحين يكون أمامك تحول اقتصادي واجتماعي وثقافي وإداري واسع، يصبح من السهل أن تستخرج من كل قطاع فكرة، ومن كل عبارة مفهومًا، ومن كل كلمة تتكرر عنوانًا، وعندها لا نعود نكتشف الفكر، بل نصنعه بأنفسنا، ولهذا أصبحت القاعدة التي تحكم بناء هذه السلسلة: العنوان عندي فرضية قبل أن يكون مقالًا؛ فإن لم تثبت مادته استقلال فكرته، لم أكتبه، ولعل ما حدث مع «المخاطر» مثال واضح، فقد كان من الممكن أن يكون «المخاطر في فكر الأمير محمد بن سلمان» عنوانًا مستقلًا، فالمادة موجودة، وحديث الأمير عن المخاطر حاضر في أكثر من موضع، لكن وجود المادة لا يكفي، فحينما توسعت القراءة ظهر أن المخاطر لا تعمل، في معظم المواضع، بوصفها مفهومًا قائمًا بذاته بقدر ما تعمل داخل تصور أوسع هو «التحدي»: تشخيص عقبة أو تهديد أو صعوبة، ثم بناء القدرة اللازمة لمواجهتها أو تجاوزها، وهكذا لم يسقط معنى المخاطر، وإنما سقط استقلاله، والفرق بين الأمرين كبير، فالفكرة التي لا تستحق مقالًا مستقلًا لا تصبح فكرة غير موجودة؛ فقد تكون جزءًا من مفهوم أكبر، أو آلية داخله، أو نتيجة له، وهذا ما حدث أيضًا مع كلمات مثل «الجاهزية» و«الكفاءة»، كان يمكن أن يصبح لكل واحدة منهما عنوان، لكن اختبارها أظهر أنها تعمل في جانب كبير منها داخل مفهوم أشمل هو «القدرة».
وفي المقابل، حدث العكس تمامًا مع «الفرصة»، لم أبدأ هذه السلسلة وأنا أضع «الفرصة» بين المفاهيم التي سأكتب عنها، لكن الكلمة ظلت تظهر في أكثر من مجال: الاقتصاد، والاستثمار، والسياحة وغيرها، والأهم أنها لم تكن تعني مجرد شيء جيد قد يحدث، ففي حديث سمو الأمير نجد انتقالًا متكررًا من وجود الإمكان إلى اكتشاف الفرصة، ومن الفرصة إلى بناء القدرة على اقتناصها، ثم إلى العمل عليها، وفي حديثه عن سرعة التحول، مثلًا، رفض أن تكون السرعة في ذاتها سببًا لترك فرصة قابلة للتحقيق، وربط العمل عليها بتطوير القدرات البشرية وقدرات الحكومة، وهنا بدأت «الفرصة» تتحول من كلمة إلى مفهوم، لكن حتى التكرار لا يكفي، فكثرة الشواهد تثبت الحضور، لكنها لا تثبت الاستقلال، فلو جعلنا عدد مرات ورود المفردة معيارًا، لتحولت أكثر الكلمات استعمالًا في الخطاب السياسي والإداري إلى مفاهيم فكرية، وهو ما لا يستقيم؛ لذلك كان السؤال الأصعب: ماذا تفعل هذه الفكرة داخل البناء؟ خذ مثلًا «القوة» و«القدرة»، قد تبدوان للوهلة الأولى متقاربتين، لكن القراءة أظهرت فرقًا بينهما، فالقوة تشير إلى ما تملكه الدولة من مكامن ومزايا وأصول يمكن استثمارها؛ أما القدرة فتتصل بما تستطيع الدولة أو المؤسسة أو الإنسان أن يفعله بهذه الإمكانات، القوة، بهذا المعنى، تجيب عن سؤال: ماذا نملك؟ والقدرة تجيب عن سؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ وحين يظهر هذا الفرق في المصادر والقرارات والمسارات، يصبح استقلال المفهومين أكثر قابلية للدفاع عنه.
والأمر نفسه ظهر بين «المستقبل» و«الطموح»، كان من الممكن دمجهما تحت عنوان واحد؛ فكلاهما يتجه إلى ما هو آت، لكن المستقبل يشير إلى الوجهة التي يراد الوصول إليها، بينما يرفع الطموح سقف تلك الوجهة باستمرار، فالمستقبل يسأل: إلى أين؟ والطموح يسأل: إلى أي ارتفاع؟ وبذلك أمكن لكل منهما أن يحتفظ بوظيفته.
وعلى الجانب الآخر لم تستطع «القيمة» أن تصمد بالطريقة نفسها، فهي حاضرة بقوة، لكنها تظهر غالبًا نتيجة لتحويل فرصة أو قدرة أو مورد إلى منفعة اقتصادية أو اجتماعية، ولذلك بدت أكثر اتصالًا بالفرصة والقدرة والاستثمار والتنفيذ من أن تكون مفهومًا مستقلًا يضيف إلى الخريطة ما لا تؤديه تلك المفاهيم.
وهكذا أصبحت عملية بناء العناوين أشبه بعملية اختبار مستمر: نفصل المفاهيم أولًا حتى نفهمها، ثم نقربها من بعضها لنرى إن كان الفرق بينها حقيقيًا أم لغويًا فقط، وفي أثناء ذلك ظهر معيار آخر أكثر أهمية: هل يعبر المفهوم المجالات؟ إذا وجدت الفكرة في الاقتصاد وحده، فقد تكون مفهومًا اقتصاديًا خاصًا بذلك المجال، لكن حينما أجد المنطق نفسه في الاقتصاد والتعليم والإدارة والتقنية والاستثمار والسياسة، يصبح احتمال أننا أمام طريقة أوسع في التفكير أقوى، وهذا ما جعل بعض المفاهيم تفرض نفسها على الخريطة.
فالفرصة لا تبقى اقتصادية، والقدرة لا تبقى بشرية، والقياس لا يبقى أداة إدارية، والاستدامة لا تبقى بيئية، والمرونة لا تبقى استجابة ظرفية، إنها تتحرك بين المجالات، وتغير موضوعها، بينما تحتفظ بوظيفتها الأساسية.
فالعنوان الذي صمد اليوم قد تكشف مادة جديدة أنه يحتاج إلى تعديل، والمفهوم الذي دمجناه في غيره قد يظهر لاحقًا من الأدلة ما يبرر استقلاله، ولهذا فإن نشر المقال لا يعني انتهاء البحث فيه، فالنشر محطة في البحث، لا إعلانًا بانتهاء البحث، ويبقي باب المراجعة مفتوحًا، فالمراجعة هنا ليست ترددًا، بل شرط من شروط القراءة؛ لأن المشروع الذي نقرأه نفسه لا يزال يتحرك، والمصادر تتجدد، وبعض ما يبدو اليوم فكرة أولية قد تكشف السنوات المقبلة امتدادها، كما قد تكشف حدودها، لهذا لم أعد أنظر إلى قائمة عناوين هذه السلسلة بوصفها جدول محتويات مغلقًا، وإنما بوصفها خريطة نجت، حتى الآن، من الاختبار، فبعض العناوين دخلها من أول مرة، وبعضها جاء متأخرًا، وبعضها خرج، وبعضها اندمج في غيره، وكل ذلك قادني إلى قاعدة ربما كانت أهم من القائمة نفسها: لا نبحث في المصادر عما يثبت خريطتنا؛ بل نسمح للمصادر بأن تعيد رسم الخريطة، لكن ما إن بدأت المفاهيم تثبت استقلالها حتى ظهر سؤال لم يكن ممكنًا طرحه في البداية: ماذا يحدث إذا أعدنا وصلها ببعضها؟ هل القوة والفرصة والقدرة والأولوية والتنفيذ والقياس والمرونة والاستدامة والطموح مجرد مفاهيم متجاورة، أم أن بينها علاقات تكشف شيئًا أكبر من كل مفهوم على حدة؟ وهنا ننتقل من اختبار المفهوم إلى اختبار النسق، ذلك أن الفكر قد لا يظهر كاملًا في المفهوم المفرد؛ وقد يظهر بصورة أوضح في العلاقات بين المفاهيم، وهذا هو سؤال المقال القادم: حينما تتصل الأفكار.
وهذا التفريق مهم؛ لأن إحدى مشكلات الكتابة عن القادة والمشروعات الكبرى أن ضخامة المنجز تغري بتضخيم المفاهيم، فحين يكون أمامك تحول اقتصادي واجتماعي وثقافي وإداري واسع، يصبح من السهل أن تستخرج من كل قطاع فكرة، ومن كل عبارة مفهومًا، ومن كل كلمة تتكرر عنوانًا، وعندها لا نعود نكتشف الفكر، بل نصنعه بأنفسنا، ولهذا أصبحت القاعدة التي تحكم بناء هذه السلسلة: العنوان عندي فرضية قبل أن يكون مقالًا؛ فإن لم تثبت مادته استقلال فكرته، لم أكتبه، ولعل ما حدث مع «المخاطر» مثال واضح، فقد كان من الممكن أن يكون «المخاطر في فكر الأمير محمد بن سلمان» عنوانًا مستقلًا، فالمادة موجودة، وحديث الأمير عن المخاطر حاضر في أكثر من موضع، لكن وجود المادة لا يكفي، فحينما توسعت القراءة ظهر أن المخاطر لا تعمل، في معظم المواضع، بوصفها مفهومًا قائمًا بذاته بقدر ما تعمل داخل تصور أوسع هو «التحدي»: تشخيص عقبة أو تهديد أو صعوبة، ثم بناء القدرة اللازمة لمواجهتها أو تجاوزها، وهكذا لم يسقط معنى المخاطر، وإنما سقط استقلاله، والفرق بين الأمرين كبير، فالفكرة التي لا تستحق مقالًا مستقلًا لا تصبح فكرة غير موجودة؛ فقد تكون جزءًا من مفهوم أكبر، أو آلية داخله، أو نتيجة له، وهذا ما حدث أيضًا مع كلمات مثل «الجاهزية» و«الكفاءة»، كان يمكن أن يصبح لكل واحدة منهما عنوان، لكن اختبارها أظهر أنها تعمل في جانب كبير منها داخل مفهوم أشمل هو «القدرة».
وفي المقابل، حدث العكس تمامًا مع «الفرصة»، لم أبدأ هذه السلسلة وأنا أضع «الفرصة» بين المفاهيم التي سأكتب عنها، لكن الكلمة ظلت تظهر في أكثر من مجال: الاقتصاد، والاستثمار، والسياحة وغيرها، والأهم أنها لم تكن تعني مجرد شيء جيد قد يحدث، ففي حديث سمو الأمير نجد انتقالًا متكررًا من وجود الإمكان إلى اكتشاف الفرصة، ومن الفرصة إلى بناء القدرة على اقتناصها، ثم إلى العمل عليها، وفي حديثه عن سرعة التحول، مثلًا، رفض أن تكون السرعة في ذاتها سببًا لترك فرصة قابلة للتحقيق، وربط العمل عليها بتطوير القدرات البشرية وقدرات الحكومة، وهنا بدأت «الفرصة» تتحول من كلمة إلى مفهوم، لكن حتى التكرار لا يكفي، فكثرة الشواهد تثبت الحضور، لكنها لا تثبت الاستقلال، فلو جعلنا عدد مرات ورود المفردة معيارًا، لتحولت أكثر الكلمات استعمالًا في الخطاب السياسي والإداري إلى مفاهيم فكرية، وهو ما لا يستقيم؛ لذلك كان السؤال الأصعب: ماذا تفعل هذه الفكرة داخل البناء؟ خذ مثلًا «القوة» و«القدرة»، قد تبدوان للوهلة الأولى متقاربتين، لكن القراءة أظهرت فرقًا بينهما، فالقوة تشير إلى ما تملكه الدولة من مكامن ومزايا وأصول يمكن استثمارها؛ أما القدرة فتتصل بما تستطيع الدولة أو المؤسسة أو الإنسان أن يفعله بهذه الإمكانات، القوة، بهذا المعنى، تجيب عن سؤال: ماذا نملك؟ والقدرة تجيب عن سؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ وحين يظهر هذا الفرق في المصادر والقرارات والمسارات، يصبح استقلال المفهومين أكثر قابلية للدفاع عنه.
والأمر نفسه ظهر بين «المستقبل» و«الطموح»، كان من الممكن دمجهما تحت عنوان واحد؛ فكلاهما يتجه إلى ما هو آت، لكن المستقبل يشير إلى الوجهة التي يراد الوصول إليها، بينما يرفع الطموح سقف تلك الوجهة باستمرار، فالمستقبل يسأل: إلى أين؟ والطموح يسأل: إلى أي ارتفاع؟ وبذلك أمكن لكل منهما أن يحتفظ بوظيفته.
وعلى الجانب الآخر لم تستطع «القيمة» أن تصمد بالطريقة نفسها، فهي حاضرة بقوة، لكنها تظهر غالبًا نتيجة لتحويل فرصة أو قدرة أو مورد إلى منفعة اقتصادية أو اجتماعية، ولذلك بدت أكثر اتصالًا بالفرصة والقدرة والاستثمار والتنفيذ من أن تكون مفهومًا مستقلًا يضيف إلى الخريطة ما لا تؤديه تلك المفاهيم.
وهكذا أصبحت عملية بناء العناوين أشبه بعملية اختبار مستمر: نفصل المفاهيم أولًا حتى نفهمها، ثم نقربها من بعضها لنرى إن كان الفرق بينها حقيقيًا أم لغويًا فقط، وفي أثناء ذلك ظهر معيار آخر أكثر أهمية: هل يعبر المفهوم المجالات؟ إذا وجدت الفكرة في الاقتصاد وحده، فقد تكون مفهومًا اقتصاديًا خاصًا بذلك المجال، لكن حينما أجد المنطق نفسه في الاقتصاد والتعليم والإدارة والتقنية والاستثمار والسياسة، يصبح احتمال أننا أمام طريقة أوسع في التفكير أقوى، وهذا ما جعل بعض المفاهيم تفرض نفسها على الخريطة.
فالفرصة لا تبقى اقتصادية، والقدرة لا تبقى بشرية، والقياس لا يبقى أداة إدارية، والاستدامة لا تبقى بيئية، والمرونة لا تبقى استجابة ظرفية، إنها تتحرك بين المجالات، وتغير موضوعها، بينما تحتفظ بوظيفتها الأساسية.
فالعنوان الذي صمد اليوم قد تكشف مادة جديدة أنه يحتاج إلى تعديل، والمفهوم الذي دمجناه في غيره قد يظهر لاحقًا من الأدلة ما يبرر استقلاله، ولهذا فإن نشر المقال لا يعني انتهاء البحث فيه، فالنشر محطة في البحث، لا إعلانًا بانتهاء البحث، ويبقي باب المراجعة مفتوحًا، فالمراجعة هنا ليست ترددًا، بل شرط من شروط القراءة؛ لأن المشروع الذي نقرأه نفسه لا يزال يتحرك، والمصادر تتجدد، وبعض ما يبدو اليوم فكرة أولية قد تكشف السنوات المقبلة امتدادها، كما قد تكشف حدودها، لهذا لم أعد أنظر إلى قائمة عناوين هذه السلسلة بوصفها جدول محتويات مغلقًا، وإنما بوصفها خريطة نجت، حتى الآن، من الاختبار، فبعض العناوين دخلها من أول مرة، وبعضها جاء متأخرًا، وبعضها خرج، وبعضها اندمج في غيره، وكل ذلك قادني إلى قاعدة ربما كانت أهم من القائمة نفسها: لا نبحث في المصادر عما يثبت خريطتنا؛ بل نسمح للمصادر بأن تعيد رسم الخريطة، لكن ما إن بدأت المفاهيم تثبت استقلالها حتى ظهر سؤال لم يكن ممكنًا طرحه في البداية: ماذا يحدث إذا أعدنا وصلها ببعضها؟ هل القوة والفرصة والقدرة والأولوية والتنفيذ والقياس والمرونة والاستدامة والطموح مجرد مفاهيم متجاورة، أم أن بينها علاقات تكشف شيئًا أكبر من كل مفهوم على حدة؟ وهنا ننتقل من اختبار المفهوم إلى اختبار النسق، ذلك أن الفكر قد لا يظهر كاملًا في المفهوم المفرد؛ وقد يظهر بصورة أوضح في العلاقات بين المفاهيم، وهذا هو سؤال المقال القادم: حينما تتصل الأفكار.