محمد السعيدي

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا في تصريحات شيخ الأزهر نفسه، وفي خطابات عدد من المنتسبين إلى المؤسسة، وفي المواقف التي اتخذتها في مؤتمراتها وبياناتها، وفي مساعي التقريب بين السنة والشيعة.

ومن هنا فإن تقويم هذه المرحلة لا يستقيم بمجرد استعراض التصريحات المتفرقة، بل يحتاج إلى النظر في سياقها، ومقارنة ما صدر عن شيخ الأزهر بما صدر عن رموز المؤسسة، ثم فحص مدى التوافق بين الخطاب الرسمي المعلن وبين الممارسات التي أثارت اعتراض التيار السلفي. كما ينبغي التفريق بين ما ثبت وقوعه، وما يمكن استنتاجه منه، وما يبقى حكمًا نقديًّا يحتاج إلى مزيد من الأدلة.

أولًا: المواجهة المبكرة مع السلفية وتصنيفها في خطاب شيخ الأزهر

من أوضح الشواهد على طبيعة الخطاب الذي استُقبل به التيار السلفي في بداية عهد أحمد الطيب ما نشرته بوابة الأهرام في 1432/04/30هـ 2011/04/04، ناقلةً عن شيخ الأزهر قوله إن «السلفيين الجدد هم خوارج العصر»، وذلك في سياق انتقاده موقفهم من الأضرحة والمقامات، وتحذيره مما وصفه بمخطط لاختطاف الفكر والمنهج الأزهري.

وفي التصريح نفسه قرر الطيب أن عقيدة الأزهر هي عقيدة الأشعري والماتريدي، وأن فقهه قائم على المذاهب الأربعة، وأن تصوفه هو تصوف الإمام الجنيد، مؤكدًا محافظة المؤسسة على ما وصفه بالتصوف الصحيح.

ومع علمي بأن الأشعرية حاضرة في الأزهر وفي مناهجه بشكل كبير، إلا أنني لم أجد فيما يتاح لي من وثائق أحدا من شيوخ الأزهر تبنى نسبته إلى المذهب الأشعري كما فعل الشيخ أحمد الطيب.

كما أن قوله: إن تصوف الأزهر هو تصوف الإمام الجنيد، يحتاج كذلك إلى مناقشة تطبيقية، لا إلى الاكتفاء بالانتساب اللفظي؛ فتصوف الجنيد، كما يظهر في كتب الزهد والسلوك المنسوبة إلى مدرسته، يقوم على التزام الكتاب والسنة، وتعظيم التوحيد، ومجاهدة النفس، ورفض الغلو في الأشخاص، وعدم تحويل القبور والمقامات إلى مواضع دعاء واستغاثة بغير الله.

وكذلك رأينا الحشد الكبير الذي ظهر عند مقام البدوي بمشاركة وزير الأوقاف وعلي جمعة، وهما ينتسبان إلى الأزهر، بل وينسبان كثيرًا من توجهاتها إليه، فإذا كان شيخ الأزهر يخالف ما صدر عنهما أو يخالف الممارسات التي رافقت ذلك الحشد، فلماذا لم يصدر الأزهر بيانًا واضحًا يحدد موقفه العقدي والشرعي منها؟

وإذا كان يوافقهما، فكيف ينسجم ذلك مع الانتساب إلى تصوف الجنيد الذي يُفترض أن يكون أكثر تحفظًا في مسائل القبور والاستغاثة بها؟

إن غياب البيان الرسمي في مثل هذه الوقائع يترك المجال واسعًا للتأويل، ويجعل الحديث عن «التصوف الصحيح» بحاجة إلى تحديد عملي يبيّن ما يقبله الأزهر وما يرفضه، لا مجرد نسبة عامة إلى الإمام الجنيد.

أما وصف السلفيين الجدد بأنهم خوارج العصر، فلا يصح أن يُفهم منه أن كل من انتسب إلى السلفية داخل في الخوارج أو في التكفير والعنف. فالتكفيريون ليسوا هم السلفيين، وإن وافق بعضهم السلفيين في بعض مصادر التلقي أو في رفع شعار الكتاب والسنة؛ إذ يخطئون في فهم النصوص وتنزيلها، ولا يحملونها على ما حملها عليه السلفيون ومشايخ السلفية المعروفون. ومن أبرز هؤلاء كبار علماء المملكة العربية السعودية، ومن وافقهم من العلماء والدعاة، مثل الشيخ مصطفى العدوي، والشيخ محمد حسان، والشيخ ياسر برهامي والشيخ محمد إسماعيل المقدم، وغيرهم.

وعليه، فإن الخلط بين السلفية الحقة التي تؤكد التوحيد والاتباع وتحذر من التكفير والخروج، وبين الجماعات التكفيرية التي تتبنى العنف أو تستحل الدماء، من العسير اعتباره خطأ علميًا ومنهجيًا، في زمن تسهل فيه المعرفة بشكل كبير، لا سيما لرجل كأحمد الطيب؛ وكان من المتعين عليه أن يحدد الجماعة أو الاتجاه الذي يقصده، وأن يبيّن أوجه موافقته للخوارج، بدل إطلاق الوصف على نحو يشمل عموم السلفيين.

ثانيًا: تصريحات أحمد كريمة وغيره ومشكلة الخطاب الصادر عن المنتسبين إلى المؤسسة

يحتل الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، موقعًا مهمًّا في دراسة هذه القضية؛ بسبب تصريحاته المتكررة المنتقدة للسلفية، واتساع نطاق تناوله لرموزها وعقيدتها وعلاقتها بالأزهر.

ومن أبرز تصريحاته ما نقلته صحيفة «اليوم السابع» في الأول من يناير 2016، من أن السلفيين يعتبرون عقيدة الأزهر خروجًا عن الملة، وأنه لا بد من «تحجيمهم». وجاء ذلك في سياق اتهامه التيار السلفي بالتكفير والمراوغة في التعامل مع المذهب الأشعري.

وهذا التصريح يتضمن تعميمًا خطيرًا؛ إذ لا يصح نسبة القول بخروج عقيدة الأزهر عن الملة إلى السلفيين دون نقل موثق عن علماء سلفيين معتبرين يقررون ذلك صراحة. كما أن الخلاف بين السلفيين والأشاعرة في مسائل الصفات والتوحيد لا يساوي بالضرورة الحكم على المخالف بالكفر أو إخراجه من الإسلام.

ولا يقتصر الأمر على أحمد كريمة؛ فقد صدرت تصريحات عدوانية تجاه السلفية عن شخصيات أخرى مرتبطة بالمشهد الديني الرسمي أو المؤثر فيه. ومن ذلك ما نُسب إلى وزير الأوقاف السابق محمد مختار جمعة من تصريحات تضع السلفية في سياق التطرف أو تربطها بخطاب التشدد، مع أن الوزارة تتحدث في كثير من الأحيان باسم الخطاب الديني الرسمي وتؤثر في صورة التيارات الإسلامية لدى الجمهور. كما صدرت عن الدكتور علي جمعة تصريحات متكررة ينتقد فيها السلفيين، ويصفهم بأوصاف عامة، ويربطهم أحيانًا بالتشدد أو الجمود، فضلًا عن مواقفه من بعض رموز السلفية ومن مسائل التوحيد والقبور. ويمكن أن يضاف إلى ذلك ما صدر عن بعض مسؤولي المؤسسات الدينية والإعلاميين المحسوبين على الخطاب الأزهري من تصوير السلفية باعتبارها أصلًا للتكفير أو العنف.

ولا بد هنا من التمييز بين نقد أفكار محددة وبين إطلاق أوصاف عامة على تيار واسع. فالسلفية الحقة ليست تنظيمًا، ولا يصح تحميلها مسؤولية كل جماعة رفعت شعار السلف أو السنة ثم خالفت منهج العلماء في فهم النصوص، أو تبنت التكفير والعنف. كما أن مشايخ السلفية المعروفين، ومنهم كبار علماء السعودية ومصطفى العدوي ومحمد حسان ومحمد إسماعيل وغيرهم، أعلنوا في مواضع متعددة رفض التكفير بغير حق، ورفض الخروج المسلح، والتحذير من الجماعات التي تستحل الدماء.

وهنا تبرز قضية مؤسسية تستحق البحث: هل كان الأزهر يتعامل مع هذه التصريحات بوصفها اجتهادات فردية، أم أنها كانت تنسجم مع اتجاه أوسع داخل المؤسسة؟ وهل كانت ردود المؤسسة، حين تصدر، كافية في بيان الموقف العلمي من هذه الاتهامات؟

لكن الإنصاف يقتضي إثبات واقعة مهمة: لم تترك جامعة الأزهر تصريحات كريمة كلها بلا اعتراض؛ فقد أصدرت في سبتمبر 2016 بيانًا رفضت فيه استغلال اسم المؤسسة أو الزج بها في آرائه السياسية والفقهية، ووصفت مواقفه بأنها آراء شخصية لا تعبّر عن الجامعة. كما نقلت وسائل إعلام عن الجامعة إحالة كريمة إلى التحقيق في نوفمبر 2016 على خلفية تصريحات صحفية؛ لكن ذلك لا يعني الانتصار للسلفية إذ قد صدرت من كريمة تصريحات كثيرة تتعلق بالغناء، والتمثيل بجميع أشكاله، وبحجاب المرأة، وقراءة القرآن ودخول اليهود والنصارى الجنة، وغير ذلك من الأمور التي نحسِب أن الأزهر لا يختلف مع السلفيين في أكثرها.

كذلك لم يستنكر الأزهر تلك التصريحات العدوانية التي صدرت عن وزير الأوقاف أو من علي جمعة أو من غيرهما من الشخصيات المؤثرة في الخطاب الديني الرسمي، فإذا كان معيار المؤسسة هو رفض استغلال اسم الأزهر في مهاجمة التيارات الإسلامية، فإنها لم تُفَعِّل ذلك المعيار فتُصْدِر بيانات ضد التصريحات التي عممت الاتهام على السلفيين أو ربطتهم بالتكفير والعنف؛ ولم تفرق بين السلفية الحقة والجماعات التكفيرية.

غياب موقف مؤسسي واضح من هذه التصريحات، مع سرعة التبرؤ من بعض تصريحات كريمة، يوحي بازدواجية في تطبيق معيار الانضباط الخطابي، إذ إن تصريحات الوزير فيما يتعلق بوحدة الأديان وأشياء لا يرضاها الأزهر لا تختلف عما صرح به كريمة.

وللحديث بقية..