عنوان المقال يمثل أحد وجهي معادلة تطبيق القانون، تلك المعادلة التي قدّمتها الفلسفة وعلم الاجتماع، تاريخيا، على هيئة تساؤلات مفادها: هل علينا إطاعة القانون لذاته، بعيدا عن رأينا فيه، وعن مدى قدرته على تحقيق ما نريده منه؟ أم أن القانون ينبغي أن يفرض بالقوة على الشعب، بعيدا عن رضاهم من عدمه؟.

السؤال الفلسفي في هذا الشأن، والذي ظل، في تقديري، مفتوحا إلى اليوم يتكون من شقين، هما:

أولا: ما الذي يحملنا على طاعة القوانين؟ وهل لنا حق عدم الانصياع لها، إذا قدّرنا أنها ليست عادلة؟.

ثانيا: ما هي الآلية التي نستطيع بواسطتها تغيير القوانين التي نرى أننا لسنا مقتنعين بمضامينها، أو أنها لا تلبي طموحاتنا؟.

حول هذه الأسئلة، دارت محاورة كريتون، ضمن (محاورات أفلاطون).. كان كريتون هذا صديقا لسقراط، وأحد تلاميذه، وكان مكان المحاورة سجن أثينا، حيث يقيم سقراط، انتظارا لتنفيذ حكم الإعدام الذي قررته عليه محكمة أثينا.

تقوم محاورة كريتون على عرض وجهي معادلة تطبيق القانون، وإبداء الأسباب والحيثيات التي تؤيد هذا الوجه أو ذاك، كريتون لا يرى بأسا في عصيان القوانين، إذا قدّر الإنسان أنها جائرة إلى درجة إلحاق الضرر البالغ فيه إذا أطاعها، بينما تُعبِّر رؤية سقراط عن رفضٍ مطلق للالتفاف على القوانين وعصيانها، بصفة ذلك خيانة الواجب، وانقلابا على مبادئ وقيم المجتمع والدولة.

كريتون كان صاحب مالٍ وفير، وذا حظوة عند مأموري السجن، وكان يستطيع أن يدبر خروج سقراط من السجن بسهولة، لكن مشكلته العويصة كانت تتمثل في كيفية إقناع سقراط بالموافقة على الهرب، ومن ثم النجاة من حكم الإعدام. وفعلا، تسلل إلى السجن ووصل إلى سقراط في زنزانته، وبدأ في تقديم جملة من الضمانات المادية التي تؤمن له هربا آمنا من السجن، وفي نفس الوقت، قدم له جملة من الحجج لإقناعه بصواب فعله، وأن عليه ألا يخضع لقانون يريد إعدامه، إلا أنه فشل في مسعاه، فلم تقنع حججه سقراطَ في التنصل من حكم القانون، إذ كان متشبثا بضرورة طاعة الدولة واحترام قوانينها، حتّى وإن كانت النتيجة إعدامه.

تقوم حجج سقراط، في جانب كبير منها، على أن على الإنسان أن يطيع القوانين، بحكم أن بينه وبينها عقدا يجب الوفاء به، ففي المحاورة، يتخيل أفلاطون حوارا بين سقراط من جهة، والقوانين من جهة أخرى، تقوم فيه القوانين بتذكير سقراط بأن بينه وبينها عقداً يُلزمِه بطاعتها، والامتثال لها، والالتزام بأحكامها، وإن كلّفه ذلك حياته.

كريتون من جانبه يرى رأي سقراط في أن بين مواطني أثينا ودولتهم عقدا ضمنيا يوجب عليهم طاعتها، إلا أنه يخالفه في أن المواطن ينبغي ألا يظل ملتزما بطاعة قوانين غير عادلة، خاصة إذا كان في طاعتها خطر على حياته، كما هي حال سقراط، رأي كريتون هذا تصدى له سقراط في المحاورة على لسان القوانين نفسها، ليؤكد عدالة العقد الذي يربطه بالدولة، ومن ثمّ طابعه الإلزامي الذي يجعله غير قادر على التنصل منه.

لقد بقيت لك التساؤلات مفتوحة على مر تاريخ الفلسفة وعلم الاجتماع، إذ يبدو أنه لا حسم نهائيا في شأنها، ومن ثم، لا مناص من الاستعانة بالتاريخ السياسي، ليكون شاهدا لهذه أو تلك، فماذا يقول التاريخ؟.

ينبئنا التاريخ السياسي للأمم والشعوب أن الإنسان أمْيلُ إلى التمرد، وأقرب إلى الشر منه إلى الخير، وأنه ما إن يُقدِّر تراخي قبضة الدولة حتى يظهر التوحش الكامن فيه بالضرورة. يقول ابن خلدون في (المقدمة): «.. ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض، فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه فقد امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع». وهي نفس الرؤية التي يراها أحد أبرز فلاسفة القرن السابع عشر (توماس هوبز)، عندما أنكر فكرة الاجتماع الطوعي الإنساني بقوله: إن الإنسان ليس كائناً اجتماعياً بطبعه. وهو مطبوع على حب الذات والأنانية، نتيجة فساد تكويني طبيعي فيه، ولذلك، فأفعاله مدفوعة بمصلحته الشخصية، وهو يميل نحو حياة الأنانية، وليس نحو الاجتماع، لأنه في طبعة شرير ومتوحش.

من جهة أخرى، نحن نتداول في سياقنا الثقافي العربي الإسلامي مقولة تراثية تقول «إن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن»، بمعنى أن الشعوب لا بد وأن تُساسَ بقوة الدولة، لا بمجرد الوعظ والإرشاد.

هل ذلك يعني التخلي عن مبدأ «الانقياد التلقائي للقانون»؟

لا، بل إن هناك وجها ثالثا للمعادلة، وجهٌ يجمع بين حسنها ويدفع سيئها، ألا وهو تربية النشء على احترام القوانين، وأن احترامها فرع من احترام الفرد لعقد التزم به ضمنيا، ولا ينقض العقود والعهود إلا غير المتحضرين. وأن احترام الفرد للقوانين يعود بالنفع المادي والمعنوي عليه وعلى أسرته وعلى الناس أجمعين. على أن توجه تلك التربية المتوخاة إلى المتلقين كخطاب تعليمي عام مستمر، خطاب يواصل طَرْقَ مفردات التربية القانونية على الوعي المجتمعي حتى تتحول لاحقا إلى لاوعيهم، لتكون سلوكا تلقائيا، في جانب من سلوك الناس على الأقل. وبنفس الوقت، لا مناص من سلطة قوية تحتكر العنف، وتفرض الانصياع للقوانين، بمعاقبة من يخرج عليها، وبحيث يكون القانون، كما هي مقولة فيلسوف القانون (مونتسكيو، توفي عام 1755):«مثل الموت الذي لا يستثني أحدا».