تنطلق الإستراتيجية السعودية لتحديث الاقتصاد والمجتمع على قاعدة أساسية، هي المزاوجة بين التطور الاقتصادي وتعزيز حقوق الإنسان، وصولا إلى تحقيق النهضة والازدهار، وذلك من باب القناعة والتسليم بأن إحقاق الحق وتنزيل العدل على أرض الواقع هو أول وأهم المداخل المؤدية إلى صناعة الاستقرار وبسط الأمن.

هذه النظرة المتقدمة التي تتبعها هذه البلاد المباركة منذ توحيدها تثبت مقدار الحكمة التي وهبها الله سبحانه وتعالى للقيادة السعودية، التي ركزت منذ إكمال عملية التوحيد وإعلان تأسيس الدولة على إقرار منظومة عدلية متكاملة كانت هي الأساس الذي انطلقت منه النهضة الاقتصادية التي عمت كافة أنحاء الدولة، وذلك لأنه لا قيمة لأي طفرة اقتصادية أو رخاء معيشي إذا لم يكن الإنسان آمنا على نفسه وماله وعائلته.

لذلك ظلت عملية مراجعة المنظومة القانونية وتطويرها بصورة دورية من أهم الواجبات التي تحرص عليها الحكومة السعودية، وشهدت بلادنا تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية في التوجه نحو استكمال القوانين وتحديثها.

خلال العهد الزاهر الذي نعيشه حاليا تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله – تجلى الاهتمام بتطوير القوانين بصورة واضحة، وعقب إقرار رؤية المملكة 2030 تضاعفت هذه الجهود، وأفردت الرؤية في محوري (المجتمع الحيوي) و (الوطن الطموح) مساحة كبيرة للحديث عن استكمال وتحديث المنظومة القانونية.

من أبرز دوافع هذا الاهتمام – إضافة إلى تحقيق العدل – إيجاد بيئة مشجعة ومحفزة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وإقناع الكفاءات العلمية والاقتصادية بالقدوم إلى المملكة والانخراط في دفع عجلة التنمية، لأن أصحاب الأموال يحرصون على وجود منظومة تشريعية متكاملة تحفظ حقوقهم وتصون أموالهم، وتضمن لهم وجود قضاء عادل ونزيه للفصل في أي نزاع تجاري.

هذا الجهد المتميز جنت المملكة ثماره بصورة سريعة من خلال تحسين وضعها على معايير الشفافية العالمية، وارتفع تصنيفها لدى المؤسسات المالية المرموقة، وباتت تصنف ضمن أفضل البيئات الاستثمارية والمالية الآمنة حول العالم، لا سيما بعد تزايد الحملة الوطنية لاجتثاث آفة الفساد المالي والإداري، وتغليب معايير النزاهة والشفافية.

خلال الأيام الماضية قطعت المملكة خطوات واسعة لتعزيز هذا التوجه، وذلك بصدور قرار مجلس الوزراء بالموافقة على نظام الإثبات، وهو ما يمثل رسالة طمأنة إضافية لأصحاب المال والأعمال بأن المملكة هي وجهتهم الأكثر أمانا، والمكان الذي يمكنهم فيه توظيف أموالهم بمأمونية عالية، وبأدنى نسبة مخاطرة موجودة في العالم كله.

ومع أن إقرار النظام كان متوقعا منذ فترة طويلة عقب الإعلان عن ذلك، إلا أن ما كان لافتا هو الاهتمام الكبير الذي يوليه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – بهذه الخطوة، وإعلانها بنفسه، وتأكيده على أن الفترة المقبلة سوف تشهد إقرار بقية الأنظمة الثلاثة التي بدأ الشروع فيها خلال الفترة الماضية، وهي نظام الأحوال الشخصية، ونظام المعاملات المدنية، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، وأن العمل يسير في هذا الاتجاه وفق خطة محددة، وبما يساهم في تطوير البيئة التشريعية من أجل تحقيق العدالة الناجزة وضمان الوصول وحماية النزاهة وحقوق الإنسان. ويتوقع صدور الأنظمة الثلاثة المتبقية تباعاً. وهو ما يتوقع أن يحقق نقلة نوعية كبرى في منظومة التشريعات العدلية لترسيخ مبادئ مؤسسة على مرجعيات ثابتة في العمل القضائي.

ورغم المنجزات العديدة التي شهدتها بلادنا خلال العام الماضي، وفي مقدمتها النجاح في التعامل مع جائحة كورونا، والمكاسب الاقتصادية المبهرة والمشاريع العملاقة التي يجري العمل على تنفيذها بوتيرة متسارعة، إلا أنني على ثقة بأن النجاح في إقرار هذه الأنظمة يمثل النجاح الأكبر، لأنها تضمن استدامة التطور، وتحفظ الحقوق، وتضع كل الجهود في سياقها الصحيح.

ورغم تكامل أداء الأجهزة الرسمية المعنية بإنجاز القوانين، إلا أنه من الضروري الإشارة إلى الحراك التفاعلي الإيجابي الذي يجري بين مجلسي الشورى والوزراء حول تلك التشريعات ، ومقدار الحرص الكبير الذي أبداه الجميع في إطار إنجاز هذه المهمة الوطنية التاريخية، وهو ما قاد بحمد الله إلى تسريع الإنجاز.

ولتوثيق جهود الآخرين، فإن ما يبذله وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني من جهود في سبيل ترقية الكادر البشري الذي يتولى ترجمة ذلك التطور إلى أفعال وممارسة حقيقية تذكر فيشكر، وكذلك جهود لجنة إعداد التشريعات القضائية بمجلس الوزراء التي ظلت تقف بقوة وراء إكمال صياغة نظام الإثبات وتواصل نفس الدور تجاه مشاريع الأنظمة الثلاثة المتبقية وفق منهجية علمية وبما يضمن تحقيق كل تشريع منها الهدف المنشود من إقراره وهذه هي الحاكمية والمؤسسية في أجلى صورها.

ولا أجد ما أختم به سوى التأكيد على أن ما تشهده بلادنا من نهضة تشريعية شاملة يفوق ما شهدته طول الفترة الماضية، مع التقدير التام لكل الجهود التي بذلت، إلا أنها لم تكن كافية لتلبية ما يتطلبه هذا العصر الذي تزايدت فيه التحديات، وتشعبت فيه الاحتياجات وتداخلت فيه المصالح، واكتسبت المعاملات التجارية الدولية المزيد من الأهمية، مما أوجد حاجة ماسة لتلك التعديلات، وهو ما سينعكس إيجابا على بلادنا خلال الفترة المقبلة.