خاضت الروائية وكاتبة السيناريو الأسترالية كوري تايلر، غمار تجربة الموت بكل تفاصيلها المؤلمة، فرسمت صورًا بالكلمات تجعلنا نرى ما رأته، حسب تعبيرها، في هذا الكتاب الصغير بفصوله الثلاثة، والكبير بما يختزنه من تجارب إنسانية ثرية، يمتزج فيها تأمل تجربة الموت بتقاطاعات السيرة الشخصية والأسرية، وأسئلة الحياة المصيرية، وفقا لمترجم الكتاب الشاعر والكاتب السعودي عبد الوهاب أبو زيد.

مليمتر واحد

أحد الأسباب التي دفعت تايلر للكتابة هو محاربة «الصمت المتوحش» الذي يعيشه معظمنا إزاء الموت، إذ أن أغلبنا يتحاشى ذكره، ويتعامل معه باعتباره شيئًا يحدث للآخرين فقط وليس «لنا» نحن، رغم أننا وعلى الدوام على بعد «مليمتر واحد» دائمًا وأبدًا منه. ولهذا المليمتر الواحد حكاية، يحسن بكم أن تسمعوها من مؤلفة الكتاب نفسها، كما يقول أبو زيد موضحا: يمكن للمرء أن ينتصر في كل معارك الحياة سوى معركة واحدة، هي معركته مع الموت، فانتصار الموت حتميٌّ وهزيمة الإنسان محسومة إزاءه. ومن سعادة الإنسان «إن كان ثمة سعادة يمكن التفكير فيها في هذا السياق» وشقائه معًا أنه لا يعرف أبدًا وعلى وجه التحديد متى يطرق الموت بابه، لينتقل من مملكة الوجود إلى مملكة العدم.

قاطرة الحياة

يستشهد مترجم كتاب «في معنى الموت» الشاعر والكاتب عبد الوهاب أبو زيد، ببعض الأمثلة الشهيرة من النصوص والكتاب والشعراء، الذين خاضوا هذه التجربة وعبّروا عنها بنصوص خلّدت أسماءهم، ليس بدءًا من مالك بن الريب حين رثى نفسه، ولا انتهاء بمحمود درويش حين روى تجربته مع الموت، الذي عاد منه في جداريته الشهيرة.

ويذهب أبو زيد إلى أنه في حالات استثنائية قليلة، يصبح بوسع الإنسان أن يعرف على وجه التأكيد والقطع والجزم «كحالة المحكومين بالإعدام مثلًا» أو على سبيل التقريب والتخمين والتقدير «كحالة المصابين بمرض عضال لا يُرجى الشفاء منه»، الموعدَ الذي يصل فيه الموت إليه، ليحين موعد ترجُّله عن قاطرة الحياة التي تمضي، ولا تتوقف لأحد ولا تبطيء من سرعتها .

وعلى الرغم من أن وعي الإنسان بالموت، حاضر بشكل دائم في وعيه، أو في لاوعيه، في سياق حياته الاعتيادية، إلا أن ذلك الوعي يتضاعف ويصبح أكثر حدة حين يعرف المرء، الموعد الذي ضربه له الموت للقاء به.

القدرة على التعبير

إصابة تايلر بالسرطان واكتشافها المتأخر لذلك، دفعها للتأمل في حالة شريحة غير قليلة من المحتضرين، الذين يعيشون بيننا دون أن نراهم، والذين لن يعرفهم إلا من يزور أقسام الأورام في المستشفيات الكبرى، لأنهم يؤثرون الصمت أو لا يملكون القدرة على التعبير والكتابة، أو ربما يتحاشونها لأن فيها مواجهة مع الذات يتجنبها الكثيرون.

ويتابع أبو زيد مفصلا تفاصيل الكتاب: كانت تايلر، كما تقول هي عن نفسها، تسعى لأن تصنع «شكلًا لموتها»، ليتمكن الآخرون من رؤيته بوضوح، ولتجعل من الموت أمرًا ممكن الاحتمال بالنسبة لها. وكان لموتها البطيء ميزة وحيدة، كما تعبّر، وهو أن «لديك الكثير من الوقت للكلام، لتخبر الناس كيف تشعر، لتحاول أن تفهم الأمر برمته، عن الحياة التي على وشك الانقضاء، لك أنت ولأولئك الذين يبقون بعدك على حد سواء».

سيرة كل كاتب

يروي أبو زيد في مقدمته للكتاب، أن تايلر كانت أمام مفترق طرق أخير في حياتها، وكانت في حيرة من أمرها أمام خيارين «أحلاهما مرّ»، كما يقول أبوفراس الحمداني، فإما أن تنتظر وصول «الموت البطيء» إليها، مع كل ما قد يصحب ذلك، من آلام وتدهور في الصحة، وخَوَرِ الجسد وضعفه، وربما عجزه التام، وإما أن تأخذ الأمر بيدها، وتمشي هي صوب الموت، بدل أن تنتظر وصوله إليها، وهو خيار كادت كفته ترجح لديها، لولا اعتبارات قانونية رسمية، لا تتيح لها ذلك في بلدها، وأخرى إنسانية، بل أسرية على وجه التحديد، تتعلق بأثر ذلك وتأثيره على أفراد أسرتها، وبخاصة زوجها وولديها. الكتاب، إذن، هو حكايتها مع الموت الذي لم يمهلها طويلًا، لتفرح به وبردود الأفعال والكتابات الإيجابية الكثيرة.

العنوان الأصلي

عبد الوهاب أبو زيد الذي خاض غمار تجربة ترجمة العديد من الأعمال الإبداعية، أشار إلى أنه أباح لنفسه التصرف قليلًا، في ترجمة عنوان الكتاب الأصلي Dying وترجمته الحرفية «الموت» أو «الاحتضار» إلى «في معنى أن نموت» لسببين هما، أولًا: أن ذلك مما هو «مباح» وجرى العرف باتباعه في كثير من الأحيان، وثانيًا: أن وَقْعَ وإيقاع وإيحاء العنوان الذي اخترته أقوى وأثبت في السمع والوجدان، أو هكذا أحسبُ. وختم بقوله: لعلَّ القارئَ الكريم يوافقني الرأي، وإن لم يكن ذلك كذلك، فيظلُّ هذا الأمر اجتهادًا مني، أتحمل وحدي تبعاته كافة.

عبدالوهاب خليل أبو زيد

- ولد في الأحساء 1970م

- تخرج في جامعة الملك فيصل عام 1994 قسم اللغة الإنجليزية.

- عمل في التدريس ما بين عامي 1995-2010.

- يعمل حاليًا في إدارة العلاقات العامة، قسم النشر،أرامكو السعودية.

- عمل محررًا ثقافيًا منذ 1999 حتى 2016.

- يكتب زاوية أسبوعية في جريدة الشرق.

- له اهتمام بترجمة النصوص الإبداعية عن اللغة الإنجليزية.