رامز صلاح

تبدو «السيادة التقنيّة» في الخطاب العربيّ الرّاهن لفظًا واحدًا، بينما هي في الحقيقة تنصرف عند إطلاقها إلى معنيَيْن متمايزَيْن تمام التمايُز. فقد يُقصَد بها القدرة على اقتناء أحدث المعالجات، وتشييد أضخم مراكز البيانات، وعقْد أكبر صفقات الحوْسبة السحابيّة مع الشركات الكبرى في وادي السيليكون، وهذا معنىً يتحقّق بوفرة رأس المال وحُسن التفاوض. وقد يُقصَد بها، على نقيض ذلك، امتلاك القدرة على تصميم الرقاقة وتصنيعها وتغليفها، بدءًا من غرفة النظافة الفائقة وانتهاءً بآلة الطباعة الضوئيّة، وهذا معنىً لا يتحقّق إلّا بتراكُم عقود من المعرفة الهندسيّة والمؤسّسيّة.

حين تحتفي التقارير الرسميّة العربيّة بمليارات الدولارات المتدفّقة نحو وحدات المعالجة الرسوميّة المُستوردَة بوصفها دخولًا إلى «السباق العالمي للذكاء الاصطناعي»، فإنّها تخلط عمدًا أو سهوًا بين المعنيَيْن، وتُصوِّر الاستهلاكَ المتطوّر إنتاجًا، والحيازة سيادة.

لا تعني دعوى التمايُز هذه افتراضَ انعدام العلاقة بين المعنيَيْن، فالدول التي تحوز الأداة اليوم قد تسعى إلى امتلاك صنْعتِها غدًا، كما تسعى المَملكة العربيّة السعوديّة مثلًا عبر التجمُّع الوطني لأشباه الموصلات الذي أُطلق في مَطلع يونيو 2024، وكما استَثمرتِ الإماراتُ العربيّة المتّحدة عَبر مبادلة حصّة في شركة «غلوبال فاوندريز».

بيدَ أنّ هذه الأمثلة نفسها تكشف عمق الفجوة بدل أن تسدّها؛ فمصانع «غلوبال فاوندريز» الفعليّة لا تزال موزَّعة بين الولايات المتّحدة وأوروبا وآسيا، وشركة «آلات»، الذراع الصناعية لصندوق الاستثمارات العامّة، أعادت مطلع العام 2026 توجيه مواردها بعيدًا من تصنيع الرقائق المتقدّمة نحو مراكز البيانات؛ في اعترافٍ عمليّ بصعوبة القفز فوق حاجز المعرفة. أي إنّ الحيازة اتّسعت، بينما ظلَّت الصَّنعة حِـكرًا على مَن امتلكها أصلاً.

ولفهم هذا الحاجز فهمًا دقيقًا لا يسعنا الاكتفاء بتفسيراتٍ ثقافيّة عن «قابليّة التبنّي»، من نوع ما اقترحته نظريّة إيفرت روجرز في «انتشار المُبتكَرات»، والتي تُصنِّف المجتمعات بين «مُبتكِرين» و«متُبنّين أوائل» و«مُتلكِّئين» وفق استعدادها النفسي والمؤسّسي لاحتضان الجديد. فهذا التصنيف، على الرّغم من أهمّيّته، يَفترض أنّ الفجوة مسألة إرادة واستعداد داخلي، ويتجاهل أنّ ثمّة مَن يتحكّم في بنية الشبكة العالَميّة نفسها التي يُراد الانتشار عَبرها، وأنّ هذا التحكُّم ليس حياديًّا، بل هو أداة قوّة قائمة بذاتها، لا فَرقًا في درجة الحماسة.

ولعلّ هذا بالضبط ما فسّره كلٌّ من هنري فارِل وأبراهام نيومان في مقالهما التأسيسي المنشور في مَجلّة «إنترناشونال سكيوريتي» سنة 2019 تحت عنوان «الاعتماد المُسلَّح». يُجادل الباحثان بأنّ شبكات الاقتصاد العالمي، من المال إلى البيانات إلى سلاسل التوريد، لا تنمو منبسطة، بل تتكاثف حول عُقَدٍ قليلة تفوق غيرها في مركزيّتها، وأنّ الدول التي تملك ولاية قانونيّة فعليّة على هذه العُقَد تستطيع تحويل مركزيّتها البنيويّة إلى قوّة إكراهيّة عَبر آليّتَيْن: الأولى «أثر البانوبتيكون»، وفيها تتحوّل العقدة إلى نقطة مُراقَبة تتيح لمَن يسيطر عليها رصْد كلّ ما يمرّ بها من تدفّقات، كما تفعل شركة «إيه إس إم إل ASML» الهولنديّة حين تتتبّع بدقّة متناهية موقع كلّ واحدة من آلاتها الـ340 لطباعة الرقائق بالأشعّة فوق البنفسجيّة القصوى، بما يمكّنها من التأكيد القاطع أنّ أيًّا منها لم يَدخل الأراضي الصينيّة، كما كشفَ تقرير «ذا إيكونوميست» المنشور في الخامس من تموّز/ يوليو 2026 المعنون «هل حصلت الصين على الماكينة الأهمّ في العالم؟». والثانية «أثر نقطة الاختناق»، وفيها تتحوّل العقدة ذاتها إلى صمّام يُمكن لِمَن يمسك به حرمان الخصوم من الوصول إليه كليًّا. كما يسعى قانون ماتش الأمريكي المُقترَح إلى فعله بإلزام الحلفاء بمواءمة ضوابط تصديرهم خلال 150 يومًا تحت طائلة تفعيل «قاعدة المُنتجات الأجنبيّة المباشرة».

تحذير نابليون قبل قرنين

على أنّ الأثر الأخطر في نظريّة فارِل ونيومان لا يكمن في وصف الإكراه بقدر ما يكمن في التنبّؤ بعواقبه؛ فالقوّة الإكراهيّة، كما يُحذّران، أصلٌ يتناقَص فور استخدامه، لأنّ كلّ عقوبة تفرضها القوّة المُهيمِنة، تَمنح الطرفَ المستهدَف حافزًا لبناء بديلٍ يُخرجه بالتدريج من دائرة الاختناق. ومن ثمّ، فإنّ المفارقة تكمن في أنّ الأداة التي يُراد بها حفْظ التفوُّق التكنولوجي قد تتحوّل، بمرور الوقت، إلى مُحفِّزٍ لتسريع صعود الخصم. ولعلّ هذا ما يضفي دلالةً مُعاصرة على تحذير نابليون بونابرت قَبل قرنَيْن: «الصين عملاق نائم؛ دعوها تنام، فعندما تستيقظ ستهزّ العالَم»؛ فالمفارقة اليوم أنّ محاولات إبقائها خارج دوائر التكنولوجيا المتقدّمة قد تكون قد أسهمت، بدلًا من إبطاء استيقاظها، في تسريعه. وهذا ما تكشفه الحالة الصينيّة بوضوح؛ فقد حذّر بيتر فينينك، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إيه إس إم إل»، من أنّ ضوابط التصدير، بدلًا من أن تُقيِّد التطوُّر التكنولوجي الصيني بصورة دائمة، قد تَخلق حوافز قويّة تدفع بكين إلى السعي نحو الاكتفاء الذّاتي مهما بلغت تكلفته الاقتصاديّة.

في هذا الإطار، يَكتسب وصفُ جورج تاكاش، في كتابه «الحرب الباردة 2.0: الذكاء الاصطناعي في المعركة الجديدة بين الصين وروسيا وأمريكا»، لمحاولة «إبقاء الخناق الرقمي على عنق الصين» (A digital boot on China’s digital throat) دلالةً مُفارِقة؛ إذ إنّ هذا الخناق نفسه أسهم في تحفيز ما يُمكن تسميته «الاكتفاء الذّاتي التكنولوجي» (Technological Autarky)؛ أي جهد شامل لاستبدال الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبيّة ببناء قدراتٍ محليّة، حتّى وإن اقتضى ذلك تحمُّل أوجه من عدم الكفاءة الاقتصاديّة. وبذلك لم تَعُد الصين تتعامل مع التكنولوجيا المتقدّمة بوصفها مَوردًا يُمكن الحصول عليه من الخارج، بل بوصفها قدرة إستراتيجيّة يتعيّن امتلاكها في الداخل؛ فانتقلتْ من إستراتيجيّة شراء التكنولوجيا المتقدّمة من الخارج إلى تطويرها محلّيًّا، من خلال تعبئةٍ تقودها الدولةُ على نطاقٍ يُذكِّر بمشروع مانهاتن. ومن هنا يتّضح أنّ هذا التحوّل لا يندرج في إطار سياسة صناعيّة عابرة فحسب، بل يَعكس مشروعًا أوسع لتحقيق ما تسمّيه بكين «السيادة الرقميّة»؛ أي امتلاك القدرة على مواصلة التطوُّر والعمل بعيدًا عن القيود التكنولوجيّة الخارجيّة، في عصر أصبح فيه التحكُّم في أشباه الموصلات والأنظمة التي تمكّنها جزءًا لا يتجزّأ من القوّة الوطنيّة ذاتها.

ولم يقتصر الفرار من نقطة الاختناق على الخصم المُستهدَف بالإكراه، بل امتدّ إلى حلفاء الحاضر أنفسهم. فإنفيديا، التي تسيطر على نحو 90% من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي عبر منظومة «كـودا» البرمجيّة التي تربط المُطوِّرين بمنصّتها ربطًا يصعب فكاكه، شهدتْ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 خسارة 115 مليار دولار من قيمتها السوقيّة، حين كشفتْ مفاوضاتُ قوقل مع ميتا عن اعتماد رقائق TPU المُصمَّمة داخليًّا بديلًا، بعد إطلاق الأنموذج اللّغوي «جيميناي» 3 المدرَّب بالكامل خارج منظومة إنفيديا. وسارت «أوبن إيه آي» على النهج ذاته حين أَعلنت في أواخر آب/ أغسطس 2026 عن شريحتها «جالابينو» المطوَّرة بالشراكة مع برودكوم، والمخصَّصة لمرحلة الاستدلال دون التدريب، مع تصريح مسؤولِها بأنّ إنفيديا «لا تزال شريكًا مهمًّا للغاية» على الرّغم من ذلك. فالفارق بين الحالتَيْن الصينيّة والأمريكيّة هو فارقٌ في الدّافع لا في الجوهر؛ الصين تفرّ من حصار قسريّ، وسيليكون فالي يفرّ من هامشِ ربحٍ احتكاريّ بلغ 77%؛ لكنّ كلاهما يؤكّد أنّ نقطة الاختناق، مهما بدت منيعة، تَستدعي بحكم منطقها الداخلي محاولات الالتفاف حولها.

هذا بالضبط هو الموقع الذي لم يَبلغه العالَم العربي بعد. فالمنطقة، على الرّغم من امتلاكها رأس المال والطّاقة والموقع الجغرافي، لا تزال تَقع في الطرف المتلقّي من كلتا الآليّتَيْن معًا؛ فهي مرصودة عَبر أثر البانوبتيكون بوصفها سوقًا مُستهلِكة يُمكن تتبُّع مشترياتها ورقائقها بدقّة، وهي عرضة لأثر نقطة الاختناق كلّما استدعتِ الحساباتُ الجيوسياسيّة توسيعَ دائرة التقييد. وما ينقصها ليس الرغبة في التبنّي، ولا رأس المال اللّازم لتمويله، بل موقعُها في بنية الشبكة نفسها؛ فهي تدخل السباق من بوّابة الطلب لا من بوّابة العرض، ومن ثمّ فإنّ أقصى ما تحصده من التفاوُض الناجح رخصةٌ مشروطة لا قدرةٌ مملوكة.

منطقتنا ودائرة القادرين

ويكفي للتدليل على ذلك أنّ الترخيص الأمريكي الذي مُنح في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 لشركتَيْ «جي 42» الإماراتيّة و«هيوماين» السعوديّة لاستيراد ما يعادل 35 ألف رقاقة من طبقة GB300 جاء مقيَّدًا باستيفاء متطلّبات أمنيّة محدّدة وبمُراجعة دوريّة، أي إنّه إذنٌ قابل للسحب لا أصلٌ قابل للتصرّف فيه. وهذه بالضبط هي المسافة الفاصلة بين المعنيَيْن اللّذَيْن بدأنا بالتمييز بينهما؛ إذ إنّ ما يُعرَض على المنطقة ليس مِلكيّة العقدة، بل حقُّ المرور بها، وحقّ المرور بطبيعته مِنحة تُراجَع، لا سيادة تُمارَس.

في المحصّلة، فإنّ التمييز بين الحيازة والصَّنعة ليس تَرفًا مفهوميًّا، بل هو الشرط الأوّل لأيّ تقدير واقعي للموقع العربي في نظامٍ تقنيٍّ عالَميٍّ تحكمه عقدٌ قليلة تُراقَب وتُختنَق بإرادةِ مَن يملكها. فالمنطقة لم تَدخل بعد دائرة الفاعلين القادرين على الالتفاف حول نقطة الاختناق، لا لأنّها أقلّ حماسة للتقنيّة، بل لأنّها لم تُراكم بَعدُ المعرفةَ التي تَجعل الالتفاف مُمكنًا أصلًا؛ والتجربتان الصينيّة والأمريكيّة تكشفان أنّ هذا الالتفاف لا يُشرى بالمال، وإنّما يُبنى بالهندسة والمؤسّسات والزمن. ومن ثمّ، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يحتلّ صدارة النقاش العربي ليس كم رقاقة استوردنا، ولا كم ميجاواط أضفنا إلى مراكز بياناتنا، بل ما هو نصيبنا من الطبقات التي تُصنَع فيها الأداة لا تُشرى: من تصميم الدوائر إلى تغليف الرقائق إلى تدريب الكفاءات القادرة على ذلك. فالانتقال من بوّابة الطلب إلى بوّابة العرض هو المعيار الوحيد الذي يَفصل الاستهلاك المتطوِّر عن السيادة؛ وحتّى ذلك الحين، سيبقى ما يُوصَف في المنطقة بأنّه «دخول إلى السباق العالمي» أقرب إلى شراء تذكرة لحضوره من داخل المدرّجات.

*باحث في التنمية الاقتصاديّة - مصر

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.