يعودُ بصري حديدًا حين يرُفع عني غطاء الفكرة المتجولة بلا نص، من خلال السخرية الفوكويّة، تلك الاستراتيجية التي لم يفصح عنها ميشيل فوكو؛ بل هي تأمل في السيرة القصدية -وهذا مفهوم أقوله هربًا من ثنائية الذاتية والموضوعية- ورصدًا لهروب فوكو من التمركز. من هنا تأخذ السخرية، لنفسها معنى جديدًا. أي أنها سترفض كونها مرآةً، سواء لليقين، أو للشك، بل تكون استراتيجية لكشف الخطاب الذي يحكمنا، وفي الوقت نفسه كيف نراوغه من خلال التفكير به.

لهذا تَسعى هذه المقالات -أعني: كل ما أكتبه في فترات مختلفة تحت السخرية الفوكوية- لإبراز سيرة قصدية/فعلية لفوكو، بصفتها استراتيجية تقوم على السخرية، تلك التي تكشف وتخفي في الآن نفسه؛ تكشف نسق الخطاب المضمر، وتخفي تموضعها فيه من خلال القصدية الكتابية.

ومن هُنا كان من أساسات تلك الاستراتيجية: قراءة ميشيل فوكو لديكارت في 1966-1967م؛ لأنَّ ديكارت حَوّل التفكير من البحث في الوجود إلى البحث في المعرفة، وأخذت الفلسفةُ تميل لصالح الماهية على حساب الوجود. ولأنَّ فيه استحضار اللحظة الأفلاطونية، تلك التي سيتقاطع معها ديكارت في تثبيت الفكرة المتجولة بلا نص!

وفي هذه القراءة الفوكوية تحضر السخرية كلحظة تحويل لديكارت بجعله نصًا يؤوِل ويؤوَل، يحاورِ ويحاوَر، ومن ثم هو جزء من كشف الخطاب اللا مفكر فيه أثناء لحظة (الأنا) و (التفكير)؛ فهو يقول فيمحو بالكتابة ما قال؛ إذ النص هو سلاح وجود التأويل، لهذا رأينا (ديكارت) المــُـنَصْوَص حاضرا عند هيغل، ثم نيتشه، فهوسرل، ثم هايدغر، بحسب القراءة الفوكوية. وفي الآن نفسه فإنَّ لحظة التنصيص هي لحظة هروب من سؤال: ما النص؟ أي أنَّ فوكو وهو يُنصوِص ديكارت، يُبيّن أنَّ التنصيصَ فعالية، تحملها القصدية التي تجعلنا نُفكِّر بشيءٍ ما. وبروزه الديكارتي كانَ في نصِّه، وكأنَّ قولَه عارض كتابته، من حيث إنَّ قوله يهتم بتأسيس الوجود على العقل، لكنَّ كتابته تجعل من الوجود، شيئًا مسبقًا، أي أنَّ النصّ هو فضاء الفكرة ومصدرها، من حيث إنه قصدية يتحكم بها الخطاب السلطوي، فقد كان النص الديكارتي يصارع الشك المذهبي، فألغى الفجوة التي تقع بين (أنا أفكر) و (إذن أنا موجود)، وهي الاعتبار الضروري بأنَّ (كل مفكر موجود)، والذي سوّغ له ذلك هو النصّ من خلال قصدية الذات الواعية. ومن هنا انطلق المشروع التنويري العقلاني، كمشروعٍ سلطوي، أي من لحظة النص (قصدية الذات الواعية)، فيكون -حينها- المشروع التنويري ألغى الوسيط (كل مفكر موجود). والوسيط -هنا- شمل التفكير بواسطة الغير، أي كأن إلغاء وساطة المقدمة (كل مفكر موجود)، توسعت لتشمل كل وسيط، ومن هنا كان كانط ينص على أن التنوير انعتاق من العجز الذاتي، وهو عدم القدرة على استخدام الفهم الخاص دون توجيه الآخر.

في المقابل، هل لنا من خلال السخرية الفوكوية أن نضع سؤال: هل كان سيد قطب أديبًا ثم مفكرًا إسلاميًا؟ النابع من سؤال: (لماذا تخلفنا، وتقدم غيرنا) النابع من ثنائية: (نحن/هم) النابعة من المركزية الإسلامية.

سيّد قطب ينتمي للمسار الاشتراكي الجذري، الذي على ضوئه كتبَ كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام). ويظهر تأثر سيد بالفكر الاشتراكي كنظرية، أنه لما كتبَ كتابه الأخير (نحو مجتمع إسلامي) كان مستحضرًا الحركة الجدلية في تطور التاريخ، فهو يرى أنَّ ما بعد الشيوعية هو الإسلام، ولو لم يكن موجودًا -أي الإسلام- لأوجده الناس كحتمية تاريخية. ومن ثمّ أخذَ يؤطر الإسلام كفلسفة شمولية، نابعة من الطبيعة لا ينفصل النظر فيها عن التطبيق بأي حالٍ، ومن ثمَّ فالقرآن -لدى سيد قطب- لتغيير التاريخ، وليس للتفسير أو الإلهام أو الهداية. وهذا المعنى استحضار للجدلية المادية التي رأت ضرورة الحتمية التاريخية كمنفذ أصيل للتغيير، ومن هنا تدخلت النظريات الشيوعية لتُغيّر التاريخ، بناءً على أنَّ الواقعَ الموضوعي وجهُ العملةِ للنظريّة/الوعي، إذ كُلّ ما فعله الفلاسفة هو فهم التاريخ، بينما المطلوب هو تغييره. بناءً على رؤية الماركسيين. سنرى من خلال السخرية الفوكوية أنَّ سيدًا يرى الأدب والفكر شيئًا واحدًا، إذ الأدبُ -عنده- (هو التفسير الشعوري للحياة، وأنه منبعث من المنبع الذي تصبُّ فيه جميع الفلسفات، وأنه من أشد المؤثرات في تكوين فكرة وجدانية عن الحياة، وفي طبع النفس الإنسانية، بطابع خاص). إنَّ سيد -هنا- يقابل الأدب بالعلم التجريبي، وذلك ليصنعَ ثنائية العلم/ الأدب. ومن ثم يُدخل في الأدبِ كُلّ ما عدا العلم التجريبي، ثم لما جاءت المرحلةُ الإسلاميةُ ابتلع لفظُ الإسلام الأدبَ؛ لهذا نجد شِعْرَ سيّد وكتابَه (في ظلال القرآن) مثلا، يقومان -بالتوازي- على مفهومِه للأدب، بصفته تفسير شعوري للحياة، الذي لا يعني إلا الإسلام في جانبه الشعوري!. أي أنَّ سيّدًا رأى أنَّ الإسلامَ تغييرٌ وليس رأيًا وتفسيرًا وهاديًا، ومن ثمّ كانت مرحلته الإسلامية بأنْ جعلَ الأدبَ الوجه الآخر لتغيير التاريخ؛ وذلك بجعله خادمًا لفكرةِ التغيير من خلال المؤلفات التي تُنظّر للإسلام بصفته فلسفة، يقوم جذرها الأساس ماديًا، والأدب/الفكر وعيُه، والعلاقة بينهما علاقة جدلية، من هنا كان -سيد- يراه حتمية تاريخية قادمة. ولهذا أشار سيد منذ بداياته أنه لا ينظر للأدب كما هو مسطور، بل يتعاطى مع ما وراء اللفظ والمعنى، فحينَ سألَه أبو الحسن الندْوي عام 1951م عن سر تحوله؛ أجاب: «إن نفسه كانت تهفو دائمًا إلى الروح وما يتصل بها». فمثلا نجد أنَّ قولَ سيد:

غريب، أجل، أنا في غربة/ وإن حفَّ بي الصحبُ والأقربون

غريب بنفسي وما تنطوي/ عـليـه حنايـا فـؤادي الـحنـون

هو الصورة الشعورية عن جاهليةِ القرن العشرين، أي أنَّه يُفسِّرُ الحياةَ شعوريًا، تلك التي تجلت في كتبه فيما يُسمّى مرحلته الإسلامية.