باسم آل خزعل

في كواليس الحياة، ثمة أمور تستحق منا وقفة تأمل، وتدعونا إلى التريث قبل الكلام، وإدراك أن ليس كل ما يحدث للآخرين شأنا لنا، ولا كل ما نجهله من تفاصيل حياتهم يستوجب السؤال.

يسافر شخص، فيتساءل البعض، «سافر وما قال لنا» ويشتري آخر سيارة، فيبدأ الفضول، كاش أو أقساط.. ويشتري ثالث منزلا، فتكثر الأسئلة عن ظروفه وقدرته المالية، وكأن هؤلاء كانوا على استعداد لتحمل تكاليف سفره، أو سداد أقساط سيارته، أو مساعدته في شراء بيته.

وإذا خطب أو تزوج أحد أبنائه دون أن يخبرهم، عاتبوه وكأنه ارتكب تقصيرا في حقهم، مع أن حياته وقراراته الشخصية ليست ملزمة بأن تمر على الجميع قبل أن يتخذها.

الأعجب أن بعض الناس لا يكتفون بمعرفة الأخبار العامة، بل يسعون إلى تفاصيل الحياة الخاصة، فيبدؤون بالسؤال أين تعمل؟ وكم راتبك؟ وأين يدرس أبناؤك؟ وكم بقي لهم حتى التخرج؟ أسئلة تتوالى بدافع الفضول، لا لحاجة حقيقية ولا لمساعدة منتظرة.

حين يأتي الدور لتسألهم عن شؤونهم، تجدهم يتجنبون الإجابة بمهارة، وكأن الخصوصية حق لهم وحدهم، بينما خصوصيات الآخرين مجال مفتوح للاستفسار.

هنا تكمن المفارقة، نطالب الناس باحترام مساحتنا الخاصة، ثم لا نتردد في تجاوز المساحات التي تخصهم.

السؤال عن الآخرين ليس عيبا في ذاته، ما دام نابعا من محبة صادقة ورغبة في الاطمئنان، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاهتمام إلى فضول، والسؤال إلى تدخل، ومعرفة الأخبار إلى حق نطالب به دون أن يكون لنا فيه حق.

ليس كل من لم يخبرك بتفاصيل حياته يتعمد تجاهلك، وليس كل ما يحتفظ به لنفسه سرا يخفيه عنك. قد تكون له أسبابه، وقد يرى أن بعض الأمور لا تستدعي الحديث، وهذا حقه الذي ينبغي احترامه دون عتاب أو تأويل.

من جميل الأخلاق أن نفرح للآخرين دون أن نفتش في تفاصيل أفراحهم، وأن نبارك لهم أرزاقهم دون أن نحقق في مصادرها، وأن نتمنى لهم الخير دون أن نطالبهم بتفسير قراراتهم.

إذا علمت أن شخصا سافر، فتمنّ له رحلة سعيدة. وإن اشترى منزلا أو سيارة، فبارك له فيما رزقه الله. وإن أقبل على الزواج، فادعُ له بالتوفيق. فالمحبة الصادقة لا تحتاج إلى معرفة كل التفاصيل، ولا تُقاس بمدى اطلاعنا على حياة الآخرين.

العمر أثمن من أن يُستهلك في تتبع أخبار الناس، والوقت أحق بأن يُصرف فيما ينفعنا وينفع من حولنا. فلنشغل أنفسنا بإصلاح عيوبنا، ورعاية شؤوننا، وتطوير قدراتنا، والإكثار من ذكر الله، بدلا من مراقبة تفاصيل لم نُكلَّف بمعرفتها.

افرح لغيرك، واحترم خصوصيته، ولا تسأل عن أمر لم يختر أن يخبرك به. فكما تحب أن يحتفظ الآخرون لك بمساحتك الخاصة، امنحهم المساحة ذاتها.

فلنترك للناس حياتهم، ولأنفسنا راحة البال، فما أجمل أن نعيش بقلوب صافية، وألسنة طيبة، ونفوس لا تنشغل إلا بما يعنيها، سائلين الله أن يبارك لنا وللآخرين فيما رزقنا ورزقهم.