وعلى الرغم من حديثه عن دولة إسلامية، إلا أن البنا كان غامضا فيما يخص البنية الدقيقة للدولة الإسلامية، لكن الواضح أنه أرادها وفق الشريعة، وأن ترفض الفصل بين الدين والدولة، مع الاعتقاد بأن الحاكم يجب أن يكون رجلا مسلما ملتزما، ولم يقبل مطلقا أي شيء على شاكلة الديموقراطية الليبرالية، أو التعددية السياسية الكاملة، ولذا رفض الأحزاب وطالب بتوجيه قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة هي هيئة شعبية واحدة، لكنه حدد الشعب بأنهم المسلمون، وهذا ما أثار كثيرا من التساؤلات في ذلك الحين حول وضع الأقلية الكبيرة من أقباط مصر في مخطط البنا.
تركيز على التعليم
ركز البنا على التعليم، وفي رسالة منه صدرت عام 1929 تحت عنوان «مذكرة في التعليم الديني»، قدم فكرة إعادة تشكيل الفرد روحيا وفكريا وماديا ومعنويا لبناء «شخصية إسلامية»، وأن يكون التعليم منصبا حول التربية الأخلاقية، لا النجاح الشخصي، أو التقدم المادي.
وأراد البنا لمعلمي الإخوان أن يكونوا «النور الساطع» الذي يحترق «كالشمعة»، ويمد الناس بالضوء، وأن يعدوا أنفسهم «حملة رسالة ودعاة فكرة وبناة جيل»، ودفعته الفكرة للاهتمام المستمر ببذل الجهد لاستمالة الشباب المسلم، وكان يخشى من علمنة جامعة فؤاد الأول في مصر وأتباعها «التفكير المادي» المنقول عن الغرب؛ وهو الأمر الذي قد يؤجج التحريض على الدين والعادات الاجتماعية الإسلامية حسب رؤيته.
وركز البنا على الإصلاح الأخلاقي، فقد كان يميل إلى قراءة المؤلفات الغربية المترجمة إلى العربية، وفسر اهتمامه الدائم بأفكار علم التربية الشاملة، المستقاة من أعمال علماء التربية أمثال ماريا مونتيسوري وفريدريك فروبل، من قراءته لمؤلفاتهم وإشارته بوضوح إليهم، وإن كان قد عدل في أساليبهم، وكساها ثيابا جديدة تناسب الميول الإسلامية، لكن ذلك لا ينفي عنه التأثر الفكري بهم.
مناهضة التبشير
تصدر الإخوان مناهضة التبشير المسيحي وانتشار مدارسه في مصر، وبذلوا جهدهم لمنعه رسميا، وأعطاهم ذلك شعبية على المستوى الوطني، وخصصوا مؤتمرهم العام الأول للجماعة في الإسماعيلية في يونيو 1933، لمقاومة التهديد التبشيري، وكانت هذه أولى محاولات تدخل الإخوان في الشأن العام، مدفوعة برغبتهم في مقاومة تهديد مباشر وملموس، قادم من «الغرب».
إن حملة الإخوان المناهضة للبعثات التبشيرية، إلى جانب أنشطتها المحلية وأعمالها الاجتماعية، ساعدتهم على التوسع في جميع أرجاء الدلتا المصرية، وعقدت الجماعة مؤتمرها الثاني في يناير 1934 في بورسعيد، بضعف العدد المسجل قبل أشهر في المؤتمر الأول، وفي الأعوام التالية كانت المخاوف من بعثات التبشير المسيحية عامل جذب لكثير من الأفراد إلى فلك الجماعة.
المعرك السياسي
انتقل عام 1932 إلى القاهرة، فانتقل معه مركز ثقل الجماعة إليها، وتزامن هذا مع وضع الهيكل التنظيمي الرسمي لها والتصديق عليه في المؤتمر العام الثالث 1935، ثم بدأت الجماعة تتطور إلى حركة سياسية جماهيرية.
استفادت الجماعة من ذلك الشعور الشعبي بخيبة الأمل في المؤسسات والأحزاب السياسية المصرية بعد الاستقلال، وبات البنا يتكلم بلسان أصرح وأبلغ عن أهداف سياسية؛ ففي 1938 قال: «أستطيع أن أجهر صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا»، وفي موقف آخر قال «الإخوان ما كانوا يوما من الأيام غير سياسيين»، كما قال «ما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة والدين».
وتماشيا مع هذا، فقد شهد مارس 1938 تأسيس صحيفة النذير تحت إدارة صالح عشماوي، التي قيل إن عددها الأول كان إيذانا «ببداية» انخراط الإخوان في «النضال السياسي» الخارجي والداخلي.
طلب السلطة
وفي طلب الإخوان للحكم مسالك، فقال البنا إن الإخوان «لا يطلبون الحكم لأنفسهم»، فإن وجدوا «من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني» فسيكتفون بأن يكونوا «جنوده وأنصاره وأعوانه»، ولكنه قال صراحة إنهم إن لم يجدوا هذا الشخص «فالحكم» جزء من رسالتهم، وإنهم «سيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله».
لقد كان تركيز البنا على الإصلاح الأخلاقي بهدف سياسي، حتى يسود الاعتقاد بأن الإخوان سيحققون نهضة اجتماعية واقتصادية وسياسية، عن طريق تنشئة أمة أكثر صلاحا، كما ركز كثيرا في البدايات على دفع المشاعر المناهضة للاستعمار، مع تقديم نموذج مميز «للقومية الإسلامية»، فلم يكن الإخوان يعترفون بالحدود الجغرافية، ولا الفروق في العرق والدم، بل كانوا يرون أن «أرض الإسلام دولة واحدة».
وبحسب البنا، فقد كان الإخوان يؤمنون بأن «كل أرض» فيها مسلم يشهد «أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» هي «أرضهم وبلدهم».
تقليد هتلر وموسوليني
كان البنا يتحدث عن تحرير الوطن الإسلامي، وأن هذا التحرير يمر عبر عدة مراحل، أولها بناء الشخصية الإسلامية للفرد المسلم؛ وثانيها تأسيس الأسرة الإسلامية، وثالثها أنه يمكن للأمة الإسلامية أن تنشأ، ورابعها النظر في تأسيس الحكومة الإسلامية، وخامسها استعادة كل جزء من الأمة الإسلامية»، كان قد «اغتصبته» الأمم الغربية، ورفض تقسيم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى دويلات قومية؛ وطالب بتوحيدها تحت راية الإسلام، وكان القياس الذي اختاره لتوضيح هذه النقطة مفاجئا؛ إذ قارن في حديثه بين عقيدة هتلر التي بموجبها «يعتقد كل ألماني أنه يتعين عليه دعم كل ألماني آخر»، وبين «العقيدة الإسلامية».
ومع توحيد الوطن الإسلامي الكبير وإحيائه، تكون المرحلة السادسة، وهي «أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي عرفت الإسلام حينا من الدهر، ومنها الأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا، وهو بذلك يقلد رغبة موسوليني في بعث الإمبراطورية الرومانية من مرقدها.
وبعد انبعاث الإمبراطورية الإسلامية من جديد، تكون المرحلة السابعة والأخيرة لرسالة الإخوان؛ ألا وهي «إعلان الدعوة على العالم» ولتحقيق هذه الغاية، دعا البنا أتباعه للمشاركة في «الجهاد»، وهكذا كان الجهاد أمرا محوريا في أخلاقيات الجماعة وانعكس في شعارها الشهير: «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».
كان البنا واضحا في أن الجهاد قد يتضمن «القتال والجندية» وأنه قد يستخدم «السيف... لنشر الدعوة»، وأن «القوة أضمن طريق لإحقاق الحق».
لم يكن ما يدعو إليه البنا نابعا من فكر إسلامي بحت، بل بدا متأثرا أيضا بعلمانية الغرب، فقد أشار إلى أن الأمم الحديثة التي تعيش في ظل فاشية موسوليني، أو نازية هتلر، أو شيوعية ماركس، تستند إلى «أساس عسكري بحت». وبدلا من أن يرفض ذلك، شعر أن الواجب على المسلمين محاكاة هذه الأنظمة بشكل أو بآخر، مؤكدا أن «عسكرية الإسلام» أجل وأعظم من غيرها.
التدرج
عام 1939 تحدث البنا عن التدرج، وتطوير برنامج الإخوان عبر 3 مراحل، أولها «مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة»؛ التي ينبغي أن تتبع بـ«التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود»؛ وأخيرا تأتي مرحلة «التنفيذ والعمل والإنتاج». وبين أن هذه المراحل يمكن بالطبع أن تسير جنبا إلى جنب، وحث أتباعه على التحلي بالصبر والمثابرة، قائلا: «قد تكون طريقا طويلة، ولكن ليس هناك غيرها».
وكان البنا نفعيا في تعامله مع أولئك الذين يمكن أن يوصفوا بأنهم «أعداء»، سواء في داخل الوطن أو خارجه، فلم يدعو إلى إسقاط الدولة، وتجنب المواجهة مع السلطات طيلة الثلاثينيات من القرن الماضي، مع ذلك رأت لندن التي كانت تفرض الانتداب على مصر الإخوان بأنهم «شباب متدين... إلى حد التطرف»، وعبر تقرير للمندوب السامي البريطاني عن القلق من تمكن جماعة الإخوان «بمرور الوقت، من خلق جيل أرعن طائش لا يتوانى عن تقديم حياته بثمن بخس».
لعب على الأوتار
استغل الإخوان الدعم البريطاني لإقامة دولة لليهود في فلسطين ونشطوا لتعزيز حضورهم وجذب مزيد من الأتباع، ووزعوا نشاطهم خارج مصر ووصل إلى فلسطين، وعلى مدى سنوات بات لهم ثقل في مصر، نتيجة معارضتهم القوية للسياسات البريطانية في مصر وفلسطين.
وذكرت السفارة البريطانية في مايو 1939 أن تأثير الإخوان المسلمين يتعاظم يوما تلو الآخر «بين الطلاب وعامة الشعب على حد سواء»، وذكرت تقارير أن الجماعة كانت تتلقى دعما ماليا من ألمانيا رغبة من هذه الأخيرة بإزعاج البريطانيين إلى أقصى حد ممكن في الشرق الأوسط.
ورغم حرص البنا على تكذيب تلقي الجماعة الدعم من ألمانيا وإيطاليا إلا أن تقارير الاستخبارات أكدت أن الإخوان استفادوا قطعا من مساعدات تلقوها من مصادر تابعة لدول المحور بين عامي 1934 و1939، ولذا كثرت أنشطة البنا في مناهضة البريطانيين، في عام 1936، دفع النازيون ما يربو على 5000 جنيه إسترليني إلى الجماعة.
تناقضات البنا
تشكلت آراء البنا في إطار حوار مع الغرب، وتبلورت شخصيته نتيجة لتفاعلات بين التأثيرات الإسلامية والغربية. وأقر المؤرخون بالتناقض في توجهاته نحو الغرب، مشيرين إلى أنه كان يعتمد على الغرب إن رأى الأمر ملائما، في حين كان يرفض إمبرياليته وقيمه «الحضارية»، فقد كان الإخوان يرون في الخبرات التقنية والعلمية أمرا محبذا، لكنهم كانوا لا يألون جهدا في الإعراض عن العلوم الاجتماعية والفنون والعلوم الإنسانية؛ لاكتسائها بالطابع الغربي.
حاول البنا بداية تحاشي الحياة السياسية الرسمية، وأن يعطي انطباعا بأن الإخوان جماعة صوفية خالصة، لإلهاء العالم الغربي عن وضعها في خانة التهديد، وخلال ثلاثينيات القرن الماضي، كان الإخوان قد برزوا في هيئة حركة سياسية استوعبت النزعات الثقافية والفكرية التي كانت سائدة ذلك العصر. وحظوا بشعبية كبيرة بين أوساط الشباب المتعلمين؛ إذ كانوا يتحدثون عن مصطلحات تجاوزت الأفق المصري، حتى تبلورت حول رؤية إسلامية وعربية شاملة، وقد أظهروا الانشغال بالجارة فلسطين، ووجهوا سهام تحريضهم تجاه المستوطنين اليهود والحكومة البريطانية، وهو ما زاد شعبيتهم في نظر السذج، كما ساهمت رغبة القصر الملكي المصري في الاستفادة منهم لتقويض حزب الوفد في تقديم الدعم لهم.
علاقات في زمن الحرب 1940 - 1944
في أكتوبر 1941، ألقت السلطات المصرية القبض على البنا، فأثار اعتقاله موجة من الاحتجاجات لدى أعضاء الجماعة، وكان لها مناصروها في القصر فتدخلوا وأطلقوا سراحه بعد أقل من شهر، ما أغضب الإنجليز الذين ذكروا في تقرير استخباراتي في نوفمبر 1941 أن «السياسة طويلة الأجل للتخطيط والتنظيم السريين التي يتبناها البنا، جعلت الإخوان على رأس المنظمات التخريبية في مصر».
وبينما كانت قوات الحلفاء تندحر أمام الإيطاليين عام 1940 خشي البريطانيون من فقدان سيطرتهم في مصر، وشددوا الضغط على السلطات المصرية لتتخذ موقفا أكثر حدة ضد جميع الحركات التخريبية وأفرادها، لكن بعض المسؤولين البريطانيين شرعوا في تجريب طرق بديلة، ومنها استمالة جماعة الإخوان بالإغراءات المادية، وفي أوائل 1941 أبدى البنا استعدادا للتعاون مع البريطانيين، وطلب ممثلو الإخوان الحصول على 40000 دولار أمريكي وسيارة مقابل تقديم الدعم، وأكد زعماء الإخوان أن ثمة محادثات جرت في هذا الصدد؛ غير أنهم شددوا على أن البريطانيين هم من أطلق مبادرة التواصل رغبة منهم في «كسب ولاء» الإخوان.
ومن المؤكد، أن محادثات جرت من 1940 إلى 1941 بين مرشد الجماعة ومندوبين بريطانيين، وتضمنت بعض الترتيبات المالية خصوصا أن البنا كان يتحلى بنفعية شديدة خصوصا فيما يتعلق ببناء العلاقات وتأمين الدعم المالي لحركته.
وخلال الحقبة التي كانت تتشكل فيها الجماعة، أخذ البنا أموالا من شركة قناة السويس، وكان ثمة احتمال بأنه تلقى تمويلا من الألمان، كما تلقى مساعدات من الحكومات المصرية بمختلف انتماءاتها، وبالتالي ليس مستغربا بالتأكيد إنه كان مستعدا لقبول الأموال البريطانية.
حملة قمع
لإحياء روح الجهاد في جسد العالم الإسلامي، أسس البنا مجموعات «الرحلات» أولا، ثم فرق «الجوالة»، وبعد عام 1938 انتظم الأعضاء من البالغين في «كتائب»، وما بين 1940 و1941، تطورت الخطوة بإنشاء «النظام الخاص»، أو «التنظيم السري»، ودعي أكثر أعضاء الإخوان التزاما للانضمام إلى هذا التشكيل؛ إذ كانوا يتلقون تدريبات على استخدام الأسلحة، ويتعلمون الالتزام بمبدأ «السمع والطاعة».
وفي المؤتمر السادس للإخوان المسلمين كانوا قد اتخذوا قرارهم بأن تدخل الحركة معترك السياسة عبر الانتخابات، وكان البنا من بين 17 عضوا تقدموا لخوض الانتخابات على أساس يدعو إلى العمل بالشريعة الإسلامية، لكنهم انسحبوا من السباق تحت ضغط الحكومة والإنجليز.
تمكين الإخوان
في يونيو 1942 بدا أن الموقف البريطاني في مصر على وشك الانهيار، مع تقدم روميل نحو «العلمين» عل بعد 60 ميلا غرب الإسكندرية، وهو ما أثار حالة من «الاضطراب» في القاهرة، وبدأت الجماعة تتحرك لإثارة القلاقل فاتخذ القرار بحظر مؤقت على اجتماعاتها، والتهديد باتخاذ تدابير قمعية أكثر.
استمرت خشية الإنجليز وتحذيرهم من الجماعة، وشبه المسؤولون البريطانيون الشكل التنظيمي للإخوان المسلمين بتنظيم الجماعات «النازية الفاشية»؛ وكانوا يرون الجوالة في الإخوان مثل «كتيبة العاصفة» النازية الألمانية، ويعدون تشكيلات «الكتائب» نظيرا لكتيبة «سرب الحماية» التي كانت تحمي هتلر، وزاد قلقهم من شائعات انتشرت بأن الجماعة قد أعدت «فرقا انتحارية، حيث زعم البنا في سبتمبر 1941، أن لديه ألفي رجل مسلح اختيروا بعناية، وهم رهن إشارته، وطوع أمره، وهو ما حير البريطانيين بشدة آنذاك».
خاتمة
في أواخر 1944، تلاشى شبح الحرب من مصر. وفي العام الذي قبله كانت قوات المحور قد طردت من شمال إفريقيا، فانعزلت القاهرة إلى حد ما عن بقية الصراع.
طوال سنوات الحرب الأربعة المنصرمة، كانت تتعزز قوة جماعة الإخوان المسلمين ويزداد تأثيرها، وكان المسؤولون يفسرون الصعود المتزايد للإخوان
المسلمين بتبنيهم تلك الطفرة المقلقة من التوجهات الكارهة للأجانب، والمعادية لهم.
في السنوات المتأزمة من 1940 إلى 1942، دفع القلق من الإخوان البريطانيين إلى التدخل المباشر، فطلبوا فرض قيود على التنظيم. وكان الهدف من ذلك في المقام الأول رؤية البنا وهو يزاح بعيدا عن القاهرة، لكنه أظهر للجميع أنه سياسي محنك وبارع للغاية، فمن خلال المزج بين التهديد المبطن بإثارة قلاقل خطيرة إذا حاولت الحكومة القضاء على الإخوان، وبين التوافق العلني من ناحية أخرى ـ تمكنت الحركة من المناورة بحرية كبيرة. واستمر الحال كذلك من ربيع 1943 فصاعدا، عندما تمكن البنا من استغلال وضع النحاس الذي تدهور (بعد فضيحة الكتاب الأسود) ليتقارب مع الحكومة. ولقاء إزالة كل القيود عن نشاط الإخوان، قدم الإخوان الثقل السياسي لحزب الوفد، وكانوا يخمدون كل انتقاد للحكومة، أمام العامة.
ونتيجة لذلك، وفي الوقت الذي أطيح فيه بالنحاس من السلطة، قويت شوكة الإخوان أكثر من أي وقت مضى، ومنذ خريف 1943، كان يعتقد أن الإخوان المسلمين قد اكتسبوا حيوية جديدة تجلت في حقيقة فرق جولاتهم التي شرعت تستعرض قوتها مرة كل أسبوع على الأقل، «وخضعت لتدريب أولي شبه عسكري»، وخلال عهد حكومة النحاس أنجز البنا في 12 شهرا ما لم يكن يستطيعه في 12 سنة قبل ذلك.
بات «الإخوان المسلمون هم الماكينة السياسية الوحيدة الأكثر تنظيما في مصر، وهو ما جعل منها ظلا مهددا وجاثما على الحياة السياسية في البلاد».