أنا إنسانة كثيرة القلق، ليس بيدي، أقلق وإن لم يكن أمامي أمر يدعو إلى القلق، وإذا كنتم مثلي - وأعتقد أن الكثيرين كذلك - فإن القلق يلازمنا ليل نهار، لماذا نفعل ذلك؟ لماذا لا نركز على الإيجابية ونوجه طاقاتنا إلى من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لماذا لا نحول القلق إلى دعاء ونحن مؤمنون بكل ذرة من كياننا بأنه لن يضيع شيء عند الكريم الوهاب؟!

نحن نعلم أن القلق ليس مثمرا دائما، بما أن هنالك قلقا صحيا والذي يدفعنا بدوره إلى التحرك ويحفزنا إلى العمل، لكن القلق من الأمور التي ليست بيدنا، بل هو خارج عن نطاق إراداتنا وتحركاتنا، ماذا عنه؟ يمكن أن يسحبنا مثل هذا القلق إلى الأسفل ويبدد طاقاتنا، لماذا؟

حقا لماذا ندمن القلق على أشياء ندرك أنه ليس لدينا السيطرة عليها؟ متى ستعود الحياة إلى طبيعتها؟ كيف سيصبح السفر خارج البلاد؟ وكيف ستكون طبيعة التواصل؟ خيارات أبنائنا في المستقبل هل ستتسق مع متطلبات الحياة الجديدة؟ هل سيكون مجال عملهم داخل أو خارج أسوار الوطن؟ ونقلق من أشخاص آخرين داخل دائرة العمل أو الحياة لا نستطيع السيطرة عليهم ولا التواصل معهم بشكل صحيح حتى يفهمونا أو يقدروا مواقفنا، كيف سيكون حكمهم علينا وما حجم تأثير هكذا أحكام؟ وهنالك أيضا الجائحة التي أطلقت ريشتها السوداء لتغطي العالم بأكمله، فقلبته رأسا على عقب، من التالي؟ عزيز؟ قريب؟ صديق؟ معرفة؟ أنا؟ وما هي الخطوة التالية التي سيتخذها الأعداء لضرب اللحمة الوطنية؟ والقائمة تطول وتتمدد مع الزمن. فبدلا من التفكير في الأشياء التي هي خارجة عن نطاق إرادتنا أو التلاعب بأعصابنا حتى نفقدها، لنحاول أن نقلب الأمر ونجعل من القلق دعاء، فبمجرد أن نبدأ في النزول إلى هذا المنحدر المقلق.. لنقم بالاستدارة ولنوجه ذلك القلق إلى من يسمع ويستجيب، إلى من يستطيع فعل أي شيء، حل أي شيء، وبالتأكيد من لا يريدنا أن ننزلق في أي منحدر.


إذا كنت ممن تأثر بالضائقة المالية التي غمرت العالم في الأشهر القليلة الماضية فحولها إلى دعاء: اللهم أخرجنا من هذا الضيق وساعدنا على تعويض خسائرنا، ربنا اجعل الطريق أمامنا واضح المعالم للخروج من هذه المحنة، وساعدنا على أن ندرك ونتقبل ما كتبته علينا.

إذا كنت قلقا على أحد من أفراد الأسرة ممّن هم طاعنون في السن وتأثروا بانقطاع أعزائهم عن زيارتهم كعادتهم في اللقاءات الأسرية، وتحول عالمهم فجأة إلى عالم من العزلة والوحشة والانقطاع، فحوّله إلى دعاء، اللهم إني استودعتك غاليا على قلبي وعلى روحي، أحطه بحفظك ورحمتك، وآنس وحشته، واجعل ما نقدمه من حب وحنان وتواصل يلطف نفسه ويبعدها عن الاكتئاب والحزن.

هل أنت قلق على وطنك؟ على ما يحيط به من أخطار وما يحاك له من مكائد؟ ومن منّا لا يفكر بأمن وطنه وأمانه؟! بالطبع يجب أن نكون على وعي تام وعلى أتم الجاهزية للدفاع عنه، كل بطريقته الخاصة، ولكن تحويل قلقك إلى دعاء هو أيضا طريقة إيجابية للتأثير على التغيير الذي تريد أن تراه من تلاحم وتآخٍ وتعاضد في وجه كل من تسول له نفسه الاقتراب من ذرة واحدة من ترابه، بأي طريقة كانت.

ساعدنا يا رب على التحلي بالحكمة والرحمة للقضاء على كل ما يفرقنا من تعصب أو عنصرية أو عداء لدينا وهويتنا، اللهم علمنا كيف نحب ونحترم بعضنا البعض حتى نبني مستقبلا زاهرا لأبنائنا.

كنت حتى وقت قريب قد وصلت إلى مرحلة الاستسلام، وأوشكت على أن ألقي بكل شيء وراء ظهري وأمضي، ولكن من خلال رسائل مختلفة، كانت تصلني وكأن الله يقول لي، لا تستسلمي، إنّ ما تقومين به مهم فاستمري. حقا عندما تكون الأمور صعبة ونشعر بأننا لم نحقق أي شيء مما نصبو إليه، فمن الصعب جدا عدم الاستسلام، لكن إذا فتحنا أعيننا وقلوبنا، في بعض الأحيان يمكننا أن نرى بوضوح أن الله يرسل إلينا رسائل، ويشجعنا على الاستمرار، لأنه بالفعل لديه خطة ما هنا، وهي خطة لا يمكننا رؤيتها دائما.

ألم نتعلم أن أحلك جزء من الليل يكون قبل شروق الشمس مباشرة؟ وفي بعض الأحيان هذا هو بالضبط سير الأمور في حياتنا، فلو أننا قارنا بين البشر أو حياة البشرية بالقمر لوجدنا الكثير من التقارب، فهو في كل شهر يختفي ببطء ويتحول إلى هلال يكاد لا يرى، ولكن بعد ذلك في أحلك نقطة، عندما يبدو أنه أوشك على الاختفاء، هنا بالضبط تبدأ نقطة النمو من جديد، ويصبح أكثر اكتمالا وأكثر إشراقا كل ليلة عن التي سبقتها، وأنت أيضا! فقط عندما تبدو الأمور ميؤوسا منها، لا تفقد الأمل، لأنه بعد الظلام، لا يزال من الممكن حدوث أشياء عظيمة.

والآن ما الذي يقلقك في هذه اللحظات بالذات؟ كيف يمكن أن تحوله إلى دعاء؟ وبينما أنت قلق تذكر أن هناك من بيده الخير كله، ويستطيع أن يحول هذا القلق إلى أمل، والأمل إلى واقع لم يكن ليدركه عقلك، فقط ارفع كفيك إلى السماء وادع رب العباد، وأصغ إلى الرسائل التي تصل إليك، فبعد الظلام دائما يأتي النور، «والليل إذا يسر»، فلمَ القلق؟!