في حال عودة التلاميذ إلى المدارس وعودة الطلبة إلى الجامعات سوف تكون تجربة، وليس لدينا أي فكرة عما سيحدث من تبعات لهذا القرار! ولهذا حين خرجت علينا وزارة التعليم بالقرارات التي تخص التعليم العام والتعليم العالي لم تكن تلك القرارات سهلة أبدا، بل لم تكن عادية أو لم تتّخذ خلال فترة عادية، ولكي تصل إلى ذلك كان لا بد أولا أن تطّلع على طرق وأساليب عودة التلاميذ والطلبة في الدول التي اتخذت قرارات بعودة فتح مؤسسات التعليم، والتي أصلا لم تقفل تلك المؤسسات، من حيث تطبيق سبل التباعد الاجتماعي، وفحص الأعراض قبل دخول المؤسسات، وارتداء الأقنعة الواقية، والمتابعة في تنفيذ غسل اليدين، ومع ذلك لم تكن النتائج مشجعة، بل كانت متضاربة، ثم كان عليها أن تدرس الإمكانات الموجودة بالنسبة إلى تلك المؤسسات من حيث الموارد البشرية والمادية والتدريبية، والمتابعة والمراجعة والمراقبة... إلخ. إضافة إلى تحديد المناطق التي تحتاج إلى توعية ومتابعة أدق وأشمل، حتى تضمن نسبة لا بأس بها من الالتزام والتطبيق، هل هذا كل شيء؟ أبدا، لم نقترب حتى من أدنى نسبة من حجم الملف وما يحتويه من قضايا ومعلومات وتجهيزات، وفوق كل ذلك كان على الوزارة أن تتجمل بالصبر، وأيّ صبر؟ صبر أيّوب! صبر على ما تلقته من أولياء الأمور خاصة الذين كانوا في غاية الخوف، والحيرة، والتشويش بسبب سيل من المعلومات غير الصحيحة على شبكات التواصل الاجتماعي.

في رأيي أن الوزارة ضمن هذه المنظومة من القرارات والتعليمات قد غطت الكثير من الملفات الخاصة بعودة التعليم إلى المؤسسات، لم أقل التلاميذ أو الطلبة، بل قلت التعليم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على اهتمام الوزارة بمستقبل أكثر من خمسة ملايين تلميذ وطالب، آخذة بعين الاعتبار ذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب الظروف الصعبة، إضافة إلى الهيئة التعليمية، والهيئة الإدارية، والهيئة الخدمية، والأسر، والمجتمع، وجميعهم مرتبطون ارتباطا تشعبيا بعضهم ببعض.

أولياء الأمور لا يعرفون ماذا يجري داخل أروقة الوزارة ولا خارجها من تواصل وتضافر وتبادل للمعلومات مع الوزارات المعنية الأخرى، ولهذا كان الهجوم في رأيي شرسا، لا أبرّره، بل أستنكره خاصة أن الكثير ممن قاموا بهذا الهجوم هم من الطبقة التي من المفروض أنها مثقفة ومطلعة، وكان عليها أن تتابع ما يحدث حول العالم من أضرار جراء فتح المدارس أو إغلاقها، وبمجرد مرور بسيط على الإنترنت سوف نجد أن الكثير من التقارير التي صدرت عن العديد من الدول والمراكز المختصة تناولت هذا الموضوع وبالتفصيل الممل أحيانا، ولم تكتب غالبيتها بلغة تخصصية، بل قدمت بلغة بسيطة لتصل إلى أكبر شريحة من القراء، كل ما كان علينا فعله هو تفعيل برنامج الترجمة للحصول على زبدة المواضيع على الأقل، لم يحصل ذلك، بل كنا نريد من الوزارة أن تلقمنا بالملعقة كل شيء، ولا نريد أن نقوم بأي جهد، حتى نفهم ما هو حجم المسؤولية التي كانت تواجهها الوزارة؟!

أما بالنسبة إلى الوزارة فكان من الممكن أن تقدم بعض التفسيرات من خلال عرض بعض الملفات وما تشمله من تحديات حتى يتفهم أولياء الأمور ويدركوا أن الوزارة تقدر اهتماماتهم وتساؤلاتهم، وتعتبر استقرار الأوضاع واطمئنان النفوس داخل دائرة اهتماماتها، وتعمل على توضيح الصورة ما أمكن، وحسب تقدم جمع البيانات، والدراسات التي تصل إليها أولًا فأولًا، وكان هذا دور العلاقات العامة من جانب المتحدث الرسمي باسم الوزارة، ولم يكن المطلوب أن يعطي معلومات أو قرارات لم تصنع بعد، بل كل ما هو مطلوب هو تقديم المعلومات التوضيحية والتواصل مع الجمهور بشكل مستمر، حتى يدرك حجم ما يتم عمله وحجم دوره وأهميته في عمليات التنفيذ فيما بعد.

نعم نحن ندرك جميعا أهمية الدور الذي تلعبه المدارس في دعم التلميذ الشامل، وليس فقط تحصيله الأكاديمي، فهي بالإضافة إلى توفير الهيئة التعليمية والإرشادية والإدارية، توفر بيئة مستقرة وآمنة لتطوير المهارات الاجتماعية والعلاقات بين الأقران، فالتفاعل الاجتماعي في المدرسة بين التلاميذ أو الطلبة ينمي مهارات اللغة والتواصل والمهارات الاجتماعية والعاطفية والشخصية، ويؤدي إغلاق المدارس الممتد إلى الإضرار بتلك المهارات وأكثر؛ ففي بيئة المدرسة يتعلم الأطفال بسهولة كيفية تطوير الصداقات والحفاظ عليها، وكيفية التصرف في مجموعات، وكيفية التفاعل وتكوين علاقات مع أشخاص خارج دائرة أسرهم القريبة والممتدة، ويتعلمون كيفية تحديد الأهداف الإيجابية وتحقيقها، وتقدير الآخرين، واتخاذ القرارات المسؤولة والتعرف على تبعات تصرفاتهم غير المسؤولة، والتواصل مع معلميهم وأقرانهم يساهم أيضا في توفير الاتصالات الشخصية التي قد تبدو روتينية، ولكنها في حقيقة الأمر تعتبر فرصا لتسهيل التطور الاجتماعي والعاطفي لديهم والذي يصعب، إن لم يكن من المستحيل تكراره من خلال التعلم عن بعد، ولهذا نجد أن قرار الوزارة في تحديد الأسابيع الأولى للتعليم عن بعد ومن ثم العودة بحذر وتدريجيا بعد دراسة الوضع وتطور الأحداث من حيث محاربة الجائحة، ليس فقط محليا بل عالميا أيضا، نرى أن كل ذلك قد أخذ بعين الاعتبار من قبل الوزارة، وذلك لما للمدرسة كمؤسسة اجتماعية من دور في بناء الأجيال الشامل؛ فكر، وصحة نفسية وجسدية، وتطور ونمو في المهارات التي يحتاجها للتفاعل بإيجابية مع المجتمع المحيط أو الحاضن، الخلاصة أن المدارس هي المكان الآمن، حيث يركض أطفالنا ويلعبون ويضحكون ويتجادلون مع بعضهم البعض، ولهذا فإنهم بحاجة ماسّة إلى العودة إلى هذا النوع من الحياة الطبيعية الصحية في أسرع وقت ممكن.

ولكن تظل المعضلة في أن اجتماع الأشخاص ـ سواء أكانوا أطفالا أو كبارا ـ هو أسوأ شيء يمكنك القيام به وأنت في مواجهة الجائحة، لأنه حتى المدارس التي فتحت حول العالم، ورغم جميع الاحترازات التي وضعت من جانب وزارات التعليم والصحة لديهم، انتشرت العدوى بشكل مخيف، قد يكون بسبب المنطقة المحيطة، أو بسبب انتشار الوباء عن طريق الطلبة والتلاميذ، أو بسبب التراخي في اتباع التعليمات اللازمة، المهم أنه رغم الدراسات التي بدأت وما زالت مستمرة لم ينتج عنها أي معلومات مؤكدة حتى الآن بما أنها في طور التنفيذ، فما زال الخطر قائما، ونحن نعلم أن الأطفال خاصة يواجهون صعوبة في التباعد الاجتماعي، وأن المراهقين يجنحون إلى التحدي والتفاخر بذلك، ومما قرأناه عن افتتاح مدارس حول العالم ثم إغلاقها، وعليه أرى أن الوزارة قد أخذت كل ذلك بعين الاعتبار، فهي لا تريد أن تفتح ثم تغلق وتعود إلى التعليم عن بعد، لأن ذلك قد يكون أكثر صعوبة على أبنائنا التلاميذ والطلبة، وعليه فإن العودة التدريجية وبحذر هي القرار السليم في خضم كل هذه المعطيات المتاحة الآن.