تردد مؤخرًا تداول صورة غير مكتملة من مقرر «التفكير الناقد» للصف الثالث متوسط، ضمن التطوير لنظام التعليم الذي قامت به الوزارة لعام 1443، ما لفت انتباهي هو الحكم السريع على صفحة من المقرر، دون الرجوع للأصل، والمثير حقًّا أن ما حصل هو بحد ذاته ما تريد الوزارة محاربته، من حيث تفعيل مهارات التفكير الناقد للقضاء على تداول الشائعات أو الوقوع تحت تأثير قرارات واختيارات الغير! من صَدّق وقام بتداول الصفحة «المنقوصة» لم يكلف خاطره بالتوقف والتفكير، على الأقل ظهر واضحًا أن السؤال الرئيس في أسفل الصفحة غير كامل ويدل على أن ما عرض من أسئلة كانت جزءا من درس بعنوان «قوانين الفكر الأساسية»، ألم يفكر أحد بما هي، وما هي علاقتها بالأسئلة التي ظهرت؟! غالبية من أيد الاعتراض أخذ الظاهر «وطار بالعجة» كما يقال! وتحول الأمر إلى تضليل وتشويش وحتى هناك من ذهب إلى أن ما ورد ليس إلا تقديمات إلى دفع أبنائنا إلى الإلحاد والعياذ بالله!

الأمر برمته تسبب في تشويش لدى أولياء الأمور خاصة الذين يخافون على التربية الدينية لأبنائهم ويحرصون على أن يتلقون تعاليم ديننا السمح والعظيم، هنا أقول لهم أتفهم خوفكم، لكن لا أتفهم التسرع بالحكم، والاعتماد على الغير كي يحدد لكم ما هو المقبول أو غير المقبول! ولست هنا كي أدافع عن الوزارة، فهم لديهم من يقوم بذلك على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات على الإنترنت، أنا هنا كي أوضح من خلال هذه التجربة أنه عند تواجد من يبحث ويتصيد لكي يهاجم، يجب أن نكون نحن على مستوى رفيع من الوعي والمعرفة بحيث لا نسمح له بذلك.

كل جهة إدارية لديها إيجابياتها ولها سلبياتها، ونعم من واجب وحق المواطن الحريص على مجتمعه ووطنه أن يكون مراقبًا ومحاسبًا، ولكن ليس من خلال التعدي والهجوم غير المبرر، أقول غير مبرر لأنه عندما نترك غيرنا يقودنا ونتخلى عن أدوات التفكير التي منحنا الله سبحانه ونتبع صاحب الصوت الأعلى فإننا نعتدي لا نُقوِّم!


إليكم التمهيد الذي استهل به الدرس السادس بعنوان «قوانين الفكر الأساسية» من جزئية الفصل الدراسي الثاني «قوانين الفكر الأساسية هي القوانين الأولية الضرورية التي يسير الفكر بمقتضاها ولا تحتاج إلى برهان لإثباتها، ولا ينبغي للفرد أن يحيد عنها في أثناء تفكيره واستدلاله حتى لا يقع في الأخطاء. بمعنى أنه لا يمكن لأحد أن يفكر عمدًا بطريقة مخالفة لها. هي مبادئ أولية سابقة على كل تفكير. أي أنها ليست مجرد تعميمات توصلنا إليها عن طريق التجربة - كما هو الحال في قانون سقوط الأجسام مثلًا - بل هي قواعد بديهية توجد في الذهن وتؤسس لتأطير نظري لأي ممارسة فكرية. هذه القوانين صدقها عام بشكل مطلق، ومستقل تمامًا عن مادة الموضوعات الجزئية التي نفكر فيها. فما هي هذه المبادئ الأساسية للفكر؟ وكيف نطبقها في حياتنا اليومية؟» طبعا هنا يجب أن ننتبه إلى أن الكتاب تدرج في المواضيع التي قدمت المهارات بالتسلسل من البسيط إلى المركب، بل لم تخل من الأخلاقيات والربط بالقرآن والسنة، وأقوال قادتنا والمفكرين من داخل وخارج الوطن.

الآن لنستعرض سويًّا هذه القوانين: «قوانين الفكر الأساسية مُتضمنة في كل تفكير عقلي متسق، وُتعدُّ هذه القوانين ضرورية، وأحيانًا شرطًا كاملًا للتفكير الصحيح، وهي: 1- قانون الهوية (الذاتية): يعبر عنه رمزيًّا أن (أ هو أ) ومعنى ذلك أن الشيء هو ذاته أو يملك هوية خاصة يحتفظ بها، فهذا الكتاب هو نفسه سواءً أكان في المدرسة أم في المنزل، الإنسان هو الإنسان ومعنى ذلك أن الهوية تفترض ثبات الشيء، ويُعد هذا القانون أصل القوانين وصورة موجبة للبقية المتبقية. 2- قانون عدم التناقض: يصاغ القانون عدم التناقض بعدة صور أهمها: («أ» لا يمكن أن يكون «ب» أو لا «ب» معًا في آن واحد). لا يمكن أن يكون «أ» موجودًا وغير موجود: أي لا يمكن أن تكون الصفتان المتناقضتان صادقتين معًا.. إلخ، فليس صحيحًا القول مثلا بدر طالب وليس بطالب، ويستحيل أن يَصدُق القول: أني في المنزل ولست فيه، ويُعدّ هذا القانون صورة سالبة من قانون الهوية.3 - قانون الثالث المرفوع: وصيغته «أ» إما أن تكون «ب» أو لا «ب» ولا ثالث بينهما، وهذا يعني أن أحد المتناقضين لا بُدّ أن يكون صادقًا؛ إذن ليس هناك احتمال ثالث بجانب المتناقضين يمكن أن يكذبهما معًا. وهذا القانون هو صورة شرطية من قانون عدم التناقض. مثال: محمد إما ناجح أو راسب ولا يوجد بديل ثالث. الباب إما مقفل أو غير مقفل ولا يوجد خيار ثالث.

والآن في ضوء قوانين الفكر الأساسية لنتطلع على السؤال الرئيس الذي لم يظهر كاملّا في الصورة المتداولة: أكتب عدة سطور حول العلاقة بين قوانين الفكر الأساسية واعتقادي بثبات ذاتيتي وكذلك رؤيتي لاستمرار هويات الناس، وللأشياء في العالم من حولي»، ثم لنعيد النظر في الأسئلة التي جاءت كمقدمة للسؤال الرئيس والتي تسببت بكل هذه الضجة: «ما الذي يجعلني أعتقد أنني أنا؟ ما الذي يجعلني أفكر في ذاتي أو هويتي على هذا النحو؟ من أنا؟ هل أنا هذا الجسد الذي هو جسدي؟ هل أنا أفعالي، وكل ما تعلمته طوال حياتي؟ هل أنا عقلي؟ أفكاري؟ شخصيتي؟ هل كنت سأكون نفس الشخص إذا عشت في جسد مختلف؟ هل أنا بالفعل نفس الشخص الذي أفكر أنه أنا؟»، كل ما سبق ليس سوى تدريب على تطبيق القوانين الثلاثة على الإجابات، ليس فيها كفر أو إلحاد أو خروج عن الملة! بل على العكس لو أننا فكرنا قليلًا وكنا صادقين مع أنفسنا سنتذكر أنه خطر على البال مثل هذه الأسئلة أو ما يماثلها، على الأقل في مرحلة الطفولة حين كانت الفطرة غير مشوشة ونقية! وبالنسبة لأبنائنا ألم ننتبه إلى كل الموجات المضللة التي تمر عليهم ليل نهار على الإنترنت خاصة على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، أيهما أفضل أن يتم تناول مثل هذه التساؤلات في ظل ظروف تحميهم وترشدهم وتبقيهم على تواصل مع جذورهم وهوياتهم، أو أن تدخل عليهم من الخارج في فضاء مفتوح وهم من دون سلاح فكري وتدريب كاف يمكنهم من التعامل مع أي موقف بمعرفة ومهارة وثقة؟!

بالنهاية أرى أن هذه المادة والتدريبات التي قدمتها ليست سوى أنشطة تدريب أبنائنا على أن يكونوا قادة قادرين على اتخاذ القرارات السليمة بأنفسهم دون ضغوط خارجية أو داخلية، لديهم المهارات التي تمكنهم من الرد والدفاع من خلال المنطق والحجة، بوعي يمكنهم من التفريق ما بين الرأي والحقائق، وما بين الحقائق والشائعات، والقدرة على استخراج الفائدة من كل ما يمر عليهم والتخلص من الشوائب والسموم، أليس هذا الجيل الذي نريد أن يقودنا ويستمر في الارتقاء بالوطن وتقديم أفضل ما يمكن للمجتمع الإنساني؟! لنتروى قبل توجيه أصابع الاتهام حتى لا ينطبق علينا المثل التالي: «اللي بيعرف... بيعرف، واللي ما بيعرف، بيقول: كف عدس!».