الملاحظات التالية مقصورة على أعمال أمين معلوف المترجمة إلى العربية، وهي - فيما أعلم حتى الآن: «الحروب الصليبية كما رآها العرب - 1983»، و«ليون الإفريقي - 1986»، ثم «سمرقند - 1988»، ومن ثم فهي لا تعرض لأعماله التالية التي لم يتح ليّ أن أقرأها في أصولها الفرنسية.

يبدو أمين معلوف مولعا - بوجه خاص - بتاريخ العرب والمسلمين فيما أسمي «العصور الوسطى»، فروايته للحروب الصليبية تستغرق قرنين كاملين، من تسعينيات القرن الحادي عشر إلى تسعينيات الثالث عشر، أو منذ سقوط القدس للمرة الأولى في 1099 حتى انتهاء الوجود الصليبي في المنطقة بأسرها في 1291.

أما «سمرقند»، فتشمل تاريخين، أو هي تاريخ ينطوي على تاريخ. بينما تأتي «ليون الإفريقي» تالية عليهما من حيث الفترة التاريخية التي تتناولها، وهي التي عاشها حسن بن محمد الوزان، أو ليون يوحنا دو ميدتيشى، منذ مولده في 1488 حتى انتهاء مغامرته في روما في 1526.

ولعل هذه الاختيارات تحقق للروائي أكثر من هدف واحد، فهو الذي يعيش في باريس منذ 1976، والذي اختار - حسبما قرأت في حديث له - أن يكتب بالفرنسية، لا نفورا من الكتابة بالعربية أو عجزا عنها، بل لأن الكتابة بالفرنسية تتيح له أن يحيا متفرغا لأعماله الأدبية أفضل مما تتيحه له الكتابة بالعربية. هو - إذن - ليس مثل محمد ديب وكاتب ياسين، ومن إليهما من كتاب المغرب العربي الذين كانت الفرنسية وسيلتهم الوحيدة للتعبير، ومن ثم كانوا يعانون - بدرجة أو أخرى - إحساس المنفى في اللغة، والمنفى عن اللغة.

في هذا السياق، بدهي أن ينشغل «معلوف» بالعلاقة بين الشرق والغرب، أو بين الحضارة العربية - الإسلامية من ناحية، وحضارة أوروبا من الناحية الأخرى، وهو يقول بوضوح، في تقديم روايته للحروب الصليبية، إنه لا يقدم كتابا آخر في التاريخ قدر ما هو «رواية حقيقية عن الحروب الصليبية، وعن هذين القرنين المضطربين اللذين صنعا الغرب والعالم العربي، ولا يزالان يحددان، حتى اليوم، علاقاتهما..». وفى هذه الرواية، يرد كثير من الحقائق التي يعني الغربيون أن يعرفوها، وأسوق أمثلة قليلة منها: في ديسمبر/كانون الأول 1098، اجتاح الصليبيون بلدة «أبي العلاء» (معرة النعمان)، وأعملوا السيف في أهلها، وأثبت ذلك المؤرخ الفرنجي راول دي كين: «كان جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور، ويشكون الأولاد في سفافيد، ويلتهمونهم مشويين..».

وحسن بن محمد الوزان، أو ليون الإفريقي، يكون مولده قبل سقوط غرناطة، ونحن نتلقى أيام العرب الأخيرة في الأندلس عن طريق حكايات الكبار: الأم والأب والخال، ثم تهاجر العائلة إلى «فاس»، حيث يتفتح وعيه عليها، ويحفظ القرآن، ثم يدرس في جامع القرويين، ويعاني حلو الحياة ومرها، حيث يخرج مع خاله في سفارة - باسم سلطان فاس - إلى تمبكتو في وسط إفريقيا (والحقيقة أنه سجل رحلته هذه كلها في كتاب «وصف إفريقيا»)، ويعمل بالتجارة، فيصيب ثراء عظيما، لكنه يفقد ثروته كلها في عاصفة عاتية، ويدخل مصر، وقد خلف كل شيء وراءه، وحيدا شبه مفلس!. وما أعجب ما لقي في مصر!.

شهد الطاعون، ثم اشتبكت حياته بحياة الأميرة الجركسية الجميلة «نور»، أرملة علاء الدين ابن أخي السلطان سليم، وكانت تعد ابنها منه (بايزيد) ليستعيد السلطنة من «سليم»، فتزوجها وتبنى ولدها وحلمها المستحيل معا، ولما كان مرتبطا - عن طريق صهره هارون - بتمرد «عروج» أو «ذي اللحية الحمراء»، وهو قرصان متمرد كان يهاجم البرتغاليين الذي يقضمون الساحل المغربي قضمة بعد الأخرى، وأرسله هذا في سفارة إلى القسطنطينية، ومنها عاد إلى مصر وهو موقن أن السلطان سيغزوها، وكان من نصيبه أن يشهد الغزو: «كيف السبيل إلى وصف ما فعله العثمانيون عندما تمكنوا من النفاذ مجددا إلى أحياء القاهرة؟»، ذهب بامرأته وابنهما للحج، ولدى عودته إلى المغرب نزل على شط جزيرة «جربة» في مواجهة ساحل تونس، وهناك أُسر واُسترق، ثم حمل ليقدم هدية إلى بابا روما، ليون العاشر، الذي منحه الحماية، ثم منحه اسمه، بعد أن عُمّد في حفل مهيب، وحق له أن يقول: «خُتنت بيد مزين، وعمدت بيد أحد البابوات..».

وعاش حسن بن محمد الوزان - ليون يوحنا دي ميدتيشي - صراع البابوات ضد «الهراطقة» اللوثريين الذين اجتاحوا مقر البابوات في قصر القديس بطرس.

تلك هي الخطوط العامة لحياة الرحالة الغرناطي - الفاسي - القاهري - الروماني حسن الوزان، لكن تلك العظام العارية قد اكتست لحما ونبضا وأفكارا ومشاعر، ودبت فيها حياة كاملة بإبداع الفن الجميل، بعبارة أخرى: إذا كان التاريخ قد أبقى لنا تلك الخطوط العامة، فإن الروائي قد استند إليها ليصوغ عالما روائيا كاملا لا يتجاوز شروط الفترة التاريخية التي يدور فيها. وستبقى شخصيات الأب والأم والخال، ووردة ومريم، وهارون المنقب، والشيخ «أستغفر الله»، والطبيب «أبي خمر»، والزروالي، والجارية الإفريقية «هبة»، والأميرة الجركسية «نور»، ويوحنا «العصابات السوداء»، وهانز وغويتشارديني وما دلينا، وسواهم شخصيات كاملة الاستدارة، نابضة بالحياة، لكنها لا تتجاوز معطيات الواقع التاريخي الذي تضطرب فيه أو تبدو نابية عنه، وذلك أعظم نجاح يحققه كاتب الرواية التاريخية.

1994*

* كاتب وناقد مصري «-1938 2010»