شريف بن محمد الأتربي

تخيل معلمَين. الأول يشرح في فصل هادئ ومنظم؛ كتب الأهداف، وأنهى الخطة في موعدها، فمنحه المشرف التربوي تقديرًا مرتفعًا. والثاني يواجه طلابًا بفجوات في الأساسيات؛ بدأ بسؤال تشخيصي فاكتشف أن ثلثهم لم يتقن مهارة سابقة، فأعاد توزيعهم في مجموعات، وشرح لبعضهم بطريقة أخرى، ومنح المتقدمين مهمة أعمق. لم يُكمل خطته، وجاءت درجات طلابه أقل، لكنهم تقدموا خلال العام أكثر من طلاب زميله.

أيهما الأفضل؟ إذا سأل التقييم عن تنفيذ الخطة وانتظام الحصة واكتمال الشواهد فاز الأول، وإذا سأل: كم تعلّم الطلاب؟ ومن أين بدأوا؟ انقلبت النتيجة. وهنا تكمن المفارقة: نقيم المعلم على ما فعله أمام طلابه، ثم نستغرب أن بعضهم لم يتعلم.

ما يُقاس في تقييم المعلم هو ما سيحرص عليه داخل الفصل. فإذا كافأ التقييم إكمال الخطة وهدوء الفصل ومتوسط الدرجات، فلماذا يعيد المعلم الشرح لمن لم يفهم، أو ينوّع مجموعاته، أو يهتم بطالب تقدم كثيرًا ولا يزال دون المتوسط؟ التخطيط والانضباط شرطان للتعلم، لكنهما وسيلة لا غاية، والخطر أن يتقن المعلم ما يُرى في الزيارة لا ما يحدث في عقول طلابه. ثم إن الطلاب يختلفون في معارفهم وسرعتهم واحتياجاتهم، والعدالة التعليمية تعني فرصًا منصفة لبلوغ أهداف مشتركة، لا معاملة متطابقة. وتقييم لا يرى هذا الاختلاف يدفع المعلم، دون قصد، إلى تجاهله.

لا ينبغي أن يقتصر تحديث معايير تقييم المعلمين على إضافة مؤشرات جديدة، بل أن يتغير السؤال نفسه: إلى أي مدى ساعدت ممارسات المعلم طلابه على التعلم والتقدم؟ هل يعرف من فهم ومن لم يفهم؟ وماذا يفعل حين يكتشف الفجوة؟ وقد أبرزت مراجعة بحثية نشرها (بول بلاك، وديلان ويليام) عام 1998م أن توظيف نتائج التقويم الصفي في تعديل التدريس يحقق مكاسب مهمة في التحصيل، لا سيما لدى المتعثرين. كما ينبغي أن ينظر التقييم إلى نمو التعلم لا إلى الدرجات النهائية وحدها، حتى لا يكافئ من تسلم فصلًا متفوقًا ويظلم من تسلم فصلًا متعثرًا وأحسن العمل معه.

ثمة خطران: أن يتحول التقييم إلى نماذج وتوثيقات يقضي المعلم في إثباتها وقتًا أطول مما يقضيه في العمل نفسه، وأن يُختزل أثره في رقم مستخرج من درجات طلاب تتأثر بعوامل لا يملكها وحده. لذا يحتاج التقييم المتوازن إلى ملاحظة صفية تركز على تعلم الطلاب، وقراءة لأدوات التقويم وكيف يبني عليها المعلم قراراته، وشواهد على تقدم طلابه عبر الزمن، وحوار مهني يفهم سياقه. أما المنصات التعليمية وأدوات الذكاء الاصطناعي فأدوات للفهم والتحسين، لا لوحات مراقبة تحاسب المعلم آليًا.

القيمة الحقيقية للتقييم فيما يحدث بعد الدرجة: تدريب عملي مرتبط بمواقف الفصل الحقيقية، ووقت للتخطيط، وزيارات تركز على تعلم الطلاب، وفرصة لمشاهدة زملاء متميزين، ثم متابعة الأثر. فنجاح تحديث المعايير لا يُقاس بعدد المؤشرات، بل بما تغير داخل الفصل. وينسجم هذا التوجه مع برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج رؤية المملكة 2030؛ فلن نبني هذه القدرات لدى الطلاب ما لم نقيم معلميهم ونطورهم على أساسها.

لا أحد يطلب مكافأة الفوضى أو التخلي عن معايير واضحة مشتركة، بل أن تطرح هذه المعايير السؤال الصحيح. فليس من العدل أن نطلب من المعلم مراعاة اختلاف طلابه ثم نقيّمه بنموذج لا يرى هذا الاختلاف. لقد آن الأوان لننتقل من سؤال "هل شرح الدرس؟" إلى سؤال أهم: "هل تعلّم طلابه؟"