عندما استعلنت الأفكار الغنوصية الفارسية من زرادشتية ومزكية ومانوية في الساحة الثقافية، وهي أفكار العالم الفارسي شبه الإقطاعي القديم وانفجرت الأحداث الاجتماعية الحاملة لها كحركة بابك والمقنع، ثم المازيار فيما بعد كان تصدى الفقهاء لها بالتكفير والسلطة بالقتل، وإن كان هذا أمرا طبيعيا في ذلك الإطار، إلا أنه لم يكن كافيا للقضاء على هذه الهجمة الفكرية الثنوية الظلامية، فكان لا بد من المواجهة على ساحة الجدل الفكري المنطقي، وكان المنهج المعتزلي هو أكثر المناهج المؤهلة لهذه المهمة. كانت المعتزلة باكورة الإفرازات الفكرية للحركة الجديدة في المجتمع الإسلامي وتعبيرا عن لحظة من التطور ظهرت فيها ملامح التمايز بين القوى الاجتماعية الاقتصادية الناشئة، وبين القوى القديمة المسيطرة وإن لم يبلغ هذا التمايز درجة الصدام التناحرى بين القديم والجديد، بل ولا حتى درجة التقاطع وإنبتات المصالح ومن هنا تأتي أزمة المعتزلة.

فإذا كانت قد حملت تحت لواء العقل عبء الدافع عن العقيدة ضد الهجمة الثنوية الغنوصية وفرقها المختلفة من الزنادقة والدهريين والحلوليين، فقد انتظرت منهجها العقلي الحجاجي معركة أشد ضراوة مع فقهاء السنة الذين استشعروا الخطر إزاء هذا المنهج نفسه الذي يضع محصولهم الفكري في الدرجة الثانية أو الثالثة من الاستدلال، بل يميل إلى إهدار حجيته إذا تعارض مع حكم العقل تحت ستار التأويل، ولم يتريث المعتزلة للتوفيق بين منهجهم ومنهج الفقهاء بل اندفعوا ضدهم في خصومة عنيفة كانت قوة سلطة الدولة وراءهم فيها، ومن وراء ذلك هيكل قوة اجتماعية لم تستكمل قوتها ولا مؤسساتها، وإن كان طموحها لا تحده حدود فهي ترغب في تدعيم السلطة وتأكيد وحدة الدولة، ولكنها لا تستطيع أن تقوم بجهد مؤثر في ذلك السبيل، من جهة ثانية، فالدولة محتاجة إلى قوى تدعمها ومنها هذه القوة، ولكنها لا تتلاحم معها إلا في الحدود التي تتيحها الأطر البيروقراطية من ناحية، وفي إطار المفهوم الأبوي لسلطة تستمد شرعيتها من الدين والأسرة المقدسة من الناحية الأخرى. لقد تبنت السلطة مذهب الاعتزال في إطار خطة واسعة للتحديث الثقافي، وإلى جانب ذلك عملت على تدعيم ترجمة الفلسفة اليونانية لتصير المحور الثاني في المشروع الثقافي لها، ومن الواضح أن المحورين، المعتزلة، وترجمة آثار فلاسفة اليونان يتساندان في المنحى العقلي من ناحية ويتضادان اتجاه «النقل» القديم من ناحية أخرى.

وإذا كان الجهد الإبداعي على محور الفلسفة قد تأخرت ثماره، إلا أن اتجاه الاعتزال كان قائما بالفعل في ساحة الصراع الفكري منذ زمن بعيد قبل أن تتبناه الدولة، لذلك فقد تلقى صدمة الهجوم الأولى وملأت أعلامه الساحة ربما بشكل أكثر اتساعا من حقيقة قوة الجذور الاجتماعية التي يعبر عنها العلاف والغزال والنظام والشحام... إلخ، والتي يرهصون بحركتها، بل عندما اندفعت المعتزلة تفرض مذهبها بقوة الدولة، فإنها كانت تبتعد أكثر فأكثر عن هذه الجذور، سابقة حركة جذورها الاجتماعية أو بالأحرى سابقة لمدى تلاؤم هذه الحركة ومصالح السلطة المركزية في الدولة التي يزداد تلاحم الفكر المعتزلي معها، وهنا تصدق مقولة الدكتور الجابري «إن المطامح السياسية والاجتماعية التي تعبر عنها أيديولوجية معينة كثيرا ما تكوم متقدمة أو متخلفة ليس فقط عن المادة المعرفية التي توظفها بل أيضا عن لحظة التطور الاجتماعي التي تظهر فيها»، ولقد تعجلت المعتزلة الصدام مع قوى الفكر القديم،وذهبت فيه إلى مدى أبعد بكثير مما تستطيع القوى الاجتماعية الجديدة أن تقوم به في مواجهة المصالح القديمة.


وسرعان ما جاء الانقلاب السني على المعتزلة مؤذنا بتغلب القوى القديمة اجتماعيا وسيادة أيديولوجيتها فكريا، ومشيرا إلى هشاشة القوى الجديدة وعدم تماسكها وكذا مع مضي الوحدة السياسية للدولة في التفكك والتحلل – تحت ضغوط القوى صاحبة المصلحة الاتجاهات شبه الإقطاعية، والتجارة المحلية الوسيطة – سلط فقه النقل سيف الاتهام بالزيغ عن العقيدة الصحيحة على غريمه القديم وعلى الامتداد الحديث لفكر «العقل» وهو الفلسفة الناشئة التي بدأت تراجع طريق الاعتزال وتطوره.

وإذا كانت المعتزلة قد استهدفت القطع بخطابها العقلي مع الخطاب النقلي للفقهاء – على الرغم من عدم حسم الصراع بين التوجهين الاقتصادي والاجتماعي في الحركة الاجتماعية – فإن الفلسفة قد اتجهت منذ البداية إلى محاولة التوفيق بين طريقي النقل والعقل أو بين الشرع والحكمة وإن لم يعفها ذلك من اتهام الفقهاء بالضلال. لقد كانت الفلسفة بقية فكر فشلت ركائزه الاجتماعية في تحقيق مشروعها.

لقد خاضت الفلسفة في أولى خطوات انبثاقها عن الاعتزال هذه المعركة الضارية أيضا، وقد حاولت أن ترد الاتهام العنيف بالحدة القديمة نفسها على لسان الكندي الذي يعلل هجوم المتزمتين على الفلسفة بكونه «ذبَّا عن كراسيهم المزورة التي نصبوها من غير استحقاق للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين لأن من تاجر بشيء باعه ومن باع شيئا: لم يكن له فمن تجر بالدين لم يكن له دين! ويحق أن يتعرى من الدين من عاند قنية علم الأشياء بحقائقها (يريد الفلسفة) وسماها كفراً».

كان الكندي حلقة الوصل بين الاعتزال والفلسفة لذلك كانت فيه هذه الحدة الوراثية، كما أن الاتجاهات الاجتماعية على زمنه لم تكن قد بلغت مرحلة اليأس التام من تحقيق طموحها في إطار سلطة الدولة، أما عندما جاء خليفته أبو نصر الفارابي، فقد كانت تبحث عن صيغة أخرى لدولة يكون لها دور فيها خارج صيغة السلطة الأبوية للخلافة العباسية، وحينئذ نرى تجربتين أولاهما، على الصعيد العملي وهي تجربة محاولة الدولة القرمطية في الأحساء وهجر والبحرين، وثانيتهما، على الصعيد الفكري وهي مدينة الفارابي الفاضلة، وبين التجربتين رباط وثيق من الفشل، فلا تجربة القرامطة استطاعت أن تتحول إلى دولة مستقرة، ولا تجربة الفارابي استطاعت أن تجد تطبيقا، شأنها شأن اليوتيوبيا دائماً.

وفي أثناء هذا الفوران الاجتماعي والفكري ولد أبو الطيب المتنبي ومات 303 – 354 هـ /‏ 915 – 965م وكذلك صاح بالوساطة القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني.

* 1986

* باحث وأكاديمي مصري « -1947 1995»