إذا كانت الرياضة والموسيقى لغتين عالميتين عابرتين لكل الحدود، فإن الدورات الأولمبية التي تعد درة التاج الرياضي العالمي، كانت على الدوام مساحة للتجاذبات السياسية، التي كثيرا ما ألقت بظلالها على تلك الألعاب.

وقادت إلى مقاطعات عدة، طالت نسخها المختلفة من هذه الدولة أو تلك، على الرغم من أن شعار تلك الدورات هي تلك الحلقات الملونة المتداخلة التي تشير إلى التعاضد والترابط العالمي.

وستشهد دورة الألعاب الأولمبية الشتوية المقبلة التي تحتضنها الصين في فبراير من العام المقبل هي أحدث الدورات التي ستشهد مقاطعات على خلفية سياسية، حيث أعلنت كل من كندا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، وأستراليا، مقاطعتها الدبلوماسية لتلك الألعاب، مؤكدة أنها لن ترسل ممثلين دبلوماسيين إلى بكين لحضور تلك الألعاب الأولمبية، احتجاجا على «أوضاع حقوق الإنسان في الصين».


وكانت الصين أطلقت عبارات تهديد مغلفة بكثير من الحزم في ردها على المقاطعة، موضحة أن الدول التي ستقاطع دبلوماسيا الألعاب الأولمبية الشتوية «ستدفع الثمن»، وربما هذا ما دفع كثيرا من الدول الأخرى إلى التفكير مليا قبل اتخاذ مثل هذه الخطوة، ولعل من آخرها فرنسا، التي أكدت أنها لن تنضم إلى الدول المقاطعة للدورة، وقال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إن بلاده «ستنسق» مع الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي حول الموقف الذي ستتبعه.

موقف أمريكي

حتى يفهم معنى المقاطعة الدبلوماسية، لابد أن نشير إلى أن أمريكا لن تقاطع الألعاب برياضييها الذين سيشاركون في الدورة المقبلة، لكنها لن ترسل أي مسؤول سياسي أو دبلوماسي لتلك الألعاب، مبررة قرارها بـ«الإبادة الجماعية»، التي ترتكبها بكين تجاه أقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينغيانغ (شمال شرقي الصين)، وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن قرار المقاطعة الأخير هو تقليد طويل من الدول التي تقاطع الألعاب لأسباب سياسية، وقالت: «إن غموض قضية نجمة التنس الصينية بينغ شواي، التي يُزعم أنها اختفت بعد إعلان تعرضها لاعتداء جنسي من قبل مسؤول صيني سابق، أعطى جماعات حقوقية فرصة لرفع أصواتهم ضد الصين».

الصداع المزمن

شكل تدخل السياسة في الدورات الأولمبية صداعا دائما للحركة الرياضية التي تعمل وفق إطار الشعار «أسرع، أعلى، أقوى»، ولعبت المقاطعات دورا سلبيا في تاريخ هذه الدورات، وإن كانت معظم المقاطعات قد فشلت حتى الآن في منع إقامة دورة هنا أو هناك، كما فشلت في تغيير مواعيد تلك الدورات، وأيضا في تغيير الأوضاع السياسية التي بنيت المقاطعات على أساسها أو لأجلها.

قائمة أسوأ الكوارث

بعد نسخ كثيرة من الدورات الأولمبية التي شهدت عددا من المقاطعات، توقف سيل تلك المقاطعات منذ أولمبياد سول الكورية الجنوبية عام 1988، فلم تعد الدوارت تشهد أي مقاطعات، بما في ذلك أولمبياد بكين 2008 رغم قضية إقليم التبت، ومخاوف أخرى أحاطت باستضافة الصين لهذه الدورة بسبب حقوق الإنسان.

وفي مارس 2008 قال المتحدث باسم اللجنة الأولمبية الأمريكية داريل سيبيل إن «المقاطعة الأولمبية تعتلي قمة قائمة أسوأ الأفكار»، وأوضح أنها، إلى جانب مساهمتها في العقاب الظالم للاعبين، لم تسفر عن أي شيء.

وسيلة ضغط

ظلت المقاطعات للدورات الأولمبية منذ انطلاقتها في عام 1896، وسيلة للتعبير عن ممارسة الضغط والاحتجاج، وقد لجأت إليها عدد من الدول للتعبير عن غضبها واحتجاجها على قرارات سياسية.

وعلى مدى تاريخ تلك الدورات الممتد نحو 125 عاما، عمدت دول عدة إلى المقاطعة تنديدا بأحداث ذات طابع سياسي على الساحة الدولية كالحروب والغزوات، وسياسة التميز العنصري.

ومنذ فجر الدورات الأولمبية عام 1896 بدأت السياسة تطل برأسها وتحاول فرض حضورها، ففي تلك النسخة الأولى من الألعاب الأولمبية الحديثة، شاركت المجر ببعثة رياضية مستقلة عن الإمبراطورية النمساوية المجرية، في دورة أثينا، رغم كون المجر آنذاك جزءا من الإمبراطورية، وهو ما برره مؤسس الدورات الأولمبية، الفرنسي بيير دي كوبيرتان بأن «السياسات الجغرافية الأولمبية تبطل سيادة الدولة».

حرمان أولمبي

لم تكن المقاطعات تأتي فقط من جهة الدول للدورات الأولمبية، بل جاءت أحيانا مكتسية صيغة الحرمان، وذلك من قبل اللجنة الأولمبية الدولية التي حرمت الخاسرين في الحرب العالمية الأولى (ألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا وتركيا) من المشاركة في أولمبياد أنتويرب البلجيكية 1920، كما حرمت ألمانيا من المشاركة في أولمبياد 1924 بباريس، ثم حرمت ألمانيا من جديد، إضافة إلى اليابان من المشاركة في أولمبياد لندن 1948.

في المقابل، رد الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر أولمبياد برلين 1936 وسيلة لاستعراض مبادئ النازية والدعاية لها.

كانت ألمانيا قد خسرت الحرب العالمية الأولى، وانتشرت بعد ذلك دعوات مقاطعة بعد اختيار برلين لاستضافة الدورة الأولمبية، حيث أعرب المسؤولون الأولمبيون الأمريكيون والدوليون عن قلقهم بشأن معاملة ألمانيا لليهود والأقليات الأخرى، خاصة في الرياضة.

وضغط المدافعون عن حقوق الإنسان من أجل مقاطعة الألعاب، ومارسوا ضغوطًا على الرياضيين السود للانسحاب، لكن كثيرين أشاروا إلى النفاق في موقف الولايات المتحدة، بينما كان السود لا يزالون ضحايا لقوانين جيم كرو في الجنوب وأشكال أخرى من التمييز، وفي النهاية، صوت اتحاد الرياضيين الهواة على المشاركة.

ومع ذلك أشادت صحيفة «نيويورك تايمز» في أغسطس 1936 بألعاب برلين وتنظيمها، وقالت إنها «جعلت الألمان أكثر إنسانية مرة أخرى».

الحرب الباردة

ارتفعت وتيرة المقاطعات للدورات الأولمبية وباتت أشد حدة، وأكثر وضوحا مع بدء مشاركات الاتحاد السوفييتي في تلك الدورات منذ عان 1952، ما أدى إلى تسييس أشد للدورات الأولمبية، وعلى الأخص خلال سنوات الحرب الباردة.

في عام 1956، قررت كل من إسبانيا وهولندا وسويسرا عدم المشاركة في أولمبياد ملبورن بسبب القمع السوفييتي للثورة الشعبية في المجر، وقاطعت مصر والعراق ولبنان الدورة الأولمبية نفسها، احتجاجا على مشاركة إسرائيل في العدوان على مصر.

عملية ميونيخ

شهد أولمبياد ميونيخ 1972 التصعيد الأشد في التدخل السياسي في شأن الدورات الأولمبية، فقد هاجمت مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين مقر البعثة الإسرائيلية المشاركة في الأولمبياد، واحتجزوا عددا من أفرادها قبل أن يتم قتل اثنين من أفراد البعثة، لحقهم 9 آخرون من الرهائن الإسرائيليين، وأحد رجال الشرطة الألمانية، و5 من الفدائيين بسبب التنفيذ الخاطئ لعملية الإنقاذ من قبل الشرطة الألمانية.

مغادرة جماعية

قبيل حفل افتتاح أولمبياد مونتريال 1976 مباشرة غادرت 28 دولة أفريقية مونتريال احتجاجا على رفض اللجنة الأولمبية الدولية استبعاد نيوزيلندا من المشاركة في الدورة.

كان المنتخب النيوزيلندي قد زار جنوب أفريقيا الموقوفة أولمبيا عن دورات ما بين عامي 1964 و1988 نتيجة سياسة الفصل العنصري التي تنتهجها حكومة جنوب أفريقيا.

وفي أولمبياد موسكو 1980 قادت أمريكا نحو 60 دولة، احتجاجا على غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستاني، ومن ضمن الدول المقاطعة، وجدت كل من كندا واليابان وإسرائيل والصين وألمانيا الغربية، إضافة إلى أغلب دول العالم الإسلامي، وأدت المقاطعة لمشاركة 80 دولة فقط، وهو العدد الأقل منذ الألعاب الأولمبية بملبورن 1956.

في 21 مارس 1980، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أن الولايات المتحدة ستُقاطع دورة ألعاب موسكو ردًا على غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في ديسمبر 1979، واقترنت المقاطعة بإجراءات أخرى، من بينها حظر الحبوب، ودعمت بريطانيا وأستراليا المقاطعة في البداية، ولكنهما أرسلتا وفودا إلى الألعاب في النهاية.

ورفعت مجموعة من الرياضيين الأمريكيين دعوى قضائية ضد الحكومة للحصول على إذن بالمنافسة، لكنهم لم ينجحوا.

في يوليو 2020، وعلى هامش الذكرى الـ40 لأولمبياد موسكو، نشرت الرئيسة التنفيذية للجنة الأولمبية الأمريكية سارة هيرشلاند، رسالة على تويتر موجهة إلى الرياضيين الأمريكيين قبل أولمبياد طوكيو، وقالت: «من الواضح تمامًا أن قرار عدم إرسال فريق إلى موسكو لم يكن له أي تأثير على السياسة العالمية، وبدلًا من ذلك أضرّ بكم فقط.. الرياضيون الأمريكيون الذين كرسوا أنفسهم للتميز، ونالوا فرصة تمثيل الولايات المتحدة، يمكننا أن نقول بوضوح إنكم تستحقون الأفضل».

العين بالعين

في أولمبياد 1984 في لوس أنجلوس، جاءت الفرصة المواتية للاتحاد السوفييتي للرد، فقاطع الدورة الأمريكية مع معظم حلفائه، ووحدهما رومانيا والصين شاركتا في تلك الدورة، وحشد السوفييت 14 دولة من المعسكر الشرقي، من ضمنها ألمانيا الشرقية، لمقاطعة لوس أنجلوس، معللين موقفهم بخوفهم على سلامة رياضييهم في حال سفرهم لأمريكا.

في 8 مايو 1984، قبل أشهر قليلة من الألعاب، أصدرت الحكومة السوفييتية بيانًا أعلنت فيه أن السوفييت لن يحضروا للولايات المتحدة، وقال البيان «من المعروف منذ الأيام الأولى من الاستعدادات للأولمبياد الحالية أن الإدارة الأمريكية سعت إلى تحديد مسار لاستخدام الألعاب لأهدافها السياسية»، مضيفًا «أن المشاعر المعادية للسوفييت تتأجج في البلاد».

وأبدى الاتحاد السوفييتي خشيته على سلامة الرياضيين في لوس أنجلس، خوفًا من الاحتجاجات المحتملة المناهضة للسوفييت التي قد تندلع، وردت إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريجان، بالقول: «إن قرار عدم حضور الألعاب عمل سياسي صارخ لا يوجد مبرر حقيقي له».

وحذت دول شيوعية أخرى حذو الاتحاد السوفييتي ورفضت المشاركة في الألعاب، حيث نظمت حدثا موازيا باسم «ألعاب الصداقة» في صيف 1984.

آخر مواسم المقاطعة

كانت دورة ألعاب سول 1988 آخر الدورات الأولمبية التي شهدت مقاطعات على خلفية اعتراضات ومواقف سياسية، فبسبب رفض مطلبها بتقاسم شرف استضافة الألعاب الأولمبية مع سول عاصمة كوريا الجنوبية، اتجهت كوريا الشمالية لمقاطعة ألعاب عام 1988.

ومع موافقة كل من الاتحاد السوفييتي والصين وبقية دول المعسكر الشرقي على المشاركة، اتجهت إثيوبيا ونيكاراجوا وكوبا للمقاطعة.

تهديد بلا أبعاد سياسية

هددت 4 دول عربية بالانسحاب من دورة الأولمبياد الخاص «دورة الألعاب البارالمبية التي أقيمت في أثينا 2011»، وهي سورية، مصر، ليبيا، المغرب، وبالتالي العودة إلى بلادها، بسبب سوء الإقامة والتنظيم، إذ اكتشفت أن أماكن الإقامة لا تليق باللاعبين، فرفض رؤساء البعثات والمدربون إنزالهم من الباصات التي أقلتهم إلى تلك الأماكن قبل أن يتدخل المدير الإقليمي للأولمبياد الخاص ويحل المشكلة.

مقاطعة خجولة

عادت المقاطعة للألعاب الأولمبية مجددا في أولمبياد طوكيو 2020، ولكن ليس على خلفية سياسية، فقد قاطعت كوريا الشمالية الدورة تخوفا من خطر الإصابة بفيروس (كوفيد-19)، وهي الدولة الوحيدة التي لم تشارك في دورة طوكيو، منتهكة بذلك الميثاق الأولمبي.

وأوقفت اللجنة الأولمبية الدولية، اللجنة الأولمبية الكورية الشمالية حتى نهاية 2022 بسبب مقاطعتها لأولمبياد طوكيو، ويشمل الإيقاف دورة الألعاب الأولمبية الشتوية المقررة في بكين في الفترة بين الرابع و20 فبراير، مع ترك إمكانية «إعادة النظر» في هذه المدة.

مقاطعات سياسية للألعاب الأولمبية

1920

ـ حرمان الخاسرين في الحرب العالمية الأولى من المشاركة في أولمبياد انتويرب البلجيكية.

ـ ألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا وتركيا يشملها الحرمان.

1924

ـ حرمان ألمانيا من المشاركة في أولمبياد باريس.

1948

- حرمان ألمانيا واليابان من المشاركة في أولمبياد لندن.

1956

- إسبانيا وهولندا وسويسرا تقاطع أولمبياد ملبورن.

- مصر والعراق ولبنان تقاطع الدورة نفسها.

1976

- غادرت 28 دولة أفريقية مونتريال، احتجاجا على رفض الأولمبية الدولية استبعاد نيوزيلندا.

1980

- أمريكا تقود نحو 60 دولة لمقاطعة أولمبياد موسكو.

1984

- الاتحاد السوفييتي يحشد 14 دولة لمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس.

1988

- كوريا الشمالية وأثيوبيا ونيكاراجوا تقاطع أولمبياد سول