نايف السعيدي

قد لا يعرف جيل اليوم «الدكة» التي كانت منتشرة في محافظة حفر الباطن ومعظم مناطق المملكة، في زمن كانت البساطة حاضرة في حياة الناس.

كانت الدكة مكانًا بسيطًا بجانب المنازل، يبنونها من البلك والأسمنت، يفرشونها بالسجاد والمراكي، ويجهّزون فيها القهوة والشاي، ولم تكن تكلّف الكثير من المال، لكنها تجمع الرجال في مجلس واحد. يجتمعون بعد صلاة المغرب، يتبادلون «السوالف» والأخبار، ويتحدثون عن الحلال والربيع والأمطار، ويقضون أوقاتًا ممتعة مع بعضهم.

من الذكريات التي لا أنساها أن والدي، رحمه الله، كانت لديه دكة، وبعد أن ينصرف الرجال إلى منازلهم، كان يضع فرش النوم تحسبًا لقدوم مسافر في وقت متأخر. وفي الصباح، يوقظه من نومه يقدم له الفطور والقهوة والشاي. لم يكن والدي وحده يفعل ذلك، بل كانت من عادات أهل حفر الباطن في ذلك الوقت، حيث كان إكرام الضيف واستضافته من الأمور التي يحرص عليها الجميع.

قبل عصر الهواتف الجوالة، كان المسافر إذا وصل متأخرًا من الليل لا يطرق باب المنزل، بل يذهب إلى أقرب دكة وينام فيها حتى الصباح.

تغيّرت الحياة واختلفت المجالس، ذهبت الدكة مع طيّبيها وعشّاقها، ولم يبقَ منها إلا ذكرياتها الجميلة.