ظننت أنني أختم جولتي مع «الغريب» عند المقال الخامس، ثم وجدت أن بعض ما أثاره الكتاب ظل يطلب نصيبه من الكتابة، ولعل هذه إحدى علامات الكتب التي تستبقي قارئها؛ يفرغ من عرضها، وتظل تعمل في قراءاته وذكرياته، وتعيد إليه معرفة قديمة وقد تغير السؤال الذي يقف به أمامها، وهذا ما صنعه معي كتاب الدكتورة لطيفة الشعلان، خصوصًا في الفصل الرابع الذي وجدتني أعود بسببه إلى إرفين يالوم.
عرفت يالوم قبل «الغريب» بسنوات، وأكاد أكون قرأت كل ما ترجم له إلى العربية، وكانت لي مع كتبه صلة قارئ يجد في تقاطع النفس والفلسفة والأدب مجالًا خصبًا للتأمل، لكن الفصل الرابع أعادني إلى أجزاء من «العلاج النفسي الوجودي» طلبًا لمزيد من الفهم لما تبنيه المؤلفة، فإذا بي أجد في النص الذي أعرفه فيوضًا لم أظفر بها من قبل، وللقراءة الثانية فضلها، غير أن ما فتحه «الغريب» كان أوسع من مجرد تجدد الألفة بكتاب قديم.
كنت أعود إلى يالوم وفي ذهني إنسان له سيرة ورسائل وصحبة واختيارات، وواقعة انتهت إلى جريمة في أقدس الأمكنة، فتغيرت طريقة الإصغاء إلى النظرية؛ صار التفصيل التاريخي يستدعي المفهوم، ثم يعيده إلى الاختبار، وغدت القراءة حركة متصلة بين ما تقوله المعرفة عن الإنسان وما يكشفه الإنسان المعين من تعقيدها، ومن هنا تأتي قيمة الفصل الرابع؛ يمنح القارئ أدوات لمرافقة التحليل، ويعيد بناء صلته بمراجع ربما عرفها طويلًا.
ومن هذه العودة اتسع عندي السؤال عن الوظيفة التي يؤديها الاعتقاد في حياة صاحبه؛ فقد يتقارب الناس فيما يصدقونه ثم تختلف اختياراتهم، بحسب موقعه من مخاوفهم وآمالهم وتصورهم لمسؤوليتهم، واستدعت قراءة المهدوية عند جهيمان شهادة قديمة سمعتها، ووجدتني أعيد النظر في دلالتها.
فقد حدثني، في أواخر عام 1998، أحد القادة التنظيميين البارزين في جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية في السعودية عن حوار مطول أجراه مع شباب قعدوا عن العمل والدعوة وإنكار المنكر في بلد آخر، محتجين بأن المهدي سيأتي فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، فصار انتظار القادم، بحسب روايته، مسوغًا لتعليق مسؤوليتهم في الحاضر، وكان يعرض قصتهم بما يوجه الظن إلى جماعة شكري مصطفى، غير أن طريقته في الحديث تركت لدي احتمالًا بأن ما كان يعده بلاءً قد أصاب بعض أفراد جماعته، وأنه كلف بمناقشتهم.
وكان لهذا الانتظار حضور لدى «جماعة المسلمين»، المعروفة «بالتكفير والهجرة» أو «جماعة شكري مصطفى»، لكن تجربتها تكشف مسارًا أكثر تركيبًا؛ فما نقل من رسالة «التوسمات» تصف الجماعة بأنها «جماعة الحق» و«جماعة الحق في آخر الزمان»، وترجو إدراك عيسى ابن مريم والقيام مقام حوارييه، وينقل اعتقاد أعضائها أن شكري هو المهدي وأن السلطة لن تستطيع قتله، وأن إعدامه يستوجب مراجعة تصوراتهم.
ولهذه الإطلاقات دلالتها؛ «فجماعة المسلمين» تمنح التنظيم دعوى تمثيل الجماعة الدينية، و«جماعة الحق» تحسم موقعه من مخالفيه، أما «جماعة الحق في آخر الزمان» فتمنحه مهمة في خاتمة التاريخ، وتغدو الجماعة، في تصورها لنفسها، مصداقًا للنصوص وصاحبة تكليف قدري مخصوص، وهنا يكتسب الانتماء معنى الاصطفاء، ويتصل مصير الأفراد بالمهمة التي يتوهمون أنهم اختيروا لإنجازها.
ثم أعدم شكري في مارس 1978، قبل اقتحام الحرم بنحو عام وثمانية أشهر، ويذكر عبدالمنعم منيب في «دليل الحركات الإسلامية المصرية»، أن جماعته اتجهت بعد إعدامه وضعفها إلى انتظار المهدي والانضمام إليه، مع ترك العمل السياسي والعسكري واستمرار الدعوة والتربية، وإذا قرأنا الروايتين معًا، انفتح احتمال أن سقوط تعيين المهدي في القائد لم يسقط البناء المهدوي كله، وإنما أعاد توجيهه من يقين الحضور إلى أمل الانتظار.
ويشي بقاء هذا التصور في وصف الجماعة بعد عقود بقوة تتجاوز الاستجابة العابرة للهزيمة، كما تفتح الشهادة التي سمعتها احتمال امتداده إلى أوساط تنظيمية مجاورة، تتقاطع معها في المدن والقرى والنجوع، فالأفكار قد تعبر حدود الجماعات عبر الصحبة والقرابة وتداخل البيئات، ويستحق الحوار الذي يرويه قيادي من خارج البلد البحث في مدى انتشارها، دون أن يكفي وحده لإثبات طريق انتقالها.
وقد لمح محدثي أيضًا إلى نقاشات دارت في أوساط ضيقة بأفغانستان خلال الثمانينيات، تشي بالارتياح إلى التوقف وانتظار المهدي رجاء الالتحاق بجيشه عند ظهوره، ولا أستطيع الجزم بصحة ذلك، وأورده في حدود تلميحه، بوصفه سؤالًا يستحق التتبع.
ويقتضي تناول المهدوية تمييز مفهومها السني من مفهومها لدى الإمامية الاثني عشرية؛ ففي التصور السني المثبت لأحاديثها، المهدي رجل من أهل البيت يظهر آخر الزمان، دون اعتقاد بإمام معين غائب يتولى الإمامة في الحاضر، أما لدى الإمامية فهو محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر، الذي يعتقدون بولادته وبقائه حيًا في غيبته إلى أن يؤذن له بالظهور، ومن ثم يختلف موقع الانتظار وصلته بالإمامة بين التصورين.
ولا يحسم هذا الاختلاف وحده المواقف العملية؛ فجهيمان اندفع إلى السلاح بعدما اعتقد أن المهدي تعين في القحطاني، وأولئك الشباب علقوا الفعل انتظارًا له، وهنا تتجلى قيمة السؤال الذي أعادني إليه «الغريب»: كيف يمنح الاعتقاد صاحبه مهمة، وكيف يتحول عند آخر إلى إعفاء؟ لقد وسعت لطيفة الشعلان معرفتنا بجهيمان، وفتحت معها سبيلًا لإعادة قراءة ما نعرفه عن غيره، ولعل من أجمل أثر المعرفة أن توقظ في مألوفنا ما لم نكن نراه.
الأفكار تعبر الحدود عبر الصحبة وتداخل البيئات، ويستحق الحوار الذي يرويه قيادي من خارج البلد البحث في انتشارها، دون أن يكفي وحده لإثبات طريق انتقالها.
عرفت يالوم قبل «الغريب» بسنوات، وأكاد أكون قرأت كل ما ترجم له إلى العربية، وكانت لي مع كتبه صلة قارئ يجد في تقاطع النفس والفلسفة والأدب مجالًا خصبًا للتأمل، لكن الفصل الرابع أعادني إلى أجزاء من «العلاج النفسي الوجودي» طلبًا لمزيد من الفهم لما تبنيه المؤلفة، فإذا بي أجد في النص الذي أعرفه فيوضًا لم أظفر بها من قبل، وللقراءة الثانية فضلها، غير أن ما فتحه «الغريب» كان أوسع من مجرد تجدد الألفة بكتاب قديم.
كنت أعود إلى يالوم وفي ذهني إنسان له سيرة ورسائل وصحبة واختيارات، وواقعة انتهت إلى جريمة في أقدس الأمكنة، فتغيرت طريقة الإصغاء إلى النظرية؛ صار التفصيل التاريخي يستدعي المفهوم، ثم يعيده إلى الاختبار، وغدت القراءة حركة متصلة بين ما تقوله المعرفة عن الإنسان وما يكشفه الإنسان المعين من تعقيدها، ومن هنا تأتي قيمة الفصل الرابع؛ يمنح القارئ أدوات لمرافقة التحليل، ويعيد بناء صلته بمراجع ربما عرفها طويلًا.
ومن هذه العودة اتسع عندي السؤال عن الوظيفة التي يؤديها الاعتقاد في حياة صاحبه؛ فقد يتقارب الناس فيما يصدقونه ثم تختلف اختياراتهم، بحسب موقعه من مخاوفهم وآمالهم وتصورهم لمسؤوليتهم، واستدعت قراءة المهدوية عند جهيمان شهادة قديمة سمعتها، ووجدتني أعيد النظر في دلالتها.
فقد حدثني، في أواخر عام 1998، أحد القادة التنظيميين البارزين في جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية في السعودية عن حوار مطول أجراه مع شباب قعدوا عن العمل والدعوة وإنكار المنكر في بلد آخر، محتجين بأن المهدي سيأتي فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، فصار انتظار القادم، بحسب روايته، مسوغًا لتعليق مسؤوليتهم في الحاضر، وكان يعرض قصتهم بما يوجه الظن إلى جماعة شكري مصطفى، غير أن طريقته في الحديث تركت لدي احتمالًا بأن ما كان يعده بلاءً قد أصاب بعض أفراد جماعته، وأنه كلف بمناقشتهم.
وكان لهذا الانتظار حضور لدى «جماعة المسلمين»، المعروفة «بالتكفير والهجرة» أو «جماعة شكري مصطفى»، لكن تجربتها تكشف مسارًا أكثر تركيبًا؛ فما نقل من رسالة «التوسمات» تصف الجماعة بأنها «جماعة الحق» و«جماعة الحق في آخر الزمان»، وترجو إدراك عيسى ابن مريم والقيام مقام حوارييه، وينقل اعتقاد أعضائها أن شكري هو المهدي وأن السلطة لن تستطيع قتله، وأن إعدامه يستوجب مراجعة تصوراتهم.
ولهذه الإطلاقات دلالتها؛ «فجماعة المسلمين» تمنح التنظيم دعوى تمثيل الجماعة الدينية، و«جماعة الحق» تحسم موقعه من مخالفيه، أما «جماعة الحق في آخر الزمان» فتمنحه مهمة في خاتمة التاريخ، وتغدو الجماعة، في تصورها لنفسها، مصداقًا للنصوص وصاحبة تكليف قدري مخصوص، وهنا يكتسب الانتماء معنى الاصطفاء، ويتصل مصير الأفراد بالمهمة التي يتوهمون أنهم اختيروا لإنجازها.
ثم أعدم شكري في مارس 1978، قبل اقتحام الحرم بنحو عام وثمانية أشهر، ويذكر عبدالمنعم منيب في «دليل الحركات الإسلامية المصرية»، أن جماعته اتجهت بعد إعدامه وضعفها إلى انتظار المهدي والانضمام إليه، مع ترك العمل السياسي والعسكري واستمرار الدعوة والتربية، وإذا قرأنا الروايتين معًا، انفتح احتمال أن سقوط تعيين المهدي في القائد لم يسقط البناء المهدوي كله، وإنما أعاد توجيهه من يقين الحضور إلى أمل الانتظار.
ويشي بقاء هذا التصور في وصف الجماعة بعد عقود بقوة تتجاوز الاستجابة العابرة للهزيمة، كما تفتح الشهادة التي سمعتها احتمال امتداده إلى أوساط تنظيمية مجاورة، تتقاطع معها في المدن والقرى والنجوع، فالأفكار قد تعبر حدود الجماعات عبر الصحبة والقرابة وتداخل البيئات، ويستحق الحوار الذي يرويه قيادي من خارج البلد البحث في مدى انتشارها، دون أن يكفي وحده لإثبات طريق انتقالها.
وقد لمح محدثي أيضًا إلى نقاشات دارت في أوساط ضيقة بأفغانستان خلال الثمانينيات، تشي بالارتياح إلى التوقف وانتظار المهدي رجاء الالتحاق بجيشه عند ظهوره، ولا أستطيع الجزم بصحة ذلك، وأورده في حدود تلميحه، بوصفه سؤالًا يستحق التتبع.
ويقتضي تناول المهدوية تمييز مفهومها السني من مفهومها لدى الإمامية الاثني عشرية؛ ففي التصور السني المثبت لأحاديثها، المهدي رجل من أهل البيت يظهر آخر الزمان، دون اعتقاد بإمام معين غائب يتولى الإمامة في الحاضر، أما لدى الإمامية فهو محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر، الذي يعتقدون بولادته وبقائه حيًا في غيبته إلى أن يؤذن له بالظهور، ومن ثم يختلف موقع الانتظار وصلته بالإمامة بين التصورين.
ولا يحسم هذا الاختلاف وحده المواقف العملية؛ فجهيمان اندفع إلى السلاح بعدما اعتقد أن المهدي تعين في القحطاني، وأولئك الشباب علقوا الفعل انتظارًا له، وهنا تتجلى قيمة السؤال الذي أعادني إليه «الغريب»: كيف يمنح الاعتقاد صاحبه مهمة، وكيف يتحول عند آخر إلى إعفاء؟ لقد وسعت لطيفة الشعلان معرفتنا بجهيمان، وفتحت معها سبيلًا لإعادة قراءة ما نعرفه عن غيره، ولعل من أجمل أثر المعرفة أن توقظ في مألوفنا ما لم نكن نراه.
الأفكار تعبر الحدود عبر الصحبة وتداخل البيئات، ويستحق الحوار الذي يرويه قيادي من خارج البلد البحث في انتشارها، دون أن يكفي وحده لإثبات طريق انتقالها.