يجب الاحتفال كل يوم بالمرأة لما لها من دور هام وحيوي في تأسيس الأسرة وبنائها، ومع ذلك حينما يخصص يوم لنحتفل بإنجازاتها، نكون قد قدمنا الاعتراف بشجاعتها في كسر الصور النمطية التي طالما حاصرتها، وقيدت فاعليتها في المشاركة في عجلة النمو منذ القدم، نحتفل في مثل هذا اليوم بخروج نساء قويات، عملن على تمهيد الطريق لكل من كنّ في زمنهن ومن سيأتين بعدهن، ولهذا فإن الموضوع الذي تم اختياره ليكون شعار احتفال هذا العام هو «اختر أن تتحدى» والذي يعني أن كل فرد مسؤول، سواء كان سلبيا أو إيجابيا في اختياراته فيما يخص التغيير، فالتغيير يأتي من التحدي، تحدي الوضع القائم والذي ما زال يضع العقبات في طريق نمو وتطور المرأة، نتيجة طرق تفكير محصورة في مبادئ بنيت على مغالطات، استخدمت في زمن ما للتحكم والسيطرة، واليوم ندرك أن العالم المليء بالتحديات هو عالم يقظ ومن التحدي يأتي التغيير، لأنه يدفع إلى التفكير والحركة، وهذه الحركة يجب أن تشمل الجميع، فمعًا يمكننا إنشاء عالم يحتوي الجميع. لقد أثرت الجائحة في جميع الشرائح في المجتمعات، ولكن التأثير الأكبر كان في النساء بشكل قاسٍ، من خسارة في موارد الرزق إلى التعرض للعنف الأسري والذي رصد ارتفاع نسبه عالميا، خاصة في فترات الحجر!. اليوم العالمي للمرأة هو فرصة للاعتراف بالتحديات المعقدة، التي تواجهها النساء ذوات الدخل المنخفض أو دون دخل، والنساء ذوات الإعاقة، والخيارات المحدودة، والوقوف في شراكة معهن، ولكن لسوء حظنا كنساء أن يتواجد بيننا من تعتقد بما أنها تعيش حياة مرفهة أو لنقل مريحة فهذا يعني أن بقية نساء العالم لا يعانين، فهن يشعرن أنه بما أنهن لم يتعرضن للتمييز أو المضايقة، أو يواجهن عوائق منهجية تحول دون نجاحهن، وينتقصن من كل الفعاليات التي تقام من أجل توعية وتمكين المرأة. ولهذا فإن القضايا التي تتعلق بالمرأة بالنسبة إليهن، لا ترتقي إلى مشاكل تحتاج كل هذا الاهتمام والضجة، بل إن هنالك من لا يرى أي فجوة بين الجنسين في المجتمع، وآخرون يرون أن الجهود التي يبذلها الأفراد ليست كافية، وعليه لا يمكن إحداث أي تغيير في الفجوة، فلِمَ إضاعة الوقت والجهد؟!. بمعنى أن السلبية لها مكانتها لدى الكثيرين، ويضنّون بأي تحرك في هذا الاتجاه لأنه في نظرهم هنالك أمور أهم تستدعي التحرك قبل الالتفات إلى عالم المرأة!. هنا ندرك أهمية الشعار «اختر أن تتحدى»، لمثل هؤلاء نحتاج أن نقف معا كي نساعدهم على رؤية الوضع على حقيقته، لأن ما يدركونه من خلال تجاربهم وخبراتهم ليس تجربة جميع النساء!. لكن للموضوعية فإن العداء والرفض ليس لمجرد العداء والرفض، بل لعدم وجود المعلومات الكافية حتى تتضح لهم الصورة، ومن هنا تكمن أهمية التوعية لجعل المجتمع يدرك أنه على كل فرد العمل بشكل مختلف، بحيث يساهم في التوعية من حيث المشاركة بالمعلومات الموثقة، أو من حيث خلق فرص التدريب والتطوير لقدرات المرأة في المجتمع، كل حسب ثقافته وإمكانياته ودرجة الفرص المتاحة أمامه، للمساهمة في التغيير نحو مستقبل أفضل للجميع.
اليوم العالمي للمرأة لهذا العام والذي يأتي في خضم أحداث غير عادية، مع بدء البلدان والمجتمعات في التعافي ببطء من جائحة شرسة، سلبت الأرواح ودمرت علاقات وشردت أسرا، وقضت على مصادر الرزق للملايين من الناس، بل هزت اقتصادات دول منها كبرى. يذكرنا هذا اليوم بأنه لدينا أيضا الفرصة لإنهاء إقصاء وتهميش النساء، رغم جميع التحديات الأخرى، لكن للقيام بذلك نحتاج لإجراءات فورية، يجب أن تتاح للمرأة الفرص لتلعب دورا كاملا في تشكيل القرارات المحورية، التي يتم اتخاذها في الوقت الحالي، حيث تعمل الآن البلدان على بناء وتخطيط إستراتيجيات للتعافي من آثار الجائحة، وهي خطوات محورية سوف تؤثر في رفاهية الناس ليس في بدلناهم فحسب، بل أيضا في مجمل هذه الأرض وللأجيال القادمة. وللقيام بذلك، يجب علينا كسر الحواجز التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية العميقة الجذور، التي تمنع النساء من شغل مقعدهن على طاولة صنع القرار، للتأكد من أن الموارد والصلاحيات توزع بشكل أكثر إنصافًا. وللأسف، لا تزال المرأة تواجه حواجز ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة، تحول دون وصولها إلى مراكز القيادة، نعم تمت الإشادة بالقيادات النسائية على أدوارهن في الاستجابة للجائحة، كمشتركات في المجال الصحي، ومقدمات الرعاية، وباحثات في المجال العلمي والطبي، ومحدثات مبادرات وفاعليات إنسانية، لكنهن ما زلن ممثلات تمثيلاً ناقصًا في مراكز صنع القرار! والذي يثلج الصدر أن تسمع بندوات ومبادرات من المؤسسات الأكاديمية، كجامعة الأميرة نورة كعادتها بالمشاركة بهذا اليوم من كل عام، في تحديد فاعلية أكاديمية تخص تمكين المرأة، وكذلك أكاديمية الحوار الوطني أطلقت قبل يوم دبلوم «تمكين القيادات النسائية» حيث تم تسجيل 164 مرشحة من 88 جهة رسمية، والذي يعتبر دبلوما تأهيليا متخصصا يعمل على تطوير مهارات القيادات النسائية من الصف الثاني، لتمكينهن من مهارات التواصل والحوار القيادي وصقل خبراتهن ومنحهن فرصة التألق.
ببساطة لا يمكننا العودة إلى العالم الذي كنا نعيش فيه قبل الجائحة، ويتحتم علينا أن نواجه ونفعل التحديات، التي أفرزتها الفترة الماضية، وأن نعيش بشكل مختلف، وهذا يعني إزالة الحواجز التي تعيق جودة الحياة بالنسبة للنساء، حتى تتمكن المتميزات منهن من المهارات والخبرات المختلفة، ومن المشاركة في إعادة بناء المجتمعات بشكل أفضل يخدم الجميع، والأمر ليس بغريب أو لنقل ليس بمستغرب، فقد رأينا قدوات من بينهن من استلمن مراكز قيادية مثل رئيسة ووكيلة جامعات، وعميدات كليات، ورئيسات أقسام، ومديرات موارد بشرية، ووكيلات وزارة وسفيرات، وأعضاء لجان خبراء ومستشارين.
لنتذكر في يوم المرأة العالمي أنه طالما أن هنالك امرأة واحدة، تواجه التمييز أو التحرش أو عدم المساواة أو الاضطهاد، أو الحرمان من فرص القيادة، فإننا جميعًا نواجه ذلك! لأنه في بعض الأحيان نحتاج أن نتذكر أننا لسنا وحدنا على هذه الأرض، وأننا لسنا الوحيدين ممن يستطيع أن يدير عجلة التنمية في المجتمع والوطن وجميع مؤسساته.