نزهة عمور

نزهة عمّور

عندما صدر كتاب «الحريم السياسي: النبي والنساء» لفاطمة المرنيسي (1940 - 2015) لم يكن مجرد إسهام جديد في النقاش حول المرأة في الإسلام، بل مثّل لحظة فكرية فارقة في مسار الفكر العربي الإسلامي المعاصر. فبعد ما يقرب من أربعين سنة على صدوره، لا يزال الكتاب حاضرا في النقاشات الأكاديمية والثقافية، لا بسبب موضوعه فحسب، بل للطريقة التي تناول بها هذا الموضوع. فقد حولت المرنيسي سؤال المرأة من قضية اجتماعية أو حقوقية إلى مدخل لإعادة قراءة التراث نفسه، وربطت بين وضع النساء وآليات إنتاج المعرفة والسلطة والتأويل.

ولفهم هذه النقلة، لا بد من وضع المرنيسي داخل سياق فكري أوسع. فقد عرف المغرب والعالم العربي، منذ سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، حركة مهمة لإعادة النظر في التراث. انشغل عبد الله العروي بسؤال التاريخانية والوعي التاريخي، وطرح محمد عابد الجابري، في «نحن والتراث»، إمكان قراءة معاصرة لتراثنا الفلسفي تقوم على مساءلة الموروث بدل الاكتفاء بتقديسه أو رفضه. كما قدّم عبد الكبير الخطيبي مفهوم النقد المزدوج، بوصفه موقفاً نقديّاً من التراث ومن الحداثة معاً. ويمكن أن نضيف إلى هذا السياق علي أومليل، بما أثاره في خطابه الفكري من أسئلة حول علاقة التراث بالسلطة، وحول موقع المثقف داخل البنى السياسية والثقافية. وفي الفضاء العربي الأوسع، دعا محمد أركون، في «من أجل نقد العقل الإسلامي»، إلى قراءةٍ تاريخية ونقدية للتراث الإسلامي تَكشف ما ظل مُستبعَداً أو غير مفكَّر فيه داخل التقليد الديني. وقد اشتركت هذه المشروعات، على اختلافها، في قناعة مفادها أن النهضة لا تتحقق من دون مُساءلة الموروث الثقافي والتاريخي. غير أن المرنيسي اختارت مدخلاً مُختلفاً: مكانة المرأة في التاريخ الإسلامي، وهو مدخل قادها سريعاً إلى قلب قضايا السلطة والمعرفة والتأويل.

من جهة أخرى، لم تكن المرنيسي أول من طرح سؤال المرأة في الفكر العربي الحديث. فمنذ مطلع القرن العشرين، خاضت أجيال من الكاتبات والمصلحين والمُناضلات هذه المعركة. ففي مصر، ارتبط اسم قاسم أمين بمطلب تعليم النساء وإصلاح أوضاعهن داخل مشروع النهضة. كما رفعت هدى شعراوي ودريّة شفيق مطلب تحرُّر المرأة في إطار حركة اجتماعية وسياسية واسعة، تمحورت حول التعليم والحجاب والحق في المشاركة العامة. وفي تونس، مَثّل الطاهر الحدّاد، في «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، محطة مبكرة ومهمة في الدفاع عن تعليم المرأة وحقوقها، وفي ربط إصلاح وضع النساء بإصلاح المجتمع ككلّ؛ ثم جاءت نوال السعداوي بنقد أكثر جذريّة للبنى الاجتماعية والثقافية التي تنتج التمييز ضد النساء، مُستعينة بأدوات الطب والأدب والتحليل النفسي والاجتماعي.

غير أن ما يُميِّز المرنيسي عن هذا المسار أنها لم تكتفِ بالدفاع عن حقوق المرأة، ولم تُقارِب التراث من خارجه لإدانته، كما لم تُدافع عنه دفاعاً اعتذاريّاً، بل دخلت إلى النصوص المؤسِّسة نفسها، مُستعملةً أدوات البحث التاريخي والسوسيولوجي وتحليل السلطة. وبذلك نَقلتِ السؤالَ من مستوى المُطالَبة بالحقوق إلى مستوىً أعمق: كيف أُنتجت المعرفة حول المرأة؟ ومن امتلك سلطة التأويل؟ وكيف تحوّلت بعض القراءات التاريخية إلى سلطة دينية واجتماعية مُلزِمة؟ لقد كان هذا الانتقال مهمّاً لأنه جعل قضية المرأة جزءاً من بنية التفكير في التراث، لا مجرد ملف اجتماعي منفصل عنه.

وأشهر تطبيق لذلك قراءتها لحديث أبي بكرة: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»؛ فقد عادتْ إلى سيرة الراوي، وإلى ظروف الرواية، وإلى السياق السياسي الذي استُدعي فيه الحديث، بدل التعامل معه كحُكمٍ جاهز ونهائي. وبهذه المُقارَبة، لم تكُن المرنيسي تنفي التراث أو ترفضه، بل كانت تطالب بحق مساءلته من داخله، والكشف عن المسافة بين النص، من جهة، والتاريخ البشري الذي أحاط بتفسيره وتداوله، من جهةٍ أخرى. هنا بالذات تكمن قوة كتابها: لقد أزاحت السؤال من: «ماذا قيل عن المرأة؟»إلى «كيف قيل؟ ولماذا قيل؟» و«من استفاد من هذا القول؟».

المرأة شريكة في إنتاج المعرفة وتأويلها

لقد أَدركت المرنيسي أن وضْع المرأة لا يُفهم بدراسة أوضاع النساء وحدها، لأن كل مجتمع يُنتِج صورة معينة عنها ترتبط بتصوّراتِه الأوسع عن السلطة والأخلاق والعائلة والدين. ولذلك انتقلت من وصف أوضاع النساء إلى تحليل الخطابات التي شكّلت تلك الأوضاع. ومن أبرز المفاهيم التي أعادتِ النّظر فيها مفهوم «الحريم» نفسه. فالحريم، في قراءتها، ليس مجرّد فضاء منزلي مُغلَق لعزْلِ النساء، بل هو بنية سياسية وثقافية ترسم الحدود بين العام والخاص، وبين مَن يحقّ لهم الكلام وصناعة القرار، ومن يُدفعون إلى الهامش. وبهذا المعنى لم يَعُد الحريم مكاناً فقط، بل أصبح طريقة في تنظيم السلطة والرموز والعلاقات الاجتماعية.

أمّا على مستوى المنهج، فقد بَنَتِ المرنيسي جِسراً بين عالَمَيْن كثيراً ما جرى الفصل بينهما: عالَم العلوم الاجتماعية الحديثة، وعالَم النصوص التراثية. فقد استعانت بأدوات السوسيولوجيا والتاريخ الاجتماعي وتحليل السلطة، لكنّها لم تكتفِ بالنظر إلى الدين من الخارج، بل دخلت إلى الروايات والسِّيَر والتراجم لتفهم الظروف التي أنتجتها. وهكذا نَقلتِ النقاش من سؤال «ماذا يقول النص؟» إلى سؤال «كيف فُهِم النصّ؟ ومن فَهمه؟ وفي أيّ سياق؟ ولمصلحة أي سلطة؟». وهذا التحوُّل هو ما منح عَملَها قيمةً معرفيّة تتجاوز حدود الدفاع عن النساء، لتجْعَلَهُ إسهاماً في نقْدِ آليّات إنتاج المعنى داخل الثقافة الإسلامية.

ولهذا عادتِ المرنيسي إلى المرحلة الأولى من الإسلام، وتوقفت عند شخصيات نسائية اضطلعت بأدوار بارزة في المجال العام، مثل عائشة وأم سلمة وغيرهما. ولم يكن هدفها تمجيد الماضي أو البحث عن نماذج مثالية، بل إظهار أن حضور المرأة في الفضاء العام لم يكُن غريباً عن التجربة الإسلامية المبكرة، وأنّ كثيراً من التصوُّرات اللّاحقة كان نِتاجَ ظروف تاريخية وسياسية محدَّدة، لا تعبيراً عن جوهر الرسالة. ومن هنا جاءت إحدى الأفكار المركزية للكتاب: التمييز بين الإسلام بوصفه رسالة دينية وأخلاقية، والتاريخ الإسلامي بوصفه تجربةً بشريّة خَضعت للصراعات وموازين القوّة. وهذا التمييز فتح إمكاناً ثالثاً بين التقديس المطلق والرفض المطلق، أي إمكان الحوار النقدي مع التراث.

ومن هذه الزاوية، يُمكن القول إنّ «الحريم السياسي» كان من الكتب التي مَهّدت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لبروز ما سيُعرَف لاحقاً بالنسوية الإسلامية، أي ذلك الاتجاه الذي لا يرى تعارُضاً ضرورياً بين المرجعية الإسلامية ومَطلب المساواة والعدالة للنساء، بل يَعتبر أنّ المشكلة تكمن في القراءات الذكورية والسلطوية للنصوص، لا في الرسالة الدينية ذاتها. لقد مَنحت المرنيسي لهذا الاتجاه أحد أُسُسِه المنهجية: العودة إلى النصوص المؤسِّسة، مُساءَلة تاريخ التأويل، والكشْف عن أَثَرِ السلطة في إنتاج المعنى الديني. ومن هنا جاءت أهمية الكتاب لا باعتباره جواباً نهائيّاً، بل باعتباره فَتحاً لمساحةٍ معرفية جديدة.

وقد ظهر أَثَر هذا التحوُّل في أعمال باحثات ومُفكرات جِئْنَ بَعدها، في المغرب وتونس والفضاء الإسلامي الأوسع. ففي المغرب، واصَلت" أسماء المرابط" الاشتغال على قضايا المرأة والقرآن والعدالة من داخل المرجعية الإسلامية، مُحاوِلَةً التمييز بين النص القرآني والقراءات الفقهية التي تراكمت حوله. وفي تونس، قدَّمت ألفة يوسف قراءات جريئة للنصوص المؤسِّسة وللتراث الفقهي. كما أَسهمت آمال قرامي، في أعمالها حول الاختلاف والجندر في الثقافة العربية الإسلامية، في تطوير نقاش أكاديمي حول النَّوع الاجتماعي والدين والسلطة. وفي العالم الإسلامي الأوسع، بَرزت أسماءٌ مِثل آمنة ودود، ورفعت حسن، وأسماء برلاس، وليلى أحمد، وعزيزة الهبري، ممَّن اشتغلْنَ، بطُرُقٍ مُختلفة، على إعادة قراءة النصوص الدينية من منظور يربط بين الإيمان والعدل والمساواة. تَختلف هذه التجارب في مرجعيّاتها ونتائجها، لكنّها تلتقي في فكرة مركزية: أن المرأة ليست مجرّد موضوع للمعرفة الدينية أو الاجتماعية، بل هي شريكة في إنتاج هذه المعرفة وتأويلها.

الاعتراف الأفضل بها

ومع ذلك، لا ينبغي النَّظر إلى «الحريم السياسي» باعتباره نصّاً نهائيّاً خالياً من الثغرات. فقد تعرَّضت بعضُ أطروحاته لانتقادات، بخاصّة من المُختصّين في علوم الحديث والفقه، الذين اعترَض بعضُهم على قراءاته للمصادر واستنتاجاته التاريخية. ورأى آخرون أن المرنيسي، بوصفها عالمة اجتماع، دَخلت حقلاً تخصّصيّاً دقيقاً له أدواته وقواعده. غير أن هذا الاعتراض نفسه يُمكن أن يُقرأ من زاويةٍ أخرى: فموقعها المُزدوج، بين السوسيولوجيا وعلوم النصّ، هو بالضبط ما مَنح عملها طرافتَه وقُدرتَه على إثارة أسئلة لم يَكُن المُختصون أنفسهم يطرحونها دائماً. فالقيمة الكبرى للكتاب لا تكمن في أنّه أَغلق النقاش، بل في أنّه زحْزَح حدودَه ووسَّع مجالَه.

بعد أربعة عقود تقريباً، لا تزال أسئلة الكتاب حاضرة بقوة: مَن يَملك حقَّ تفسير النصوص المؤسِّسة للمجتمع؟

كيف تتشكّل السلطة المعرفية؟ وهل يُمكن بناء علاقة مع التراث تقوم على الفهم والحوار، لا على التقديس الجامد أو على القطيعة العنيفة؟

لقد فهمتِ المرنيسي أنَّ قضيّة المرأة ليست قضية حقوق فحسب، بل قضية معرفة أيضاً؛ فحيث تحتكر سلطة مُغلقة التأويل، يَحضر خطرُ الإقصاء، وحين يُصبح تفسير النصوص حكراً على فئةٍ واحدة، تتحوَّل المعرفة إلى أداةِ هَيْمَنة بدلَ أن تكون مجالاً للحوار. لذلك فإن أهمية «الحريم السياسي» تَتجاوز موضوعه المباشر: فهو دعوةٌ إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالتراث وبالمعرفة وبالسلطة، ونْقلٌ للنقاش من تلقّي الموروث إلى المُشارَكة في قراءته وتأويله، لا بهدفِ هدْمه، بل بإعادة اكتشافه باعتباره إرثاً حيّاً قابلاً للتجدُّد.

لهذا يبقى الكتاب حيّاً، لا لأنه كتابٌ مريح، بل لأنّه طرح أسئلة غير مريحة في زمن كان فيه الاقتراب من علاقة المرأة بالنصّ والسلطة مُغامَرة فكرية حقيقية.

وعموماً، فإن الأعمال التي تبقى ليست تلك التي تُقدِّم أجوبةً نهائيّة، بل تلك التي تَمنحنا أسئلةً جديدة، وتَدفعنا إلى التفكير من جديد في المسلّمات التي ورثناها. ومن هنا فإن أفضل اعتراف بفاطمة المرنيسي اليوم ليس الاتّفاق مع كل أطروحاتها أو الاختلاف معها، وإنّما مُواصَلة التقليد الذي رسَّخَتْهُ: تقليد السؤال الحرّ، والنقد المسؤول، والثقة في قدرة العقل على إعادة قراءة تراثه من دون خوفٍ ومن دونِ تبعيّة.

*باحثة في علم الاجتماع - المغرب

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.