في المجالس القديمة كنا نرى الرجل قليل الكلام، فنحسبه عاقلاً. نسمع منه رأياً موزوناً في شأن يعرفه، فنظن أن هذا الاتزان يسكنه في كل شأن. وكانت صورة الرجل تتكون داخل شبكة من العلاقات المباشرة: من يعرفه ويجالسه، ويستطيع أن يرد عليه أو يسائله. وكانت كلمته تبقى بين أناس يلقونه في اليوم التالي، فيحملونها معهم إلى العمل والبيت ومجالس الأصدقاء. لذلك كان الكلام محكوماً بذاكرة الجماعة وبما يترتب عليه من قبول أو لوم أو فتور في العلاقة.
في هذا المناخ، اختلط علينا أحياناً أثر الرقابة الاجتماعية بأثر العقل؛ فرأينا الرجل يضبط كلامه، فحسبنا ضبطه دليلًا على رجاحة مستقرة في نفسه. أما المنصة فقد نقلت قوله إلى جمهور واسع، وفصلته عن كثير من سياقه وعواقبه القريبة. عندها ظهر مقدار ما كان يضبطه حضور الناس، ومقدار ما يضبطه عقل صاحبه. ثم جاءت المنصات، وصار لكل واحد متابعون ومساحة للنشر، وانتقل الكلام من مجلس يعرف الحاضرين إلى جمهور واسع مجهول. عندها رأينا بعض من حسبناهم عقلاء يتحدثون في كل شيء بثقة الخبير، ويطلقون الأحكام قبل التثبت، ويكشفون في الخصومة ما كانت المجاملة الاجتماعية تستره. لم تزرع المنصات هذه الطباع فيهم؛ ببساطة: لقد أزاحت الحواجز التي كانت تحدّ من ظهورها. ولهذا يتساءل بعض الناس اليوم: من أين خرج لنا هؤلاء المجانين، وأين كانوا قبل ذلك؟ والحقيقة أنه لم يتغير شيء لكن الذي كثر هو سهولة الانكشاف، فما كنا نعدّه عقلاً قد يكون في بعض الحالات طبعاً لم يُختبر، أو اندفاعاً لم يجد طريقاً إلى الجمهور.
إذن ما كان ينقصهم إلا فرصة للجنون وقد جاءت. لقد غيرت هذه المنصات شروط الكلام. فصار النشر سريعاً، والجمهور حاضراً، والتفاعل مكافأة فورية. وقد تمنح كثرة الإعجابات صاحب الرأي شعوراً بأن اتساع الصدى دليل على صحة قوله، فيما لا يخبرنا عدد المتفاعلين عن مقدار المعرفة أو جودة النظر.
في هذا المعنى، لخّص أمبرتو إيكو، صاحب «اسم الوردة»، جانباً من التحول بقوله: «إن وسائل التواصل منحت جحافل من البلهاء حق الكلام، وصار لهم الحق نفسه في الكلام الذي يحظى به حائز جائزة نوبل»؛ ثم سمّى ذلك «غزو البلهاء».
كانت ملاحظته عن اتساع المنبر، وعن اختلاط الظهور بالمكانة، لا عن قيمة حق الناس في التعبير فقط.
ويضيء الكاتب البرتغالي «أفونسو كروش» وجهاً آخر من المسألة، فيقول في نص نقل عنه: «لا أستطيع أن أقول عن إنسان إنه طيب، إلا إذا كانت لديه القدرة على فعل الشر ولم يفعل. يجب أن تكون لديك خيارات، لكي تعرف حقاً من أنت»، فالفضيلة إذن تُعرف في موضع القدرة: تظهر نزاهة صاحب المال في تعامله مع المال، وأمانة المرء في حفظ ما ائتمن عليه، ووفاء الصديق عندما تتاح له سبل الخذلان. الاختيار هو الذي يمنح الصفة معناها؛ فالاستقامة التي لم تواجه إغراء تظل احتمالاً جميلاً، حتى يأتي الاختبار. وكذلك العقل. نعرفه في سعة القدرة على الكلام، لا في الصمت وحده؛ في التثبت مع سهولة النشر، وفي ضبط الرأي مع وفرة الجمهور، وفي احترام حدود المعرفة مع إغراء التعليق على كل شيء.
في هذا المناخ، اختلط علينا أحياناً أثر الرقابة الاجتماعية بأثر العقل؛ فرأينا الرجل يضبط كلامه، فحسبنا ضبطه دليلًا على رجاحة مستقرة في نفسه. أما المنصة فقد نقلت قوله إلى جمهور واسع، وفصلته عن كثير من سياقه وعواقبه القريبة. عندها ظهر مقدار ما كان يضبطه حضور الناس، ومقدار ما يضبطه عقل صاحبه. ثم جاءت المنصات، وصار لكل واحد متابعون ومساحة للنشر، وانتقل الكلام من مجلس يعرف الحاضرين إلى جمهور واسع مجهول. عندها رأينا بعض من حسبناهم عقلاء يتحدثون في كل شيء بثقة الخبير، ويطلقون الأحكام قبل التثبت، ويكشفون في الخصومة ما كانت المجاملة الاجتماعية تستره. لم تزرع المنصات هذه الطباع فيهم؛ ببساطة: لقد أزاحت الحواجز التي كانت تحدّ من ظهورها. ولهذا يتساءل بعض الناس اليوم: من أين خرج لنا هؤلاء المجانين، وأين كانوا قبل ذلك؟ والحقيقة أنه لم يتغير شيء لكن الذي كثر هو سهولة الانكشاف، فما كنا نعدّه عقلاً قد يكون في بعض الحالات طبعاً لم يُختبر، أو اندفاعاً لم يجد طريقاً إلى الجمهور.
إذن ما كان ينقصهم إلا فرصة للجنون وقد جاءت. لقد غيرت هذه المنصات شروط الكلام. فصار النشر سريعاً، والجمهور حاضراً، والتفاعل مكافأة فورية. وقد تمنح كثرة الإعجابات صاحب الرأي شعوراً بأن اتساع الصدى دليل على صحة قوله، فيما لا يخبرنا عدد المتفاعلين عن مقدار المعرفة أو جودة النظر.
في هذا المعنى، لخّص أمبرتو إيكو، صاحب «اسم الوردة»، جانباً من التحول بقوله: «إن وسائل التواصل منحت جحافل من البلهاء حق الكلام، وصار لهم الحق نفسه في الكلام الذي يحظى به حائز جائزة نوبل»؛ ثم سمّى ذلك «غزو البلهاء».
كانت ملاحظته عن اتساع المنبر، وعن اختلاط الظهور بالمكانة، لا عن قيمة حق الناس في التعبير فقط.
ويضيء الكاتب البرتغالي «أفونسو كروش» وجهاً آخر من المسألة، فيقول في نص نقل عنه: «لا أستطيع أن أقول عن إنسان إنه طيب، إلا إذا كانت لديه القدرة على فعل الشر ولم يفعل. يجب أن تكون لديك خيارات، لكي تعرف حقاً من أنت»، فالفضيلة إذن تُعرف في موضع القدرة: تظهر نزاهة صاحب المال في تعامله مع المال، وأمانة المرء في حفظ ما ائتمن عليه، ووفاء الصديق عندما تتاح له سبل الخذلان. الاختيار هو الذي يمنح الصفة معناها؛ فالاستقامة التي لم تواجه إغراء تظل احتمالاً جميلاً، حتى يأتي الاختبار. وكذلك العقل. نعرفه في سعة القدرة على الكلام، لا في الصمت وحده؛ في التثبت مع سهولة النشر، وفي ضبط الرأي مع وفرة الجمهور، وفي احترام حدود المعرفة مع إغراء التعليق على كل شيء.