مريم النويمي

نستيقظ أحيانًا وكأن يومنا بدأ قبل أن نفتح أعيننا، مهام تنتظرنا، مواعيد نخشى فواتها، مسؤوليات أسرية، ورسائل وأخبار لا تنتهي، نحاول أن نلحق بكل شيء، ونؤجل راحتنا إلى وقتٍ لا يأتي مع دوامة الحياة، ومع تكرار الأيام، قد يصبح التوتر مألوفًا إلى درجة أننا نظنه جزءًا طبيعيًا من الحياة.

التوتر في أصله استجابة طبيعية للضغوط، يساعدنا أحيانًا على إنجاز مهمة مستعجلة، لأن الجهاز العصبي يكون في حالة استنفار، لكن المشكلة تبدأ حين يطول أمده، وتتراكم أسبابه، أو نشعر بأننا فقدنا القدرة على التعامل معه، عندها قد يظهر في حياتنا اليومية على هيئة قلق وانفعال، أو صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات، أو اضطراب في النوم والشهية. قد يمتد أثره لعلاقاتنا، فنصبح أقل صبرًا، أو نميل إلى العزلة، أو نؤجل أعمالًا كانت تبدو بسيطة. التوتر قد يظهر بأعراض نفسية وجسدية وسلوكية تختلف من شخص لآخر. فقد يعبّر الجسد عن الضغط النفسي بالصداع، تشنجات في العضلات، اضطراب في المعدة، أو تسارع في ضربات القلب، لكن لا ينبغي أن ننسب كل عرض إلى التوتر دون استشارة طبية، فالأعراض الجسدية قد تكون لها أسباب أخرى، ألم الصدر الجديد أو الذي يشتد مع أي مجهود يحتاج إلى تقييم طبي عاجل، كما أن استمرار الأعراض أو تأثيرها في الحياة اليومية يستحق استشارة مختص.

يؤثر التوتر في جودة أدائنا لأنه يستهلك جزءًا من طاقتنا الذهنية والجسدية، قد يظهر أثره في جوانب متعددة، في التفكير والعمل أو الدراسة، يشتت الانتباه، ويصعّب التركيز والتخطيط واتخاذ القرار، وقد يجعلنا أكثر عرضة للنسيان والأخطاء، حين يسيطر التوتر علينا، لا تتأثر كمية ما ننجزه فقط، بل تتأثر أيضًا دقة أدائنا، وهدوؤنا، واستمتاعنا بما نفعله، قد يغير حتى عاداتنا اليومية، فقد يقلل الرغبة في ممارسة الرياضة أو الاهتمام بالنفس، ويجعل المهام المعتادة تبدو أثقل مما هي عليه.

ماذا نستطيع أن نفعل؟ نبدأ بالاعتراف بما يرهقنا بدل أن ننكره، نكتب مصادر الضغط، ثم نفرّق بين ما يمكن تغييره وما يحتاج إلى قبول أو دعم. نجزئ المهام الكبيرة إلى مراحل، نرتب الأولويات، نتعلم أن نعتذر عن بعض الالتزامات حين تتجاوز طاقتنا، وقد يساعدنا الحديث مع شخص نثق به على رؤية الخيارات بشكل أفضل.

نمنح النوم مواعيد منتظمة قدر الإمكان، نتحرك يوميًا ولو لخطوات قليلة، نتناول طعامًا متوازنًا، ونأخذ فواصل قصيرة للتنفس بهدوء. اعتزال الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي قد نحتاجه بين وقت وآخر، خصوصًا عندما يزيد شعورنا بالضغط، هذه الخطوات لا تطمس أسباب التوتر دائمًا، لكنها قد تساعدنا على استعادة بعض التوازن والسيطرة.

طلب المساعدة ليس ضعفًا، فإذا استمر القلق، أو اختل النوم طويلًا، أو تأثرت العلاقات والعمل والقدرة على أداء المهام المعتادة، يجب مراجعة طبيب أو مختص نفسي. فليس مطلوبًا أن نعيش بلا مسؤوليات، لكن من المهم ألا نعتاد الإنهاك حتى نظنه أمرًا طبيعيًا، أحيانًا تكون أول خطوة نحو يوم أهدأ، أن نعترف لأنفسنا، بأننا متعبون ونحتاج للتوقف عن الركض لبرهة.

.