تلك نهضة مباركة نحييها تحية تخرج من أعماق قلوبنا المتعطشة لكل شيء جميل. بيد أنه يحسن بنا وقد شحذنا عزيمتنا على الخوض في تاريخ التمثيل في فرنسا أن نقول، إن الفرق كبير بين حالة التمثيل في ديارنا، وفي فرنسا وليس فيما نقوله ما يدعو لليأس والقنوط، إذ الفرق كبير أيضا بين حالة التمثيل في مصر قبل وفود أبيض وبعد وفوده، فنحن نسير على سنة الارتقاء ومن سار على الدرب وصل. لو نظرنا إلى حالة التمثيل في فرنسا لوجدنا بباريس ما يزيد على ثلاثين دارا للتمثيل، يمثل بها التراجيدي والكوميدي والكوميدي دراماتيك والفودفيل والأوبرا والأوبريت والأوبرا كوميك، نخص بالذكر منها دار الكوميدي فرانسيز ودار الأوبرا ودار الأوبار كوميك ودار الأديون ودار البرت سان مارتان ودار الرئيسانس ودار سارة برنار ودار الفودفيل ودار الفاريتيه ودار البرت باريزيان ودار الاتينيه. هذه هي الدور الشهيرة التي تخرج لفرنسا بل للعالم أجمع في كل عام نخب أعمال الكتاب في فرنسا. أما حياة الكتاب هناك فلا تقل عن حياة الوزراء، فإليهم يرحل مديرو الدور التمثيلية ولهم حق السيطرة على التجارب وانتخاب الممثلين الأكفاء لرواياتهم. وفي باريس عدة مجلات أسبوعية خصيصة بالتمثيل، نخص بالذكر منها مجلة التياترو ومجلة كوميديا المصورة وبها جريدة كوميديا اليومية التي لا تكتب إلا عن التمثيل. أما الجرائد والمجلات الأخرى التي تبحث في مواضيع لا علاقة لها بالتمثيل فهي تفرد للتمثيل في صفحاتها بابا خاصا به. وللنقد هناك مكانة غير مكانته في مصر، فالنقاد لا يتعرضون للشخصيات، وهم في ديارهم مبجلون محترمون. أما الممثل القادر فهو في نظر الأوروبي كالوزير القادر وللمناظر والملابس التي يعدها المديرون الساعد الأقوى لجلب الجمهور إلى دورهم التمثيلية، أهمية كبرى في نظرهم، هذه هي حالة التمثيل في فرنسا في عصرنا الحاضر فهل كانت حالته كذلك من يوم نشأته؟ هذا ما نريد البحث عنه في عدة مقالات سنكتبها على صفحات السفور نقول: إن التمثيل في فرنسا قد بلغ أوجه اليوم ولكنه لم يكن كذلك يوم نشأته، وما نشأ التمثيل في فرنسا إلا في الكنيسة بين الصلوات والدعوات، والكنيسة هي بيت الله الذي يذهب إليه كل مسيحى ليقضى فيه أحسن أوقات حياته معزيا نفسه وآملا في عفو الله. وكانت الصلاة في ذلك العهد مكونة من مناجاة (منولوجات) ومحاورات (ديالوجات) دينية تؤثر في نفوس السامعين. ومن شروط التمثيل كما نعلم التأثير في نفوس السامعين، فلما رأى رجال الدين ذلك اقتبسوا من الكتاب المقدس قصصا قاموا بتمثيلها في الكنيسة بين صلواتهم، وهذه القصص هي ما يسميه رجال تاريخ الفن في فرنسا بالدراما الدينية (درام ليترجيك) وكانت تكتب باللغة اللاتينية نثرا، ويراعى فيها عدم التنحي عن الأصل في الكتاب المقدس، ولا أقصد بتمثيل هذه القصص بناء مسرح ذي ستائر ومناظر، ولكني أقصد بذلك إلقاء هذه القصص بشكل تمثيلي يؤثر في نفس السامع.
لم تبق هذه الحالة طويلا فأبدل الأفرنسيون لغة قصصهم الدينية بلغتهم الأفرنسية التي لم تكن قد تكونت تماما في ذلك العهد بل كانت كاللغة العامية في بلادنا المصرية، ثم ضاقت بعددهم الكنيسة فخرجوا برواياتهم من الكنيسة إلى الساحة العمومية، وما تلك الساحة غير الميدان الكبير الموجود أمام باب الكنيسة.