في أيام الجائحة، حملتُ إلى رجل أعمال شفاعة مجموعة من رواد الأعمال الشباب، رجالاً ونساء، أثقلت خسائر مشروعاتهم كاهلهم، وأصبحت أجرة الصالات عبئاً يهدد استمرارهم. عرّفته بنفسي، وشرحت له أحوالهم، ورجوت أن يمهلهم أو يخفف عنهم شيئاً من الإيجار. طال انتظار الرد، ثم جاء معتذراً عن التخفيض، متمسكاً بالأجرة كاملة. أبلغت أصحاب المشروعات أن الأمر قضي، وانتهت الحكاية عند ذلك الحد. ثم رأيت الرجل نفسه يملأ وسائل التواصل حضوراً وعطاء؛ مشاهد متتابعة لتوزيع المال بسخاء على المؤثرين والمشاهير، في فضاء تحيط به الكاميرات، وتتلقفه المنصات. اجتمعت الصورتان في الذاكرة، فاستوقفني التفاوت بين مشهدين للعطاء: عطاء تتناقله المنصات، وحاجة قريبة انتهت شفاعتي فيها إلى الاعتذار عن التخفيض. ومن هذا التفاوت نشأ سؤال المقال: ما الذي تكشفه صور العطاء عن صلة الفعل بباعثه؟ تبقى نية الرجل إلى الله؛ فقد يكون عطاؤه الظاهر صادقاً خالصاً، وقد تختلط بواعث العطاء في نفس الإنسان على نحو لا يعلمه إلا الله.
وما أتناوله هنا هو أثر المشهدين في نفسي، والسؤال الذي أثارته المجاورة بينهما: كيف تتشكل قيمة المواقف في علاقتها بباعثها؟ هنا يبدأ امتحان المروءة:
أن يختار المرء الخير بعد أن يغيب عنه عائده من الثناء والمكانة، وأن يؤدي الحق لأن له قيمة في ذاته، لا لأن أداءه يضيف إلى صورته في أعين الناس.
ولهذا جعل أهل السلوك مدار العمل على التجرد وصفاء النية من اختلاط الدوافع؛ فيستوي الخير في نفس صاحبه مع خفائه، ويظل الفعل عزيزاً عليه بعد انطفاء فرص الذكر. عندها يصبح الصدق منهجاً، وتغدو المروءة اختياراً حراً يصدر عن قيمة استقرت في النفس.
وفي التقوى، تبلغ الخلوة منزلة المحك الذي يظهر فيه صدق التوجه وخشية القلب؛ لأن في الخلوة انفكاكاً تاماً عن أي مؤثر من خارج النفس.
فمثلاً، يكشف موقف نبي الله يوسف، عليه السلام، عن رسوخ المعيار الأخلاقي في الخلوة؛ فقد أحاطت به أسباب الفتنة، وغابت الرقابة البشرية، وبدا طريق اللذة العاجلة ممهداً، فجاء جوابه: «معاذ الله».
في هذه الكلمة يتجلى قلب استقر فيه الخوف من الله، فغلب نداء الحق إغراء اللحظة. جاءت كلمة يوسف عليه السلام: «معاذ الله» ملاذاً يلوذ به القلب من الفتنة، ويستمد منه الثبات أمام إغراء الخطيئة.
ومثل ذلك حديث الرجل الذي «ذكر الله خالياً ففاضت عيناه»، فيجلي وجهاً بالغ العمق من هذه الفكرة. قد تبدو دمعة الخشية لحظة وجدانية خاطفة، غير أن الحديث يرفع شأنها بإدراج صاحبها في زمرة السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إلى جوار الإمام العادل، والشاب الذي نشأ في عبادة الله، والمتصدق الذي أخفى صدقته، وغيرهم من أصحاب الأعمال الجليلة.
وإنما علت منزلة هذه الدمعة لصدق باعثها؛ خشية من الله ورجاء فيما عنده. ولهذا عظم هذا العمل وارتفع إلى هذه المنزلة؛ فالإخلاص والتجرد إذن هما روح الأعمال وحياتها، ومتى غابا عنها فقدت قيمتها وذهب ريحها، بل عادت وبالاً على صاحبها. ومن هنا نفهم كلمة الإمام سفيان الثوري يوم قال: «البكاء عشرة أجزاء: جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير».
إنها كلمة تنفذ إلى تعقيد الدوافع، وتكشف ندرة الصفاء الخالص؛ فحتى البكاء، وهو أرق مظاهر الخشوع، قد تتداخل فيه بواعث النفس على نحو يخفى على صاحبه.
قد تستدعي الآية في النفس ذكرى حبيب رحل، وقد يفيض الدمع حزناً على حال المرء، أو رحمة بنفسه، أو تأثراً بمن حوله، وقد يبكي لأسباب لا تنتهي.
أما الدمع الذي تصفو وجهته لله، فيبلغ بالعبد غاية الانكسار وذروة الافتقار، ولهذا كانت له هذه المنزلة. وقد قصد سفيان، رحمه الله، تنبيه القلب إلى ضرورة مراجعة باعثه، واستحضار ما يختبئ في العمل من تطلع إلى الاعتراف، وما يتصل بذلك من دوافع خفية. ويمتد هذا التجرد والصفاء إلى تفاصيل الحياة العامة، في سلوكنا ومواقفنا.
فمثلاً، ترى أستاذاً بارعاً في تخصصه ينسب الفضل في معلومة إلى طالب من طلابه، وموظفاً يرد مبلغاً زائداً وصل إليه لأنه يرى أنه لا يستحقه، ولو أخذه لما عرفه أحد، وإنساناً يحفظ عرض غائب ويصون كرامته من غير انتظار شكر أو امتنان.
في هذه الصور دائماً ما يصدر الفعل عن معدن أصيل؛ فيعامل المرء الحق بوصفه قيمة قائمة بذاتها، ويرى النبل مسؤولية أخلاقية تتجاوز حسابات الربح والخسارة. المروءة والنبل والتجرد من حظوظ النفس شواهد على معدن زكي وسريرة صافية. ويستدل على هذا الصفاء من انتظام الاختيارات، ومن استواء العدل مع القريب والبعيد، ومن وفاء المرء بخلقه في المواضع التي تتسع له فيها وجوه المصلحة.
فالسيرة المتكررة تمنحنا أصدق معرفة بمعدن صاحبها. في الكواليس يخفت بريق الصورة، وتظهر حقيقة النفس، ويطل السؤال الأعمق: أي إنسان يكونه المرء في وحدته، بعيداً عن انتظار الاعتراف؟ هناك تلوح معادن الناس على حقيقتها، وتبقى الصور العلنية أقل من أن تكشف وحدها حقيقة البواعث، ويبقى السؤال:
أكان باعثه وجه الله، أم طلب الحضور في المنصة والكاميرا وعيون الشهود؟
وما أتناوله هنا هو أثر المشهدين في نفسي، والسؤال الذي أثارته المجاورة بينهما: كيف تتشكل قيمة المواقف في علاقتها بباعثها؟ هنا يبدأ امتحان المروءة:
أن يختار المرء الخير بعد أن يغيب عنه عائده من الثناء والمكانة، وأن يؤدي الحق لأن له قيمة في ذاته، لا لأن أداءه يضيف إلى صورته في أعين الناس.
ولهذا جعل أهل السلوك مدار العمل على التجرد وصفاء النية من اختلاط الدوافع؛ فيستوي الخير في نفس صاحبه مع خفائه، ويظل الفعل عزيزاً عليه بعد انطفاء فرص الذكر. عندها يصبح الصدق منهجاً، وتغدو المروءة اختياراً حراً يصدر عن قيمة استقرت في النفس.
وفي التقوى، تبلغ الخلوة منزلة المحك الذي يظهر فيه صدق التوجه وخشية القلب؛ لأن في الخلوة انفكاكاً تاماً عن أي مؤثر من خارج النفس.
فمثلاً، يكشف موقف نبي الله يوسف، عليه السلام، عن رسوخ المعيار الأخلاقي في الخلوة؛ فقد أحاطت به أسباب الفتنة، وغابت الرقابة البشرية، وبدا طريق اللذة العاجلة ممهداً، فجاء جوابه: «معاذ الله».
في هذه الكلمة يتجلى قلب استقر فيه الخوف من الله، فغلب نداء الحق إغراء اللحظة. جاءت كلمة يوسف عليه السلام: «معاذ الله» ملاذاً يلوذ به القلب من الفتنة، ويستمد منه الثبات أمام إغراء الخطيئة.
ومثل ذلك حديث الرجل الذي «ذكر الله خالياً ففاضت عيناه»، فيجلي وجهاً بالغ العمق من هذه الفكرة. قد تبدو دمعة الخشية لحظة وجدانية خاطفة، غير أن الحديث يرفع شأنها بإدراج صاحبها في زمرة السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إلى جوار الإمام العادل، والشاب الذي نشأ في عبادة الله، والمتصدق الذي أخفى صدقته، وغيرهم من أصحاب الأعمال الجليلة.
وإنما علت منزلة هذه الدمعة لصدق باعثها؛ خشية من الله ورجاء فيما عنده. ولهذا عظم هذا العمل وارتفع إلى هذه المنزلة؛ فالإخلاص والتجرد إذن هما روح الأعمال وحياتها، ومتى غابا عنها فقدت قيمتها وذهب ريحها، بل عادت وبالاً على صاحبها. ومن هنا نفهم كلمة الإمام سفيان الثوري يوم قال: «البكاء عشرة أجزاء: جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير».
إنها كلمة تنفذ إلى تعقيد الدوافع، وتكشف ندرة الصفاء الخالص؛ فحتى البكاء، وهو أرق مظاهر الخشوع، قد تتداخل فيه بواعث النفس على نحو يخفى على صاحبه.
قد تستدعي الآية في النفس ذكرى حبيب رحل، وقد يفيض الدمع حزناً على حال المرء، أو رحمة بنفسه، أو تأثراً بمن حوله، وقد يبكي لأسباب لا تنتهي.
أما الدمع الذي تصفو وجهته لله، فيبلغ بالعبد غاية الانكسار وذروة الافتقار، ولهذا كانت له هذه المنزلة. وقد قصد سفيان، رحمه الله، تنبيه القلب إلى ضرورة مراجعة باعثه، واستحضار ما يختبئ في العمل من تطلع إلى الاعتراف، وما يتصل بذلك من دوافع خفية. ويمتد هذا التجرد والصفاء إلى تفاصيل الحياة العامة، في سلوكنا ومواقفنا.
فمثلاً، ترى أستاذاً بارعاً في تخصصه ينسب الفضل في معلومة إلى طالب من طلابه، وموظفاً يرد مبلغاً زائداً وصل إليه لأنه يرى أنه لا يستحقه، ولو أخذه لما عرفه أحد، وإنساناً يحفظ عرض غائب ويصون كرامته من غير انتظار شكر أو امتنان.
في هذه الصور دائماً ما يصدر الفعل عن معدن أصيل؛ فيعامل المرء الحق بوصفه قيمة قائمة بذاتها، ويرى النبل مسؤولية أخلاقية تتجاوز حسابات الربح والخسارة. المروءة والنبل والتجرد من حظوظ النفس شواهد على معدن زكي وسريرة صافية. ويستدل على هذا الصفاء من انتظام الاختيارات، ومن استواء العدل مع القريب والبعيد، ومن وفاء المرء بخلقه في المواضع التي تتسع له فيها وجوه المصلحة.
فالسيرة المتكررة تمنحنا أصدق معرفة بمعدن صاحبها. في الكواليس يخفت بريق الصورة، وتظهر حقيقة النفس، ويطل السؤال الأعمق: أي إنسان يكونه المرء في وحدته، بعيداً عن انتظار الاعتراف؟ هناك تلوح معادن الناس على حقيقتها، وتبقى الصور العلنية أقل من أن تكشف وحدها حقيقة البواعث، ويبقى السؤال:
أكان باعثه وجه الله، أم طلب الحضور في المنصة والكاميرا وعيون الشهود؟