محمد فايع

حين يموت أديب من الأدباء فكأنما سقطت ورقة من شجرة الثقافة، ولكن حين يرحل أديب كان ذاكرة مدينة، فإنك تشعر أن غابة من الحكايات تنحني حزنًا، وأوراقًا كثيرة تطوى، وكتبًا على الرفوف تلقى وستبقى لفترة من الزمن بعيدًا عن الأيدي بسبب صدمة الوداع، وستبقى الذاكرة مثقلة بوجع الفقد إلى حين تجددها همسات الحنين والشوق.

لم أكن لأصدق أن وعدنا أن نلتقي في أحد «أصياف أبها» في ركنه الثقافي «الخليلية» بسبب وجودي بمدينة الرياض لن يتم وسيكون الموت أسرع مني إلى لقاء «الأستاذ أنور».

اليوم ودّعت أبها عاشقها الأديب أنور بن محمد خليل، الرجل الذي لم يكن يكتب عن المدينة، بل عن أبها العشق؛ كتبها يستنطق حجارتها، ويستعيد وجوه الراحلين، وينفض غبار السنين عن حكايات كادت تضيع.

كان أنور مكتبة تمشي على قدمين، وأرشيفًا تنبض أوراقه بالحياة، ومؤرخًا يحرس ذاكرة عسير من النسيان «صورًا ومقالات ووثائق» ترأس نادي أبها الأدبي، وأعاد للحكايات القديمة أصواتها، وفتح «صالون الخليلية» ليكون ملتقى للمثقفين، وجعل من بيته متحفًا للصور والوثائق والذكريات.

ولعل أكثر ما يوجع القلب أن تصحو أبها ذات صباح من الصباحات، فتبحث عمّن كان يغنيها عبر «خليليته ومقالاته» فلا تجده؛ تناديه أزقتها وحاراتها، وتفتقده مجالسها، ويسأل عنه الريحان والضباب وجبل ذرة وسوق الثلاثاء، فلا يجيبها سوى الصمت الحزين.

كان يقول بحسرة العاشق عندما يأتي الحديث عن أبها «هذه لم تعد أبها التي أعرفها» وها هي أبها اليوم تخشى أن تصبح المدينة التي لا تجد أنور الذي يعرفها.

سلامٌ على ذاكرة أحبّت المكان، عشقت أبها حتى صارت جزءًا منه ومنها، وعلى قلمٍ سيبقى حاضرًا كلما استيقظ الحنين، رحمك الله يا أنور يا أبا بندر، وجعل ما حفظته من تاريخ «أبها البهية» وأهلها الطيبين شاهدًا لك، لا عليك.