لا يخلو أي حديثٍ لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد -حفظه الله- من شجونٍ متعددة تأخذ ردات فعل واسعة ومتباينة، غير أن لقاء سموه الأخير مع التلفزيون السعودي، والذي قدمه الإعلامي المتميز عبد الله المديفر، كانت ردات الفعل في غالبها أو كلها تناغمت في إظهار الارتياح والترحيب، حتى من المنافسين أو المشاكسين الإقليميين للمملكة.

الحديث انطلق من الهم الوطني الداخلي، إلى الهم الوطني الخارجي، وتنقّل من الاقتصاد إلى الاقتصاد، مرورًا بالسياسة والإدارة والاجتماع والثقافة والقضاء تشريعًا وتنفيذًا، وعرج على توضيح أهمية العامل الديني في البنية الفكرية لعمل الدولة، والذي اضطلع المؤسس العظيم الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- بتأسيسها وغرسها في مختلف جوانب إدارة الدولة، فحينما انتهى الملك عبد العزيز من إطفاء فتنة (إخوان من طاع الله)، شدد في خطاب عام لعلماء الدين على أن: «القرآن والسنة يجب أن يكونا الأساس الذي تبنى عليه القرارات الخاصة بالدين وليس التفسير الشخصي»، الأمر الذي صار نهجًا سعوديًا في التعامل مع روح الإسلام السمحة، وتعاليمه الميسرة، وهو ما أكده سمو ولي العهد -حفظه الله- في حديثه الثري والماتع بشكل دقيق وحاسم وواضح وبعبارة موجزة، وغير مسبوقة من مسؤول سعودي رفيع الشأن والأهمية، حيث قال سموه: «دستورنا هو القرآن، وسوف يستمر للأبد والنظام الأساسي في الحكم ينص على ذلك بشكل واضح للغاية، نحن كحكومة أو مجلس الشورى كمشرع أو الملك كمرجع للسلطات الثلاث ملزمين بتطبيق القرآن»، وقال حول سؤال تبني الدولة لمنهجية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «متى ما ألزمنا أنفسنا بمدرسة معينة أو بعالم معين معناه ألّهنا البشر»، وأشار إلى عدم احتكار مدرسة فقهية للفكر السعودي الحر، الذي يعتمد الكتاب وصحيح السنة: «لا توجد مدرسة ثابتة ولا يوجد شخص ثابت، القرآن والاجتهاد مستمران فيه، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والاجتهاد مستمران فيه»، كلام المؤسس العظيم قبل أكثر من مائة عام، هو نفسه كلام حفيده سمو ولي العهد اليوم، لم يتغير شيء، وحتى إن نسب الكثير من الشانئين إلى أن الدولة السعودية الحديثة دولة وهابية تتبنى مناهج وآراء محددة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة، والتاريخ يشهد بمواقف الدولة في هذا الصدد، ولا يمكن وصف الدولة العظيمة التي أسسها الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- إلا بالحرية الفكرية في المجال الشرعي والديني، وأما ما يتبناه العلماء وطلبة العلم في البلاد فهذه حرية مكفولة للسعوديين بالعموم، ولا تعبر مواقفهم وآرائهم، عن موقف ورأي الدولة، وهذا يبرهن عليه تتبع موقف الدولة في كثير من القضايا والأحداث الداخلية والخارجية.

وحتى نمسك الخيط من أوله، فإنه إبّان تأسيس الدولة السعودية الأولى، وانطلاق الدعوة، بعد تعثراتها كانت السلطة السياسية بقيادة الإمام محمد بن سعود-رحمه الله- سندًا وظهيرًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- الذي سعى بفضلها في توجيه المجتمع إلى التدين القائم على اجتهاداته وتجديداته الفقهية والشرعية، فكان تماهي السياسي مع الديني، ممكنًا للدعوة من العبور الآمن إلى عمق المجتمع النجدي وقتها، والذي تكَّونت فيه ممانعة قوية للدعوة استمرت حتى تغلبت الدعوة عليها، ثم ساهمت تلك الدعوة، بأدواتها وآلياتها المعرفية والمنهجية، في تكوين عقلٍ ثقافيٍ جديد لمجتمع الدعوة، مغايرًا لما كان عليه مجتمع ما قبل الدعوة، رسخ ذلك التربية المنظمة، والجهود العلمية والوعظية، التي كان يقوم بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبناؤه وتلاميذه بمساندة السياسي، مما كوَّن خطًا عامًا طبعت به المجتمعات التي دخلها الفكر الديني الجديد، وكان الأثر الأبرز للثقافة الجديدة، هو انخفاض البدع والجرائم والمنكرات في المجتمعات التي تسودها الدعوة، ومع هذا نلاحظ أن الدعوة الوهابية، ليست أثرًا ثابتًا، أو بعدًا كامنًا، وإنما هي حراك ثقافي جمع الدين والسياسية والاقتصاد والاجتماع، في قالب واحد وبحسب طغيان أحد المكونات يتشكل وجه المرحلة، فوهابية الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود -رحمه الله-؛ تختلف عن وهابية الإمام فيصل بن تركي -رحمه الله-، وتختلف عن الوهابية السائدة في عهد الملك عبدالعزيز.

الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه-، ومن خلال تعاطيه مع الأحداث، ومحاولة تحديث الدولة السعودية الوليدة في ذلك الحين، وبث عوامل البقاء في أركان الدولة، ووقايتها من السقوط، كما حدث في العهدين السابقين لعهده، كان يعي جيدًا أن عرابي الوهابية في زمانه سبيل ممانعة تؤجل تقدم المجتمع وتحضره، مقارنة بالمجتمعات المجاورة القريبة، وهذا ما كان مع الملك عبد العزيز، حيث وقفت الممانعة المشيخية المتوجسة عثرة أمام تقدم الملك عبد العزيز في مسار تحديث البلاد، وضمان الاستقرار السياسي والاقليمي لدولته الفقيرة الناشئة، وحينما تغوّل عسكر «إخوان من طاع الله» وقياداتهم، شكل ذلك عائقًا كبيرًا وخطرًا محدقًا بالملك عبد العزيز ودولته؛ إن لم يسارع في وضع حد فاصل لتفاقم خطر هذه المعضلة، حيث إن عداوة الإخوان على خلاف العداوات الأخرى، لا تحسم بمعركة عسكرية فقط، بل لابد من الحسم على المستوى الشرعي أولًا، وهو ما نجح فيه الملك عبد العزيز، فمكّن تجاوز الملك عبدالعزيز لمشكلة الإخوان من تنظيم شؤون الدولة والحكومة وترتيبها، وتسارعت خطى التحديث والتطوير، وكانت هذه الحركة التجديدية التي قام بها الملك عبد العزيز، مسرحًا واسعًا لمعارضات المشايخ، وهي تختلف جذريًا عن معارضة الإخوان، كونها هادئة لا تخرج عن نطاق المناصحة، وتحذير الناس من التعامل مع المنتج الوافد، مما مكَّن للملك عبد العزيز ومن بعده لأبنائه، من تجاوز هذه المعارضات الناعمة، عند الحاجة، والسير بالبلاد نحو التقدم ومواكبة الدول المتطورة، مع حفظ مكانة المشايخ، حيث إن مخالفة رأيهم أو رأي بعضهم تتم بصورة لطيفة ومؤدبة تحفظ لهم هيبتهم، ولا تخل بقيمتهم في نفوس الناس، هذا المنهج المتحول في المعارضة من قبل المشايخ، أسهم وبشكل كبير في تحول الرأي المجتمعي من ضفة الممانعة إلى ضفة التعاطي والتأقلم، وبالأخص فئة الممانعين بالتبعية، فيسارعون إلى اللحاق بالركب وحجز مكان بين المبادرين...وللحديث بقية.