بعد كل هذا (الإسلام الأمريكي المتطرف) الذي انقلب عليها بعد أن استثمرته في حروبها ضد كل دولة لا تؤمن بالقيم الرأسمالية وفق المعنى (البيوريتاني/المسيحي المتطرف) للمهاجرين الأوائل المضاد لكل قيم عصر الأنوار الأوروبية، فحتى عام 1940 تم طرد برتراند رسل، الفيلسوف البريطاني، من عمله في جامعة نيويورك كمحاضر فيها بقرار قضائي أمريكي، وفي التفاصيل تظهر أصابع التطرف المسيحي، فالإسلاميون هم الوجه المتناغم مع الواقع البنيوي للتطرف المسيحي الأمريكي، فكلاهما نسق أيديولوجي واحد، وها هي أمريكا تعود للعالم العربي من جديد باستراتيجية بدأت تتضح يوما بعد يوم منذ ما سمي الربيع العربي، وهنا أضطر لاقتباس مهم جدا في تعرية التوجه الأمريكي تجاه الدول العربية، حيث أورد (باتريك هايني/باحث سويسري) في كتابه (إسلام السوق) ما نصه: (هناك سياسة إسلامية جديدة للولايات المتحدة، فلا بد من الانتصار في «حرب الأفكار» ولأجل ذلك يجب التأثير، ليس فقط على المجتمعات المسلمة، ولكن على الإسلام نفسه من خلال دعم إنشاء فضاء سياسي يمكن للمعتدلين ــ حسب وجهة النظر الأمريكية ــ فيه أن يعبروا عن أنفسهم، ويقصد بهم المفكرون الإصلاحيون المرتبطون بالصوفية والإخوان المسلمين بشكل خاص، فالولايات المتحدة بدأت تجد لدى الإسلام السياسي أكثر من مجرد تحالفات تكتيكية أو ظرفية ــ إلى أن يقول ــ وهذا يفسر ازدياد اللقاءات بين كل من مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي وممثلين عن الكونغرس الأمريكي وبين الإسلامويين، هذا يفسر أيضا الموقف غير المتوقع لسفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في المغرب التي تدخلت شخصيا لمنع حل حزب العدالة والتنمية الإسلامي عشية اعتداءات 16 مايو 2003 ــ تفجيرات الدار البيضاء ــ وتدخل خلفها الذي فرض في شهر أغسطس تأجيل محاكمة نادية ياسين ـــ كريمة المرشد العام لجماعة العدل والإحسان المغربية ــ التي تجرأت على القول إن النظام الملكي لا يناسب المغرب) ثم يقول في موضع آخر: (إسلام السوق المتحول إلى فضائل السوق والشأن الخاص وإلى قضية الحد الأدنى من الدولة، يظهر الآن بوصفه الشريك المثالي للأمريكيين ليس فقط في سياستهم الشرق أوسطية، ولكن أيضا في صراع الحداثة التي تواجهها أمريكا مع عصر الأنوار الأوروبية، ومع منطق العلمانية والدولتية، لقد تنبأ «توماس هوبز» منذ زمن بعيد بزمن الحروب الجديدة التي ستكون حروبا فلسفية، ويبدو أن التاريخ يتجه إلى تأكيد ذلك، ففي مواجهة جيوبوليتيكا صراع الحضارات، ما زال ممكنا استشفاف هوية الحلفاء الفعليين داخلها) انتهى.
فعندما تقوم المملكة العربية السعودية على المستوى الشعبي وبقرار من ولي العهد بالقضاء على الصحوة فإنها بمعنى آخر ووفق المعطى الذي يظهر يوما بعد يوم تقضي على الذراع الأمريكية لتحريك الداخل السعودي، فكلنا يعلم أن رموز الصحوة قد بدأوا يغازلون ليس أمريكا وحدها بل المنظومة الغربية برمتها عبر اللقاء في إحدى الصحف الغربية التي تحدث فيها أحد الرموز الكبيرة للصحوة في السعودية عن موقفه (المعتدل والديمقراطي) من كل شيء حتى من (الشواذ/المثليين)!؟!!، ثم خرج بعد أن ظن اللقاء سيبقى في إطار فضائه الغربي وليس العربي، ليعود ويبرر لأتباع الداخل دون أن يغضب حلفاء الخارج، لندرك (متأخرين) أن خالد الفيصل كأمير ومواطن، وغازي القصيبي كوزير ومواطن، قد سبقا عصرهما إذ استشرفا هؤلاء الخمينيين الصغار قبل أن يكبروا في وسائل التواصل.
النظام الملكي السعودي هو نظام منبثق من طبيعة جزيرة العرب ذات الانتماءات القبلية والعشائرية المعقدة التي لا يقبل أي مواطن مخلص لوطنه وقيادته أن تكون عرضة لتجارب أمريكا في الديمقراطية الكاذبة الخاطئة، والتي يريدون فرضها عبر عملائهم في المنطقة (تركيا وأذنابها من دول صغيرة، والإخوان المسلمين وأذنابهم من كوادر متلونة). مقتل خاشقجي قضية جنائية لا شك في ذلك، ووضعها في إطار سياسي تستخدمه أمريكا لهز الكيان السعودي لتمرير تجاربها الديمقراطية وضع لا يقبله أي سعودي يحمل بداخله نزعة وطنية قومية تليق بهذه الوحدة السياسية العظيمة التي حققها أجداده، بقيادة عبدالعزيز زعيما وإماما في معركة استعادة الإرث الممتد لثلاثة قرون، ثم حاكما وسلطانا في معركة التوحيد السياسي، ثم ملكا في معركة البناء والتنمية، وفق تسمية استقرت بالموافقة الملكية على ما اقترحه المواطنون أنفسهم (المملكة العربية السعودية). ولهذا فالمواطنون يقفون مع كيانهم وروح وجودهم السياسي بين دول العالم (المملكة العربية السعودية) ضد أي مساومات تمارسها أمريكا التي لا نعرفها منذ أن وضعت يدها بيد الإرهابيين منذ ما سمي الجهاد الأفغاني وحتى الآن، الفرق أنها طلبت من منظري الإخوان المسلمين الإرهابيين أن يهذبوا أجندتهم لتصبح على شكل أجندة (حزب إسلامي ديمقراطي مدني) ليتم استدماجهم من جديد في جهاز الاستخبارات الأمريكية كعملاء جدد لتحريك الشارع الإسلامي من إندونيسيا وحتى موريتانيا، ليس الكاتب من أصحاب (نظرية المؤامرة) نهائيا، وليس من أتباع (شيطنة أمريكا)، لكن كل ما يؤدي للمساس بأمن وطمأنينة ما يزيد عن ثلاثين مليون مواطن عبر (افتعال) طرق (معالجة أمريكية) لقضايانا فهو غير مقبول، لسنا كاملين ونسمع النصيحة والرأي من الصديق الأمين، ومشوارنا في معالجة قضايانا أسرع وأقوى وأكثر شبابا وحيوية من معالجة أمريكا لقضاياها البنيوية المزمنة منذ نشوئها وحتى الآن، والتي أدت إلى مقتل جورج فلويد وصولا إلى اقتحام الكونجرس ليلقى ثلاثة حتفهم، إضافة إلى مقتل امرأة بالرصاص، كحالة أشبه بالصدمة والعار، مع احترامنا للقيم الأمريكية الحقيقية والتي على رأسها (احترام العلاقات الإستراتيجية الطويلة الأمد).