هذه الحالة المتضاربة قد تكون أشغلتنا، ولكن أليس من الممكن أن تكون قد نبهتنا إلى قضايا أرى أنها تتعلق بتواصلنا مع الغير، وتأثير بعضنا على بعض؟ هل حينما نفتح فمنا تخرج فقط الجراثيم المختبئة والتي تنتظر أن تنقض على من أمامنا؟ أليس من الممكن أن تكون هنالك أشياء أو جزيئات أشد ضراوة وشراسة من الفايروسات أو الجراثيم؟ والسؤال هنا: ما هي؟ وأي ضرر يمكن أن يصيبنا منها، سواء أكنا على مسافة قريبة أو بعيدة؟ هل هذه الأقنعة قادرة على حمايتنا من الآخر وما يمكن أن يخرج منه لأذيتنا؟ هل نفكر نحن بما يمكن أن يخرج منا، ولو عن غير قصد، ويؤذي هذا الآخر؟ هل نحن مدركون حقا مدى الأذى الذي يمكن أن ننزله بالآخرين؟
منذ عدة أيام تواصلت معي إحداهن لتطلب شيئا، فوعدتها باللقاء على أن تأتي إلى منزل الوالدة، وأرسلت إليها العنوان وانتظرت، وعندما اقتربت من المكان لم تستطع الوصول إليه رغم كل محاولاتي في شرح كيفيته، فما كان مني إلا أن نزلت إلى الشارع وبدأت بالسير لعل وعسى أرى سيارتها أو تراني هي، وفي الطريق مررت بنسوة مع أطفالهن، وسرعان مع بدأ يشتغل عقلي بالتفكير في كيفية الابتعاد عنهن دون أن يشعرن بالحرج، فبالطبع لم أكن أريدهن أن يعتقدن أنني أرى أطفالهم متسخين أو أنني أفضل منهن وعليّ أن أبتعد حتى لا أقترب منهن أكثر! لكن الذي حدث أنه حالما اقتربت منهن ابتعدن وأفسحن لي الطريق! الذي جرى أنني لم أكن الوحيدة التي كانت تفكر في الابتعاد من أجل الحماية! ثم أكملت الطريق وانعطفت إلى الشارع التالي، ومشيت بعض الوقت متأملة أن أرى من كنت أبحث عنها، وإذا بها تقترب من أول الشارع، فأسرعت إليها، وناولتها ما كانت تريده بسرعة، وتراجعت قليلا إلى الوراء وأنا ما زلت مقابلة لها، حاولت هي الاقتراب مني مادة يدها للمصافحة والسلام! هنا اشتغل عقلي على سرعة مئة واط في الثانية، كيف يمكن ألّا أمد يدي إليها للمصافحة دون أن أجرح مشاعرها؟! هنا أسرعت بالقول: «عزيزتي أنت لديك أطفال، خاصة المولودة التي رُزِقتم بها اليوم ولله الحمد، أخاف عليهم مني، ربما أكون حاملة للفايروس ولا أدري». هنا استردت يدها، وابتسمت وكأنها تذكرت ذلك الأمر أيضا، وعادت إلى سيارتها وهي ما زالت تتمتم بكلمات الشكر والامتنان وتعِد بلقاء قريب بإذن الله.
وفي طريق العودة إلى منزل الوالدة، بدأت الأفكار تتوالى على عقلي، كيف أننا دائما نفكر في حماية أنفسنا من الآخرين، ولكن لا نفكر في حماية الآخرين منا، هل ما قمت به من الأساس كان حماية لها أم حماية لي؟! هل ندرك مدى الضرر الذي قد ننشره عن غير قصد بمجرد أن نفتح أفواهنا؟ هل كل ما يخرج منا قد يكون جراثيم أو فايروسات فقط؟ نفكر في أنفسنا ولا نفكر فيما قد تفعله تصرفاتنا أو كلماتنا! هذا أيضا سوف يمر، كما تقول القصة، وفي اعتقادي أن الحياة سوف تعود إلى سابق عهدها، ليس تماما ولكن بإذن الله ـ تعالى ـ سوف نعود إلى التواصل والاقتراب، عن طريق ضعف الفايروس أو عن طريق التطعيمات، لا أدري، ولكن الذي أعرفه أن دعاء الناس لن يذهب هباءً، وأن الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ونحن إن اقتربنا من الخالق في أي وقت من حياتنا اقترب منا ولا سيّما في هذه المحنة، وهو ـ سبحانه ـ لن يخيب آمالنا فيه، وسيعيد ما سخره لنا حتى نكون خلائف في هذه الأرض، سيعيدنا إلى سابق عهدنا حتى نكمل دورنا في هذه الحياة، وعليه آمل أن نتذكر حينها ليس فقط كيفية التفاعل مع الآخرين، بل أيضا مدى ما يمكن أن نجلب لهم ضررا ما، سواء قصدنا ذلك أم لم نقصده!
في هذا الشهر الفضيل مرت بنا مناسبتان، الأولى عام هجري جديد، والثانية ذكرى نجاة سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ وبني إسرائيل من بطش فرعون وجنوده، فالمناسبة الأولى تعطينا الأمل بأيام قادمة من أيام الرحمن الرحيم، وثقتنا كبيرة في أن الخالق لن يترك عباده دون عون ومساندة للنجاة من بطش هذا الفايروس اللعين، والثانية هي المثال الحي على معجزات الله ـ سبحانه وتعالى ـ في قدرته على إنجاء عباده من بطش فرعون وجنوده، ومع إيماننا القوي بأن الله معنا ولن يحرمنا من فضله، لنتفكر ونتدبر أيضا في قدرتنا على إيذاء الغير والإساءة إليه، بقصد أو عن غير قصد، ولنعمل على إيجاد الطرق التي تحمي الآخرين منا كما نجتهد في إيجاد الطرق لحماية أنفسنا.